داري الديون: حسابات الدَّين الخارجي وأعباؤه 2018

  • بدأت الحكومة منذ عام 2015 سياسة لزيادة الاعتماد على الاقتراض الخارجي.
  • ثم أدى التعويم إلى تدهور معظم مؤشرات الدَّين الخارجي.
  • ملف الدَّين الخارجي به كثير من السياسة، مثل علاقات مصر بدول الخليج، ورضا الولايات المتحدة الأمريكية (التي أعطت الضوء الأخضر لصندوق النقد كي يوافق على قرض مصر)، وأيضًا الرضا الروسي المرتبط بالقرض اللازم من أجل بناء أربعة مفاعلات نووية في الضبعة على الساحل الشمالي.
  • يوضح التحليل التالي للبيانات الرسمية الصادرة عن البنك المركزي كيف يرتفع الدَّين الخارجي عامًا بعد عام، وكيف يخرج عن مراقبة البرلمان، وكيف تحاول الحكومة استعادة السيطرة على الاستدانة الخارجية. وكيف يستدين البنك المركزي عن طريق خفي، وهي البنوك العامة. الديون الخفية أيضًا تكون عن طريق جهات (قطاعات) حكومية أخرى مثل وزارة الكهرباء وجهاز التنمية العمرانية وغيرها.
  • ويوضح التحليل أنه، نتيجة لكل ما سبق، يتراجع نصيب الديون السهلة في حين ترتفع نسبة الديون صعبة السداد.
  • وأخيرًا، كيف يؤدي هذا الوضع إلى خروج مئات المليارات إلى خارج مصر من أجل سداد عبء الدَّين في عام واحد فقط.
  • وفي النهاية، تطرح المبادرة عددًا من التوصيات من أجل الخروج من دائرة الدَّين الخارجي وتبعاتها.

1-الدَّين الخارجي ثلاثة أضعاف ما قبل الثورة

في عام 2017، ارتفع الدَّين الخارجي في أكبر قفزة له في تاريخ مصر الحديث بالتزامن مع التعويم. وفي عام 2018، قفز الدَّين الخارجي قفزة جديدة. 

2- نصيب الفرد من الدَّين الخارجي:

في عام 2018، كل طفل يولد في مصر يكون مدينًا للخارج بمبلغ 884 دولارًا.

3- مصر مدينة للخارج بأكثر من ثلث الناتج المحلي الإجمالي

يبلغ نصيب الدَّين الخارجي من الناتج المحلي 36٪. للمقارنة: تبلغ تلك النسبة 58.2٪ في الدول النامية و40.9٪ في دول أمريكا اللاتينية. إنه عالم الأزمات الاقتصادية.

4- من يُقرِض مصر؟

ثلاث دول عربية (السعودية والإمارات والكويت) يملكون ربع الديون الخارجية. والصين دائن جديد.

لا نعرف شروط تلك القروض:

  • عدد سنوات السماح قبل أن نبدأ في السداد X، آجل السداد (عدد سنوات السداد) X، ومعدل الفائدة على القرض X.

5- من يقترض؟

  • منذ عام 2014، بدأت الحكومة تتخلى عن مسؤوليتها في أن تكون قائد الأوركسترا في ملف الاقتراض الخارجي. وترتب على ذلك أن ابتعد البرلمان عن دوره في الرقابة والمساءلة، بينما تتحمل الحكومة كل المخاطر المتعلقة بالسداد.
  • حين يقترض البنك المركزي، لا يُلزمه الدستور بموافقة البرلمان. والأصل هو أن يقترض لأجل قصير، حين تطرأ أزمة طارئة، لذلك فلم تتجاوز قروض البنك المركزي تاريخيًّا أكثر من 5٪ من إجمالي الدَّين الخارجي.
  • أما في عام 2018، فقد بلغت نسبة القروض التي لا تمر عبر البرلمان 36٪، هي مجموع المبالغ التي اقترضها البنك المركزي (29٪) والبنوك الحكومية التابعة له (7٪).
  • كما زادت جهات حكومية خارج الموازنة نصيبها من الاقتراض الخارجي، بضمان الحكومة (13٪)، وأبرز مثال هو الاقتراض من أجل بناء العاصمة الإدارية الجديدة.
  • كل تلك الجهات لا تظهر قروضها ولا أعباء سدادها في الموازنة العامة. فهي بمثابة أعباء خفية.

6-من المقترض الأكبر؟ الحكومة تحاول استعادة السيطرة

في عام 2018، بدأت الحكومة تستعيد شيئًا من التحكم في الاستدانة الخارجية. وزاد نصيبها إلى نصف الدَّين الخارجي، مقابل الثلث فقط في العام الماضي.

كانت جهة واحدة -هي الحكومة- مسؤولة تاريخيا (وحتى عام 2013) عن أكثر من 80٪ من اتفاقات القروض الخارجية. ونصيب البنك المركزي من الاقتراض الخارجي لا يزيد عن 5٪ (للطوارئ فقط). ويضمن ذلك حسن التنسيق، وموافقة البرلمان.

ومع ذلك، زادت نسبة الاستدانة الخارجية لدى القطاعات الحكومية الأخرى (مثل العاصمة الإدارية وغيرها من مشروعات البنية التحتية). كما زادت لدى البنوك، لأسباب سوف نشرحها لاحقًا.

7- البنوك تستدين سرًّا من الخارج لعلاج أزمة الدولار

عام 2018، عام الأزمة المكتومة لنقص الدولار.

  • حين تشح الدولارات في مصر، يفترض أن يرتفع سعر صرف الدولار مقابل الجنيه. وعادة ما تكون أول ردة فعل لصانع القرار المصري (البنك المركزي) هي الدفاع عن قيمة الجنيه. حدث هذا في عام 2018.
  • اتخذ البنك المركزي قرار الدفاع عن الجنيه عن طريق "إلزام" البنوك الحكومية بالاقتراض من الخارج، وهي ديون مخفية عن الأعين. وذلك بدلًا من بيع جزء من الاحتياطيات الدولية التي يحتفظ بها في السوق، فتقل أزمة نقص الدولار.
  • كانت قيمة الأصول التي تمتلكها البنوك في الخارج تزيد عن خصومها (ديونها)، بفائض حوالي 73 مليارًا، وذلك في مارس 2018، حتى بدأ الوضع ينقلب.
  • يوضح الشكل أعلاه كيف زادت مديونية البنوك الخارجية، عن الأصول التي تملكها تلك البنوك في الخارج، خلال سبعة أشهر فقط، لتصل صافي الخصوم إلى 99 مليار جنيه في شهر أكتوبر 2018.

8- آجال السداد.. خطوة إلى الأمام.. خطوة إلى الوراء؟

  • طرأ تحسن نسبي في تمديد متوسط آجال السداد خلال العام، مارس 2017- مارس 2018. وهي خطوة في الاتجاه الصحيح، لأنها تساهم في تسهيل سداد القرض.
  • انخفضت نسبة الديون صعبة السداد (قصيرة الأجل، ومتوسطة الأجل) إلى 29٪ من إجمالي الديون، مقارنة بنسبة 41٪ في العام السابق. وفي المقابل، زادت نسبة الديون طويلة الأجل إلى 71٪.
  • كلما طالت فترة السماح (السنوات التي تمر قبل أن يبدأ البلد في سداد القرض)، وكلما طالت سنوات السداد وكلما انخفض معدل الفائدة، وصف القرض بأنه سهل.
  • إلا أن هذا التحسن النسبي مهدد وهش. لأنه نظرًا إلى ظروف الاقتصاد العالمي، فقد تعود مصر "جذابة" في عيون مقرضي الديون قصيرة الأجل (الأموال الساخنة)، ويشجع ذلك الوضع الحكومة على الاستسهال، وعودة الاعتماد على القروض قصيرة الأجل المملوكة للأجانب.

9- زيادة العبء السنوي للسداد:

الديون الخارجية مستحقة السداد (مليار دولار)        مارس 2017        مارس 2018   

قروض قصيرة الأجل (تسدد في خلال نفس العام) (1)        12.6            11.5

قروض متوسطة وطويلة تسدد خلال نفس العام (2)        6.057            13

مجموع القروض التي تسدد خلال عام (1+2)            18.66            24.5

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نسبة الديون المستحقة إلى إجمالي الدَّين الخارجي        25.3٪            27.8٪   

نسبة الديون المستحقة إلى الاحتياطيات الدولية        65.4٪            57.5٪         

ارتفعت أعباء سداد القروض الخارجية خلال العام الذي انتهى في مارس 2018، إلى 24.5 مليار دولار مقارنة ب18.66 مليار في العام السابق. يأتي ذلك كنتيجة لزيادة الاعتماد على القروض متوسطة الأجل خلال السنوات السابقة.

يعادل هذا المبلغ (24.5 مليار دولار) 441 مليار جنيه، خرجت في عام واحد إلى خارج البلاد، مما يحرم البلد من موارد ضخمة للتنمية.

يحتاج سداد هذا المبلغ إلى أربعة أضعاف عائدات قناة السويس. أو 100 ٪ من حصيلة الصادرات في عام 2017-2018.

يعادل هذا المبلغ 4 أضعاف ميزانية التعليم في العام الحالي. و 8 أضعاف ميزانية الصحة.

تضطر مصر إلى الاقتراض الخارجي لكي تتمكن من الوفاء بالتزاماتها الضخمة تلك، وذلك بدلا من استخدام ذلك الاقتراض في التنمية وبناء المشروعات، وهو ما يسمى فخ المديونية.

التوصيات:

  1. إعادة ملف الديون الخارجية إلى يد الحكومة، وتحت إشراف البرلمان. لا ديون خارجية بدون استئذان البرلمان، أيًّا كانت الجهة المقترضة، وتقدم خطة السداد وخطة استخدام الدين.
  2. وضع خطة خمسية معلنة للمشروعات المراد تمويلها بالاقتراض الخارجي، وخطة موازية لتنمية الموارد الدولارية التي تتيح السداد، يقرها البرلمان في تشريع، وتحاسب الحكومة على درجة التزامها بتلك الخطة.
  3. وضع سقف قانوني للاقتراض الخارجي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي (أيام مبارك كانت موجودة بدون التزام تشريعي). وسقف آخر لاقتراض البنك المركزي الخارجي (كنسبة من الاحتياطيات).
  4. إعادة هيكلة الدَّين الخارجي بغرض إطالة آجال السداد، والعودة إلى نسبة 90% ديون طويلة الأجل (الديون السهلة). وذلك بدلًا من الخطة الحالية (غير المعلنة) التي علق عليها نائب وزير المالية لرويترز بأن متوسط آجال الدَّين العام (داخلي + خارجي) لا يتعدى عامين حاليًّا.وأن الهدف هو إطالة الأجل إلى ثلاث سنوات  ونصف.   ولكن تلك الخطة تبقي متوسط آجال الدَّين متوسطة لا طويلة الأجل، وهي تجعل عملية السداد صعبة.
  5. نشر شروط القروض وشروط سدادها. حتى الآن، لا نعرف مدى صعوبة شروط السداد في ثلثي الحالات (باستثناء القروض من الصندوق والبنك الدوليين وعدد     من المؤسسات الدولية). لأن البيانات لا تنشر حول تلك الشروط (أي فترة سماح وعدد سنوات (آجال) السداد وسعر الفائدة).    
  6. وأخيرًا، العودة إلى غلبة الديون متعددة الأطراف بدلًا من الديون الثنائية (التي تعتمد على الرضا السياسي).