9 أبريل 2019

عن الدراسة:

 شهدت مصر في السنوات الأخيرة توسعًا في استخدام الوضع تحت مراقبة الشرطة كإجراء مقيِّد للحرية ضد العديد من الأفراد منهم مَن تم القبض عليه في تظاهرة أو اتهم بالتظاهر دون إخطار ضمن اتهامات أخرى. من هؤلاء من يُلزم بالبقاء في قسم الشرطة من غروب الشمس إلى شروقها بما يؤثر في حياته وعمله وتعليمه. فما هو الوضع تحت مراقبة الشرطة وشروطه وأحكامه وضوابطه وفقًا للتنظيم القانوني الراهن؟ وهل الطريقة المتبعة لوضع الأفراد تحت مراقبة الشرطة تتوافق مع الدستور المصري الحالي ومعايير ومواثيق حقوق الإنسان؟ تلك هي الأسئلة الرئيسية التي تهدف هذه الدراسة إلى الإجابة عليها.

تتكون هذه الدراسة من ثلاثة فصول:

يتتبع الفصل الأول، كافة القوانين والقرارات التي نظمت الوضع تحت مراقبة الشرطة كإجراء مقيِّد للحرية منذ صدور قانون العقوبات الأهلي عام 1883 حتى الآن، وذلك للوقوف على الأسباب التاريخية والأسس القانونية للقواعد التي تنظِّم الوضع تحت المراقبة حاليًّا،

أما الفصل الثاني فمعنيٌّ بتوضيح الوضع تحت المراقبة وفقًا للنظم القانونية المعمول بها حاليًّا والذي ينقسم بدوره إلى عنوانين رئيسيين: الأول معني بعرض كافة حالات وضع الأفراد تحت مراقبة الشرطة والفوارق بين تلك الحالات، والثاني عن ما هو الوضع تحت المراقبة وما الغاية منه.

أما الفصل الثالث والأخير لهذه الدراسة فيوضح القيود التي تفرض على الفرد الموضوع تحت المراقبة، ومدى اتفاقها مع الدستور المصري الحالي والمواثيق والمعاهدات الدولية التي صادقت عليها مصر، وتنتهي هذه الدراسة بعددٍ من التوصيات والمقترحات التي تهدف إلى جعل الوضع تحت مراقبة الشرطة أكثر اتساقًا مع الدستور ومواثيق حقوق الإنسان ذات الصلة.

منهجية الدراسة

اعتمدت هذه الدراسة على جمع وتحليل كافة القوانين والقرارات ذات الصلة أو التي نظمت الوضع تحت مراقبة الشرطة كإجراء مقيِّد للحرية تقوم به الشرطة المصرية، وكذلك تم الاعتماد على العديد من أحكام المحاكم المصرية ذات الصلة بموضوع الدراسة. اعتبرت هذه الدراسة النصوص الواردة في الدستور المصري، وأحكام المحكمة الدستورية العليا، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمواثيق والمعاهدات الدولية التي صادقت عليها مصر وتحديدًا العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب واتفاقية منظمة العمل الدولية الخاصة بالسخرة والعمل الجبري ـ هي المرجع الأساسي في الإجابة على الأسئلة الرئيسية التي تطرحها هذه الدراسة.

مقدمة:

عند دخول بعض مراكز وأقسام الشرطة ليلًا، غالبًا ما تجد مجموعة من الأفراد يفترشون الطرقات، منهم النائم على الأرض دون غطاء ومنهم من لا يجد مساحة لينام فيها، وإن بحثت عن أسمائهم في كشوف المقبوض عليهم أو المحتجزين فلن تجدها. قد تجد منهم من مرَّ عليه ثلاثة أعوام أو أكثر وهو يفعل ذلك كل يوم، وإن غاب أو تأخر ولو لساعة بعد الساعة السادسة مساءً أو غادر القسم قبل السادسة صباحًا فقد يحكم عليه بالحبس لمدة عام. إن سألت: من هؤلاء؟ يأتيك الرد، بعض الخاضعين لمراقبة الشرطة. وبدلًا من أن تبذل الشرطة مجهودًا في مراقبتهم كما يقول القانون، تختصر الطريق و تلزمهم بالمبيت في أقسامها، قد يكون اقتصادًا منها للمجهود المفروض عليها ولكن ذلك بالتأكيد يتم بالمخالفة للقانون في أحوال كثيرة على النحو الذي ستظهره هذه الدراسة.

لم تتمكن الدراسة من الوقوف على تاريخ محدد بدأ فيه وضع الأفراد تحت مراقبة الشرطة كإجراء عقابي وقائي ولكن قانون العقوبات الأهلي الصادر عام 1883 كان يحوي عقابًا سُمي "الوضع تحت ملاحظة الضبطية القضائية الكبرى"، وتطور هذا العقاب وتغير اسمه إلى الوضع تحت ملاحظة البوليس، ثم الوضع تحت مراقبة البوليس الذي هو الآن الوضع تحت مراقبة الشرطة.

 تُظهر هذه الدراسة كيف كان للأوضاع السياسية تأثير بالغ على تنظيم الوضع تحت المراقبة وكيف استخدم الوضع تحت المراقبة كبديل لإعلان حالة الطوارئ في بعض الأوقات. قديماً لم يكن مسموحًا بإلزام الأفراد بقضاء الليل في أقسام الشرطة واعتبرت محكمة النقض أن أقسام الشرطة لا تصلح لأن تكون مكانًا يبيت فيه المراقب، لكن ذلك تغير مع صدور أمر الحاكم العسكري رقم 96 لسنة 1940 والذي أجاز إلزام المراقب بقضاء الليل في أقسام الشرطة ومراكزها، وظل هذا الوضع إلى يومنا الحالي.

 لم يُعَرِّف القانون الوضع تحت مراقبة الشرطة وكذلك لم تفعل المحاكم، ولكن القانون أوضح ما يُتخذُ من إجراءات وما يوضع من قيود على حرية المراقب، وعملت المحاكم على إظهار الطبيعة القانونية للوضع تحت المراقبة وكونه عقوبة قضائية يجب أن تكون مرتبطة بحكم قضائي، وأنها في أصلها ليست مثل العقوبات التقليدية تهدف إلى عقاب الشخص المدان عن فعلٍ قام به وإنما عقوبة وقائية أو احترازية تستهدف الحماية في المستقبل من الجريمة ومساعدة المحكوم عليه على سلوك طريق يتفق مع القانون، فهل تحقق الطريقة التي تتبعها وزارة الداخلية ذلك؟

اعتمادًا على ما انتهت إليه هذه الدراسة من بيانٍ لطبيعة هذا الإجراء والوسيلة المستخدمة في تحقيق أغراضه، تقترح هذه الدراسة تعريفًا للوضع تحت مراقبة الشرطة بأنه:

"تمكين الشرطة من الوصول إلى والوقوف على مكان تواجد ونشاط المحكوم عليه طوال المدة المقضي بها أو المقررة قانونيًّا، عبر وضع بعض القيود على حريته في اختيار محل إقامته ومكان تواجده ليلًا وتنقلاته نهارًا، وإلزامه بالمتابعة الدورية مع الشرطة وحقها في استدعائه في أي مناسبة، بغرض منع ارتكابه لجريمة مجددًا من أجل حماية حقوق أفراد المجتمع".

تنقسم الحالات التي يوضع فيها الفرد تحت المراقبة إلى قسمين رئيسيين: القسم الأول الأشخاص الصادر بحقهم أحكام قضائية بالوضع تحت المراقبة سواء كعقوبة أصلية أو عقوبة تكميلية أو صدرت ضدهم أحكام يترتب عليها تلقائيًّا الوضع تحت مراقبة الشرطة والمسماة بالعقوبة التبعية، أما القسم الثاني فهو الوضع تحت المراقبة كإجراء بديل لباقي العقوبة المقيِّدة للحرية للأشخاص المفرج عنهم مبكرًا من السجون سواء بسبب قرار عفو رئاسي وفقًا للصلاحيات الدستورية لرئيس الجمهورية وقانون الإجراءات الجنائية أو بسبب الإفراج تحت شرطٍ بعد مُضي نصف المدة وفقًا لقانون السجون.

أما القيود التي تفرض على المراقب فقد تنوعت هي الأخرى بين قيود تفرض على حريته في اختيار المنطقة التي سوف يقيم فيها طوال مدة المراقبة، وقيود على حريته في اختيار السكن والمكان الذي سيقضي فيه الليل وقيود على حركته نهارًا وعدد آخر من القيود التي سوف توضحها هذه الدراسة.

خلصت الدراسة إلى أنه: 

وفقًا للقوانين التي تنظِّم الوضع تحت مراقبة الشرطة فإن عدم إعطاء الشخص الخاضع للمراقبة القدرة على أن يختار المنطقة التي يريد أن يقيم فيها طوال مدة المراقبة وفقًا للشروط المنصوص عليها في القانون وإعطائه القدرة على أن يطلب نقل محل إقامته إلى منطقة أخرى بعد مرور ستة أشهر، أمر مخالف للقانون المصري ولقواعد تقييد الحق في حرية الإقامة المنصوص عليها في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وإلزام المراقب الذي لديه سكن يقيم فيه ويمكن الوصول اليه بأن يقضي الليل في مراكز وأقسام الشرطة مخالف للقانون أيضًا ولنفس القواعد السابق الإشارة إليها في العهد، وكذلك تشغيل المراقب بأي شكل من الأشكال داخل القسم أو خارجه مخالف للدستور ويعتبر شكلًا من أشكال السخرة وفقًا لاتفاقية منظمة العمل الدولية الخاصة بالسخرة والعمل الجبري، وعدم توفير المكان الملائم لنوم الشخص الخاضع للمراقبة داخل قسم الشرطة مخالفة للحق في الكرامة الإنسانية المُصانة بحكم الدستور، وللمراقَب الحق في أن يُعفى من قضاء الليل في قسم الشرطة أو في سكنه متى كان عمله أو أي سبب مشروع آخر يبرر ذلك، مثل: التعليم، كحقوق مصانة في الدستور والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

 تنتهي الدراسة بعدد من التوصيات والمقترحات التي قد تساهم في جعل الوضع تحت مراقبة الشرطة أكثر اتساقًا مع الدستور ومعايير حقوق الإنسان:

  • التوقف عن إلزام المراقَب بقضاء الليل في أقسام ومراكز الشرطة.
  • توفير أماكن ملائمة ومناسبة ومُعدَّة لمبيت المراقَب الذي ليس له سكن في دائرة الشرطة التي حُددت لمراقَبة المراقَب الذي ليس لديه سكن.
  • إعطاء المحكوم عليه الحق في اختيار المنطقة التي سوف يعيش فيها فترةَ المراقبة وفقًا لأحكام القانون.
  • إعفاء مَن يَثبُت أنه يعمل أو يتعلم مِن قضاء الليل في سكنه أو المكان المحدد للمبيت.
  • جعل عقوبة المراقبة في جميع الجرائم تخييرية للمحكمة وليست إلزامية، وللمحكمة أن تقدِّر مدى ملاءمتها لكل متهم وظروف ارتكاب كل جريمة ومدى احتمال عودته إلى الجريمة مجددًا.
  • عدم تشغيل المراقَب في أقسام الشرطة أو خارجها بأي شكل من الأشكال.  
  • التوسع في إعفاء من يَثبُت حُسنُ سلوكه مِن نصف مدة المراقبة.