يعود الوجود المسيحي في شمال سيناء إلى عقود طويلة مضت، حيث توجد أسر ولد أفرادها وعاشوا وماتوا على أرضها، ولم يغادروها نهائيًّا، كما شهدت مدينة العريش هجرة أعداد من الأسر إليها خلال السبعينيات والثمانينيات سواء للالتحاق بوظائف حكومية في الجهاز الإداري للدولة أو للعمل بالمهن الحرة والتجارية والحرفية. وقدرت مصادر كنسية أعداد هذه اﻷسر قبيل تهجيرهم في فبراير 2017 بنحو 450 أسرة في مدينة العريش، بخلاف نحو 20 أسرة في مدينة رفح، بينما بلغ عدد الأسر التي تعيش في الشيخ زويد 4 أسر، ونحو 40 أسرة في مركز بئر العبد، وأعداد محدودة من الموظفين في مركزي الحسنة ونِخِل، علمًا بأن الأسر المسيحية في مدينتي رفح والشيخ زويد هجرت خلال 2012 و2013 بعد استهداف أفراد منها بالقتل. توجه بعض هذه الأسر إلى العيش بجوار عائلاتهم الأم في محافظات الوادي والدلتا والبعض الآخر انتقل إلى مدينة العريش، قبل موجة التهجير التي شهدتها المدينة خلال فبراير 2017. في الوقت الحالي، لا يوجد أقباط يعيشون في مدينتي رفح والشيخ زويد، بينما أعدادهم في مدينة العريش تراجعت إلى نحو ثلاثين شخصًا، يقيمون في مناطق مؤمَّنة، ولا يتحركون خارجها، وتنظم الشعائر الدينية في كنيسة واحدة بينما باقي الكنائس في المدينة مغلقة.

وبحسب إفادة القمص ميخائيل أنطون كاهن كنيسة السيدة العذراء في العريش للمبادرة المصرية1:


"لم يتبقَ سوى حوالي ثلاثين فرد يمثلون سَبَع أو ثَمَن (ثمان) عائلات، إضافة لـ3 آباء كهنة موجودين بمقر المطرانية لإقامة الشعائر الدينية بكنيسة العذرا (السيدة العذراء) مقر المطرانية. الجميع يقيم في منطقة الضاحية بجوار مطرانية العريش التي تقع بجوار مديرية الأمن وهذا ما يجعل الوضع آمن هناك، كل الأسر المتبقية تعيش هناك ولا تخرج من منطقة الضاحية".

تعرض المسيحيون المقيمون في العريش أو الذين عادوا إليها، وكذلك ممتلكات المهجرين المتروكة خلفهم، لعدد من الاعتداءات أدت إلى زيادة الغموض حول مصيرهم وفرص عودة الأسر المهجرة مرة ثانية إلى منازلهم.

خلال العام الماضي، قُتِل قبطيان اثنان كانا من المهجرين، وعادا إلى العريش للاطمئنان على ممتلكاتهم، وإعادة تشغيل محالهم بعدما ضاقت بهما سبل الحياة في المناطق التي انتقلوا إليها، وهما:

- نبيل صابر فوزي، 40 عامًا، والذي أطلق ملثمون الأعيرة النارية عليه في 6 مايو 2017. وكان القتيل قد هُجِّر عقب الاعتداءات التي وقعت في فبراير 2017، واستقر في محافظة بورسعيد، لكنه عاد مجددًا إلى مدينة العريش قبل عشرة أيام من مقتله، وفتح "صالون حلاقة" يملكه، وفي يوم الحادث أطلقت مجموعة مسلحة النيران عليه في محله في منطقة عاطف السادات بجوار الضاحية فأردته قتيلًا.2

- باسم شحاتة حرز، الذي قام ثلاثةٌ مسلحون بإطلاق الأعيرة النارية عليه في التاسعة مساء 13 يناير 2018، في منطقة "سوق الخميس"، وذلك بعد سؤاله عن ديانته. كان المسلحون قد استوقفوا باسم وشقيقه أسامة حرز وشخصًا ثالثًا برفقتهم، وهم في طريق عودتهم إلى المنزل، سأل أحدُ المسلحين الضحية بعد رؤية وشم الصليب على معصمه: "أنت نصراني؟" فرد بالإيجاب، فأطلقوا الأعيرة النارية على رأسه، ولم يجدوا أية علامات على يد شقيقه تشير إلى ديانته، فقاموا بتهديده، ثم تركوه، بينما طالبوا الشخص الثالث الذي كان برفقة الضحية بمغادرة المكان عندما أكد لهم أنه مسلم الديانة.3

كانت أسرة الضحية باسم شحاتة ضمن الأسر التي هُجِّرت من مدينة العريش خلال فبراير 2017، وأقامت الأسرة لفترة في مساكن مدينة المستقبل في محافظة الإسماعيلية، ثم انتقلت إلى منطقة عزبة النخل في محافظة القاهرة بحثًا عن الرزق. ومنذ عدة شهور قرر الشقيقان العودة إلى مدينة العريش للعمل في محلهما لإصلاح أجهزة التليفون المحمول.

وبذلك يصبح إجمالي عدد الأقباط الذين قُتلوا منذ ثورة 25 يناير في شمال سيناء بسبب هويتهم الدينية نحو 16 قتيلًا: 3 ضحايا خلال العام 2013، ضحيتين خلال 2015، ومثلهما خلال 2016، وثمانية خلال 2017، وضحية واحدة خلال العام الحالي، تم استهدافهم جميعًا بشكل مباشر على الهوية الدينية، سواء داخل منازلهم أو في الأماكن العامة ووسائل المواصلات، حيث كان يتم إطلاق النار عليهم من قِبَل ملثمين، وهو ما أدى إلى وفاتهم، فيما يعد جرائم قتل عمدي وفقًا للقانون.

كما تعرضت بعض ممتلكات المهجرين للاعتداء، سواء بالسرقة أو إتلاف محتوياتها، وهو ما يمثل انتهاكًا للحق في حماية الممتلكات الخاصة وإخلالًا بالتزامات الدولة الدستورية والقانونية في هذا المجال، ونعرض بعض نماذج لهذه الاعتداءات:

- 4 مارس 2017، أشعل مجهولون النيران في منزل منير ملك إبراهيم صليب، في حي الشوربجي في المساعيد، وكان المنزل خاليًا من السكان، فقد هاجرت الأسرة التي تقيم فيه قبل الحادث.4

- 12مارس 2017، تعرض عدد من منازل الأقباط في العريش التي تركها أصحابها خوفًا على حياتهم لعمليات سرقة ونهب، حيث تم نهب ثلاثة منازل في حي الصفا في العريش، ملك عدلي سليمان وجمال عدلي ومنزل ابنه. وقال عدلي سليمان: "جيراني اتصلوا بي، واخبروني إن باب منزلي مفتوح، وتم سرقة ما في داخل المنزل من أجهزة ومتعلقات، وذهبت إلى قسم شرطة الإسماعيلية وحررت محضر لإثبات الواقعة.”5

وتكرر نفس الأمر، مع جمال عدلي عامل في كنيسة مار جرجس في العريش، حيث تلقى اتصالًا من جيرانه يفيد باقتحام منزله وسرقة ما فيه.

- يناير 2018، تعرض منزل ومخزن ملك مكرم شنودة للسرقة، وحرر بذلك محضرًا في قسم شرطة أبو صوير في محافظة الإسماعيلية.

- جرت كذلك محاولات للاستيلاء على بعض الشقق السكنية المملوكة لأقباط مهجرين وخالية. فوفقًا لعديد من الإفادات فقد اقتحم بعض الأهالي هذه الممتلكات في محاولةٍ للاستيلاء عليها ما دفع أصحابها إلى تحرير محاضر رسمية بذلك، وفي بعض الحالات تدخلت قوات الأمن لطرد الذين قاموا بالاستيلاء على العين، كما سيرد في بعض الشهادات في الملحق المرفق مع هذا التقرير.

المصادر:

1عدة إفادات تليفونية خلال العام، كان آخرها 15 فبراير 2018.

2مقابلة مع أسرته في 12 مايو 2017.

3إفادة تليفونية من باسم حرز شقيق الضحية في 15 يناير 2018.

4لدى المبادرة المصرية نسخة من المحاضر الرسمية المحررة بواقعة حرق المنازل.

5إفادة تليفونية من عدلي سليمان، مالك المنزل في 14 مارس 2017.