رسالة العام الجديد... وعشرة مكاسب في عام مليء بالتحديات
بيان صحفي
بينما نبدأ أسبوع عملنا الأول في العام الجديد، نتأمل كالمعتاد عامًا مضى مليئا بمواجهة التحديات والتصدي للانتهاكات في ظل أزمة حقوق الإنسان المستمرة في مصر بلا هوادة منذ أكثر من عقد.
لكننا أردنا أن نبدأ معكم العام الجديد باستعراض عشرة من بين المكاسب المرحلية التي حققناها خلال العام المنصرم:
-
1. تعويضات أهالي وادي القمر عن أضرار استعمال الفحم لإنتاج الأسمنت
واصلنا طوال 2025 مساندة أهالي منطقة وادي القمر بالإسكندرية في نضالهم المستمر على مدى أكثر من عشر سنوات ضد مصنع أسمنت تيتان الذي حصل على رخصة حكومية لاستخدام الفحم داخل منطقتهم السكنية. انتهى العام بتسلم أحد سكان المنطقة لمبلغ قدره مليون جنيهًا تعويضًا له ولولده عن الأضرار الصحية المترتبة على نشاط المصنع، بعد مماطلة الشركة المالكة على مدى عام ونصف في تنفيذ الحكم القضائي الذي حصل عليه محامونا في العام السابق. كما بدأت الشركة في سداد مبلغ التعويض الذي قررته المحكمة لساكنة أخرى بمبلغ 750 ألف جنيه، وتمكن ساكن ثالث من تقاضى كامل مبلغ التعويض الذي قدرته المحكمة بمائة وعشرين ألف جنيه. وحصلنا خلال العام على حكم رابع بتعويض أحد السكان بمبلغ مائتي ألف جنيه. في الوقت ذاته ما زال محامونا يسعون في مجلس الدولة لإلغاء رخصة المصنع لاستعمال الفحم بين منازل السكان.
-
2. النساء قاضيات بمجلس الدولة للمرة الأولى بالطريق الطبيعي
شهد العام الماضي الزوال الفعلي لآخر عائق قانوني أمام تولي النساء كافة الوظائف القضائية في مصر، بصدور قرار رئيس الجمهورية بتعيين 207 قاضية وقاض بدرجة مندوب مساعد بمجلس الدولة؛ وهو القرار الذي جعل من القاضيات المعينات أول دُفعة تُعيَّن بالطريق الطبيعي من أول السلم الوظيفي القضائي بمجلس الدولة. جاء القرار نتاجًا لنضال القانونيات اللاتي سعين على مدار عقود للوصول لحقهن الطبيعي في شغل مقاعد القضاء كافة، بما فيها مجلس الدولة. وبينما ندرك أن القرار لن يضمن وحده حق النساء في العدالة، فإنه يثبت مرة أخرى أن نضال نساء مصر من أجل حقوقهن كان ومازال طريقهن الوحيد.
-
3. بدء التصدي لأزمة الولادات القيصرية غير الضرورية لنساء مصر
أعلنت وزارة الصحة أخيرًا في سبتمبر 2025 فرض معايير جديدة لتعزيز الولادة الطبيعية وتقليل الولادات القيصرية غير الضرورية، في خطوة متأخرة لمواجهة الزيادة المطردة والمستمرة على مدار أعوام لمعدلات الولادة القيصرية غير الضرورية في مصر، حتى بلغت 72٪ من إجمالي الولادات في الأعوام الخمسة السابقة على إصدار المسح الصحي للأسرة المصرية 2021، مقارنة بـ 51٪ في مسح عام 2014، وهي نسبة تضع مصر أعلى بلدان العالم في معدلات الولادة القيصرية. وبينما رحبنا بسعي الوزارة لمواجهة هذه الأزمة المتفاقمة، فإننا ما زلنا نرى ألا سبيل لتحقيق تحسُّن ملموس في تلك المعدلات إلا عبر تصميم خطة تنفيذية متكاملة تتضمن زيادة الإنفاق على الصحة بشكل عام، وعلى رعاية الحمل والولادة خصوصًا، ومن منظور يرتكز على كرامة النساء وحقهوقهن في الولادة الطبيعية، والتعاون في تطوير تلك الخطة وتنفيذها مع المجتمع المدني بأشكاله المختلفة.
-
4. تحرير المزيد من السجناء السياسيين
رغم استمرار أزمة الحبس بتهم سياسية دون هوادة طوال العام الماضي، فقد شهد العام تحرير عدد من السجناء السياسيين الذين ألقي القبض عليهم فقط لممارسة حقهم في حرية التعبير والتنظيم والعمل السياسي أو النقابي. وتضمنت قائمة المفرج عنهم من موكلينا في شهر يناير تسعة عمال بالشركة التركية المصرية لصناعة الملابس "تي آند سي" بعد اتهامهم بالتحريض على الإضراب، وموكلين ضمن مجموعات أخلت النيابة سبيلهم من بينهم 14 محبوسًا في شهر مارس، وعددًا آخر من المحبوسين بتهم سياسية بقرارات من محاكم بالقليوبية والإسكندرية ونيابة أمن الدولة العليا في الشهر نفسه، والمستشار القانوني لرابطة مستأجري الإيجار القديم، و 50 من المحبوسين احتياطيَا بينهم الصحفي أحمد سراج في شهر يونيو، و33 محتجزًا بتهم سياسية في سبتمبر، وفي شهر أكتوبرعددًا من صيادي قرية برج مغيزل وقرى مجاورة بمحافظة كفر الشيخ، والقضية المعروفة إعلاميًا باسم "ثورة الكرامة"، إلى جانب عدد من من المقبوض عليهم بـ"تهمة" دعم فلسطين، وخمسة من المحبوسين بسبب معتقداتهم الدينية في ديسمبر. وبينما يمثل كل واحد من هذه القرارات رفعًا للظلم وتوحيدًا لعائلات ممزقة، فإنها ما زالت مجرد نقطة في بحر الاعتقالات السياسية الجديدة التي شهدها العام.
-
5. أحكام بالبراءة وانتزاع للحقوق
إلى جانب قرارات إخلاء السبيل، شهد العام الماضي صدور أحكام ببراءة ثلاثة من أبناء مدينة سيدي براني بمحافظة مطروح بعد قبول الاستئناف على الحكم الصادر بسجنهم عقب القبض عليهم عندما تجمع العشرات منهم للتظاهر أمام قسم شرطة سيدي براني تنديدًا بمقتل مواطن أصابه ضابط شرطة بعدد من الأعيرة النارية التي أطلقها من سلاحه في يوليو 2023. كما حصل محامو المبادرة على حكم ببراءة موكل للمبادرة المصرية في الإسكندرية، وألغت المحكمة بذلك حكمًا سابقًا صدر غيابيًا ضده بالسجن عشر سنوات بدعوى اشتراكه في مظاهرة جرت عام 2014 كان وقتها طفلًا. وحصلنا في شهر سبتمبر على حكم من محكمة القضاء الإداري بقبول طعن الناشط السياسي والمتحدث السابق باسم حركة 6 إبريل على قرار حرمانه من أداء امتحانات الدراسات العليا التحريرية والشفوية بدبلومة القانون العام بجامعة المنصورة في خطوة نحو تمكين السجناء من استكمال تعليمهم فوق الجامعي. وما زالت المحكمة الإدارية العليا تنظر طعن وزارة الداخلية على الحكم الصادر لصالح عادل. وفي سبتمبر من العام الماضي تكلل نضال الدكتورة ليلى سويف بعد إضراب عن الطعام استمر عامًا كاملًا للمطالبة بالإفراج عن ابنها الناشط السياسي والخبير التقني علاء عبد الفتاح بعد انقضاء فترة عقوبته البالغة خمسة أعوام تنفيذًا لحكم سياسي صدر عن محكمة طوارئ بعد محاكمة افتقرت لأدنى قواعد المحاكمة العادلة. وسبق الإفراج عن علاء بعفو رئاسي رفع اسمه عن قوائم الإرهاب، ثم أصدر النائب العام قرارَا بإنهاء منعه من السفر في ديسمبر 2025.
-
6. بسط الحماية الاجتماعية للمرة الأولى لعمال المنصات والعاملات الزراعيات
رغم تحفظاتنا واعتراضاتنا على العديد من مواد قانون العمل الجديد الذي صدر في مايو 2025، إلا أن الحكومة والبرلمان استجابوا في اللحظة الأخيرة قبل إقرار مشروع القانون لمطالب الخبراء والمجتمع المدني ليضاف إلى القانون فصل حول أنماط العمل الجديدة يعترف للمرة الأولى بالعاملين عن بعد، وعاملي المنصات الرقمية بما فيها تطبيقات المواصلات وعمال التوصيل للمنازل، وغيرها من الأنماط التي غابت عن القانون السابق. كما اعترف المشروع بالعاملات الزراعيات للمرة الأولى بعد أن كان القانون السابق يستثنيهن بالتحديد. وبرغم التحديات التي نتوقع أن تواجه تفعيل هذه المواد عمليًا، فإن من شأن هذا الاعتراف أن يضمن للمرة الأولى حقوق هؤلاء العمال في الحد الأدنى للأجر والتأمينات وغيرها من عناصر الحماية الاجتماعية للمرة الأولى.
-
7. دعم الناجيات من العنف الجنسي والقائم على النوع
واصلنا خلال العام نشاطنا في مساندة النساء والفتيات الناجيات من العنف الجنسي والقائم على النوع، خاصة جريمة الابتزاز الجنسي عبر الإنترنت المتزايدة بشكل لافت. وقدمت محامياتنا ومحامونا الدعم القانوني وحصلوا على أحكام لصالح الناجيات، من بينها حكم في شهر يونيو بالسجن سبع سنوات لمتهم بابتزاز زوجته وشقيقتها من محكمة جنايات المطرية بالقاهرة، وحكمًا آخر في ديسمبر بالسجن خمس سنوات غيابيًا لمتهم بالتحرش الإلكتروني بمُعلِّمة ومحاولة ابتزازها من محكمة جنايات جنوب المنصورة.
-
8. حكم من اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان لصالح ضحايا "كشوف العذرية"
في نوفمبر 2025 تلقينا أخيرًا حكم اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب التابعة للاتحاد الأفريقي في الدعوى التي أقمناها منذ عام 2012 نيابة عن سجينتين سياسيتين تعرضتا في العام السابق لجريمة "كشوف العذرية" أثناء احتجازهما بالسجن الحربي بعد القبض عليهما في مظاهرة سلمية. وانتهى الحكم الصادر في أكثر من 60 صفحة إلى إدانة الحكومة المصرية بانتهاك ثمانية من مواد الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، وألزم الحكومة بوقف هذه الممارسة المهينة ومحاسبة المسؤولين عنها ودفع تعويض قدره مائة ألف جنيه لكل من الضحيتين. ويعد هذا الحكم هو الخامس الذي حصلت عليه المبادرة المصرية من بين ستة أحكام أصدرتها اللجنة ضد الحكومة المصرية منذ إنشائها في الثمانينيات. كما يأتي ليكلل الحكم الذي حصل عليه محامونا في ديسمبر 2011 والذي قضى بوقف هذه الممارسة المهينة واللا إنسانية والحاطة بكرامة النساء.
-
9. الأمم المتحدة تسلط الضوء على انتهاكات حقوق الإنسان في مصر
في يناير من العام الماضي عقد مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة في جنيف جلسات الاستعراض الدوري الشامل للملف الحقوقي المصري للمرة الرابعة. واعتمد المجلس في شهر يونيو تقرير المراجعة الذي تضمن أكثر من 370 توصية للحكومة المصرية من 137 دولة من كافة المجموعات الجغرافية، لتقدم في مجملها وصفًا حقيقيًا لأزمة حقوق الإنسان غير المسبوقة التي تمر بها مصر الآن. وجاءت نتيجة المراجعة لتكلل جهدًا واصلناه منذ منتصف 2024، حيث قدمت المبادرة المصرية للمجلس خمسة تقارير منفصلة قدمت لمحة عامة حول تدهور الوضع الحقوقي منذ جلسة الاستعراض السابقة عام 2019، ومنظومة العدالة الجنائية، وحقوق المدافعين عن حقوق الإنسان، وأزمة حقوق النساء والفتيات، وانتهاكات الحريات الرقمية، فضلًا عن تعليق على تقرير الحكومة حمل عنوان "الواقع الموازي". شاركنا أيَضًا بحضور الجلسة في يناير، و قدمنا مداخلة شفهية في جلسة اعتماد التوصيات في يونيو.
-
10. الاتحاد الأوروبي يضمن تحسين حقوق الإنسان في أكبر قروضه للحكومة المصرية
اعتمد الاتحاد الأوروبي في يونيو من العام الماضي قرارًا بتقديم قرض غير مسبوق بقيمة أربعة مليارات يورو للحكومة المصرية. وبعد جهود مكثفة للمجتمع المدني في القاهرة وبروكسل، ورغم معارضة عدد من الدول الأعضاء ونواب البرلمان الأوروبي، جاء النص النهائي للقرار ليشير لأنه "ينبغي أن يكون الشرط الأساسي لمنح الاتحاد المساعدة المالية الكلية لمصر هو أن تستمر مصر في اتخاذ خطوات ملموسة وذات مصداقية وواقعية نحو احترام الآليات الديمقراطية الفعالة، بما في ذلك النظام البرلماني متعدد الأحزاب، وسيادة القانون، وضمان احترام حقوق الإنسان." كما ألزم القرار المفوضية الأوروبية بأن تقدم للبرلمان الأوروبي والدول الأعضاء بالاتحاد تقريرًا سنويًا بشأن مدى التزام الحكومة المصرية باتخاذ خطوات "نحو احترام الآليات الديمقراطية وسيادة القانون وضمان حقوق الإنسان."
إلى جانب هذه المكاسب المرحلية، استمر فريقنا في جهود الإنتاج المعرفي من دراسات وتقارير وأوراق سلطت الضوء على طائفة واسعة من حقوق الإنسان بمعناها الشامل، من توثيق الانتهاكات في مجمع سجون بدر إلى رصد الآثار الاجتماعية لقرض صندوق النقد الدولي، ومن حملة الملاحقة القانونية باسم حماية "قيم الأسرة المصرية" إلى انهيار منظومة حماية اللاجئين، ومن سياسة الهيدروجين الأخضر في مصر إلى قمع حرية التعبير في قانون الجريمة الإلكترونية، ومن الاشتباك مع قانون العمل الجديد وقانون الإجراءات الجنائية إلى تحليلنا السنوي لموازنة العام المالي الحالي من منظور العدالة الاجتماعية. واستمرت هذه الإصدارات وغيرها ومواقف وتعليقات فريقنا في تسليط اهتمام وسائل الإعلام المصرية والأجنبية بأوضاع وحقيقة الوضع الحقوقي المتردي في مصر.
تحققت هذه المكاسب واستمر عملنا طوال العام رغم أنه بدأ بقضية جديدة ضد مدير المبادرة المصرية حسام بهجت بتهم "الإرهاب" على خلفية عملنا حول أوضاع السجون، وقضية "إرهاب" جديدة أخرى ضد مدير البحوث كريم عنارة بعد توقيفه في كمين أمني مروري. وفي نوفمبر 2025 مرت خمس سنوات كاملة على صدور قرارات تعسفية بالمنع من السفر والتصرف في الأموال والممتلكات ضد عنارة ومديرنا الإداري محمد بشير والمدير التنفيذي السابق جاسر عبد الرازق بعد القبض عليهم في عام 2020 على خلفية عملهم في المبادرة المصرية.
غير أننا نبدأ العام الجديد بعهد أمام أنفسنا وأمامكم بأن هذه المضايقات لن توقفنا عن عملنا، وبشكر خالص لشركائنا وأنصارنا -وبالطبع لفريقنا- على استمرار الدعم والنضال طوال عام جديد نسعى يأتي بمزيد من المكاسب على طريق تحقيق العدالة والمساواة والحرية والكرامة للجميع.
فابقوا معنا.
فريق المبادرة المصرية للحقوق الشخصية



