"من التهجير إلى العزلة! عام على التهجير القسري لأقباط العريش"

الملخص التنفيذي:

عام مضى على تهجير أقباط مدينة العريش قسريًّا، وسط عمليات استهداف عنيفة طالت عددًا منهم داخل منازلهم، وهو ما دفعهم إلى النزوح بسرعة وبدون حمل أية متعلقات، تركوا كل ما يملكونه، هربًا من القتل، وانتقلوا إلى عدد من المحافظات القريبة أو تلك التي يوجد فيها أقرباء لهم. وقتها، نفت مؤسسات الدولة أن يكون ما حدث تهجيرًا، وأعلنت _خلال تصريحات_ وزيرة التضامن الاجتماعي غادة والي أن المهجرين سيعودون إلى العريش خلال يومين أو ثلاثة أيام، وهو ما كان يشير إلى عدم إدراك حجم الأزمة الحقيقي، وهو ما انعكس فيما بعد على مستوى تدخلات مؤسسات الدولة سواء لتحقيق العدالة أو جبر الضرر للضحايا.

توثِّق المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في هذا التقرير المعنون: "من التهجير إلى العزلة! عام على التهجير القسري لأقباط العريش" الظروف المعيشية للأقباط المهجرين بعد عام، وتحاول أن تستكشف ماذا قدمت إليهم مؤسسات الدولة، وهل اتخذت خطوات فعلية لتحقيق العدالة وجبر الضرر الواقع على هؤلاء المواطنين. كما أطلقت بالتزامن مع هذا التقرير مادة فيلمية مصورة تتضمن عددًا من الشهادات للضحايا في أماكن إقامتهم في محافظات الإسماعيلية والقاهرة والجيزة. تقدم المبادرة التقرير والمادة المصورة إلى الجهات المعنية سواء كانت مؤسسات رسمية أو مؤسسات عمل مدني من أجل تحمل مسئولياتها في إقرار العدالة ومحاسبة الجناة وجبر الضرر للضحايا.

كانت المبادرة المصرية قد أصدرت تقريرها: "سردُ وقائع موتٍ مُعلَنٍ.. تقرير تحليلي عن وقائع القتل والتهجير القسري بحق أقباط العريش" في مايو 2017، تناول التقرير الوقائع المعلنة لاستهداف أقباط محافظة شمال سيناء بأشكال مختلفة من الترهيب بدءًا من منع ممارسة الشعائر الدينية وحرق الكنائس والاعتداء على الممتلكات والخطف مقابل الفدية ووصولًا إلى التهجير القسري والقتل على الهوية على مدار السنوات الست الماضية وحتى الأسابيع الأخيرة من شهر فبراير 2017.

وكانت حدة استهداف الأقباط قد تزايدت مع نهاية يناير 2017، وبلغت ست حوادث نتج عنها قتل سبعة أقباط، بدأت بقتل وائل يوسف قلدس، في 30 يناير، داخل متجره في شارع 23 يوليو الرئيسي وسط مدينة العريش في منتصف اليوم، وانتهت بقتل كامل رؤوف كامل الشهير بكامل أبو روماني في 23 فبراير. وقد اتسمت هذه الاعتداءات بالعنف الشديد واستهداف الأقباط في منازلهم وحرق جثث البعض ونهب المنازل قبل حرقها، كما تنوعت الأحياء التي ينتمي إليها الضحايا. كما تمكن القائمون بهذه الاعتداءات من الحصول على التليفونات المحمولة للضحايا، وهو ما وفَّر لهم قاعدة بيانات جاهزة بأسماء وأرقام تليفونات باقي المسيحيين في المدينة.

وقالت المبادرة المصرية في تقريرها السابق إن ما حدث في فبراير الماضي لا يمكن وصفه سواء بالمعايير القانونية والدستورية المصرية، أو بالمعايير الدولية التي قَبِلت بها الدولة ورفعتها إلى مرتبة النصوص القانونية المُلزمة، إلا كتهجير قسري مارسته جماعات مسلحة أو شبه مسلحة ضد جماعة متجانسة دينيًّا بهدف إجلائها عن موطنها. ولا يمكن التهوين من شأنه واعتباره مجرد مغادرة طوعية أو حالة نزوح جماعي هربًا من نزاع مسلح. وأضافت أن تعامل الأجهزة الأمنية والمحلية مع تلك الأزمة قد فشل في الوفاء بالتزاماتها الدستورية والقانونية والدولية بحماية الحقوق الأساسية للمواطنين المصريين في تلك المنطقة وعلى رأسها الحق في الحياة والحق في الملكية وعدم التهجير القسري، مع الأخذ في الاعتبار المدى الزمني الطويل الذي تطورت عبره الأحداث والذي كان من المفترض أن يسمح بالتنبؤ والتخطيط الفعَّال للتدخل بهدف توفير الحماية.

ينقسم تقرير المبادرة المصرية الجديد: "من التهجير إلى العزلة! عام على التهجير القسري لأقباط العريش" إلى جزأين: الأول يناقش أوضاع الأعداد القليلة من المسيحيين الذين لا يزالون يعيشون في مدينة العريش والاعتداءات التي حدثت خلال عامٍ منذ وقائع التهجير وحتى نهاية فبراير الجاري، وكذلك الأوضاع المعيشية للمهجرين في المناطق التي انتقلوا إليها. أما الجزء الثاني فيسعى إلى تحليل تدخلات الأجهزة الحكومة من حيث الإجراءات المرتبطة بالحق في العدالة والوصول إلى المتورطين في هذه الاعتداءات، أو الحق في جبر الضرر عن طريق منح تعويضات متناسبة مع حجم الأضرار التي تعرض لها الضحايا، وقبل ذلك اتباع قواعد المكاشفة والمصارحة بالاعتراف بحجم المشكلة والإجراءات الواجب اتخاذها لإزالة هذا الضرر.

المبادرة المصرية للحقوق الشخصية

اعتمدت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في كتابة هذا التقرير على رصد وتوثيق حالات الاستهداف التي تعرض لها الأقباط الذين لا يزالون يقيمون في مدينة العريش، كما اعتمدت على نتائج مقابلات مصورة قام بها باحثو المبادرة المصرية مع عديد من الأسر المهجرة في محافظات السويس والقاهرة والجيزة، في حين حصلوا على عشرات الإفادات التليفونية من الضحايا والمسئولين الدينيين والتنفيذيين.


وخلصت المبادرة المصرية في تقريرها هذا إلى عدة نتائج:

- بعد عام على أحداث التهجير ما زال الوضع الأمني غير مستقر، ولا يوفر الحد الأدنى من الحماية اللازمة للمسيحيين، لذلك لم تتمكن الأسر المهجرة من العودة إلى مدينة العريش مرة ثانية، وبعض الحالات التي قررت العودة تعرضت للاستهداف وصولًا إلى القتل على أيادي ملثمين.

- ترتب على عدم توصيف مؤسسات الدولة للأزمة بشكل واقعي ودقيق عدم وضوح الإطار القانوني المنظَّم للتعامل مع الضحايا، والتدخلات التالية للمسئولين الأمنيين والتنفيذيين. بالتالي تم التعامل مع تهجير الأقباط القسري كأنه حدث عابر سينتهى خلال أيام قليلة، وسيعود المهجرون إلى ديارهم، وهو ما لم يحدث حتى الآن.

- جاءت تدخلات المسئولين التنفيذيين والقيادات الإدارية أثناء التهجير متأثرةً بالضجة الإعلامية التي أثارها مشهد الأسر المهجرة، وقد نجحت الحكومة في دعم قطاع من الأسر المهجرة بتوفير سكن، وسبل عيش للقطاع الكبير منهم، لكنها فشلت في وضع خطة متكاملة للتعامل مع الأزمة، وتم التعامل مع الأهالي كمتلقي إعانات وليس كمستحقي تعويضات مناسبة لحجم ممتلكاتهم وإعادة دمجهم في مجتمعاتهم الجديدة، وتوفير فرص عمل تكفُل لهم سبل الحياة الكريمة.

- كما أدى غياب هذا الخطة المتكاملة إلى اختلاف طريقة التعامل مع الضحايا حسب المحافظة التي انتقلوا إليها، فأصدر بعض المحافظين قرارات بتقديم إعانات مالية شهرية تستخدم كتكلفة إيجار شقة، والبعض الآخر قدم شققًا إلى الأهالي للإقامة المؤقتة، وهناك من تجاهل الضحايا أصلًا.

- بالرغم من مرور عام على وقائع القتل العمدي على الهوية الدينية والتهجير، لم تُعلِن جهات التحقيق أي بيانات عن مصير هذه التحقيقات: هل تم تحديد الأطراف المحرِّضة والفاعلة لهذه الجرائم، سواء كانت جماعات أو أفرادًا؟ هل تمكنت جهات التحقيق من معاينة مسرح عمليات الاستهداف؟ هل هناك أطراف تم القبض عليها بشأن هذه الاعتداءات؟ فغياب الإجابات عن هذه الأسئلة يثير شكوكًا حول تمكين مؤسسات العدالة من القيام بواجباتها في التحري والتحقيق واستدعاء المشتبه بهم والمتهمين وصولًا إلى الإحالة إلى المحكمة المختصة.