عن حكم "ممنوع سنجل حريمي".. أشكال التمييز تُقنن وفق رؤى قضاة الجنح

بيان صحفي

27 أبريل 2026

تحديث:

حكمت محكمة جنح مستأنف شرق علي المتهم المدير والمسؤول عن إدارة فندق يوتوبيا الصفوة بإجماع الآراء بإلغاء حكم أول درجة وقبول استئناف النيابة بالحبس غيابيًا لمدة سنة وغرامة 50 ألف جنيه عن الاتهام المسند إليه في واقعة التمييز ضد المجني عليها آلاء سعد ومنعها من الإقامة بمفردها.

--------------------------------

في أحدث تطبيق للنص القانوني المؤثم للتمييز بين المواطنين، محكمة جنح الشرق ببورسعيد أرست قاعدة جديدة تخرق مبدأ المساواة وتعيد إنتاج صور النساء بوصفهن قاصرات اجتماعيًا تحتجن إلى وصاية، ويحاكي الحكم الصادر مؤخرًا النمط الأبوي باعتبار النساء ملاحقات بالسمعة. حيث قررت هيئة المحكمة أن رفض فندق الصفوة ببورسعيد إقامة امرأة بمفردها لا يعد تمييزًا ضد النساء. وقضت ببراءة المتهم وذلك بموجب حكمها الصادر في الجنحة رقم 326 لسنة 2026 جنح الشرق بتاريخ 10 مارس الماضي. جاء هذا الحكم استغلالًا لقصور نص المادة 161 مكرر من قانون العقوبات، التي حصرت أسباب التمييز المؤثم على أساس الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة، دون سواها من أسس التمييز التي لا تقع تحت حصر كما ينص الدستور، والافتقار إلى سوابق قضائية جنائية عن التمييز وأشكاله، وعدم إنشاء مفوضية مكافحة كافة أشكال التمييز كما أوجب الدستور.

 

الاجتهاد القضائي في فهم النص " إرساء شكل جديد للتمييز"

 

بعد تفعيل النص القانوني المهمل 161 مكرر من قانون العقوبات، وقيام النيابة العامة بإحالة مدير فندق الصفوة الكائن ببورسعيد إلى المحاكمة بعد بلاغ الشاكية الصحفية آلاء سعد، لاتهامه بالتمييز ضدها ورفضه إقامتها بالفندق دونما أسباب سوى كونها امرأة. ورغم ثبوت الواقعة وتأكيد التحريات وعدم إنكار الجاني لحدوثها. اصطدمنا بما جاء بحيثيات الحكم من تبرئة الجاني، ورؤية المحكمة انتفاء القصد الجنائي للجاني للتمييز من منع تسكين النساء بمفردهن بالفندق، حينما قرر الحكم: "حيث أن الفندق يقوم بتسكين السيدات مع ذويهم فقط. ولم يمنع النساء بصفة عامة حتى يكون معه التمييز ضد النساء، أو يقصد من ذلك أي إساءة في حق المجني عليها. حيث يقوم الفندق بتطبيق النظام الخاص به بصفة عامة حفاظًا من أي ممارسات مؤثمة قانونًا تنال منه بأي شكل. وبالتالي لم يقصد من ذلك أي تمييز أو إساءة في حق المجني عليها، لا سيما وفقًا لما هو مبين من رسائل التواصل الاجتماعي بين طرفي التداعي بأنه الفندق أخطرها بأنه النظام الخاص بالفندق من أنه لا يمنع تسكين النساء حال تواجدهم مع ذويهم، ومن ثم ينتفي عنه التمييز ركن القصد الجنائي في حق المتهم من منع التسكين، إلا أنه يشترط رفقة ذويهم". 

ندرة تطبيق النص القانوني المؤثم للتمييز حال دون تواتر أحكام المحاكم العليا التي ترسخ وتبين ما يعد شكل من أشكال التمييز التي لا تقع تحت حصر وما لا يعد كذلك، بالإضافة للتقاعس عن إنشاء مفوضية مكافحة التمييز المعنية بالأمر. فبات الأمر وفق رؤية قاضى جنح الذي خول له سلطة المشرع ليقرر ما إذا كان الأمر المطروح أمامه شكل من أشكال التمييز أم لا.

الحكم تغافل تمامًا عن أن الجريمة المعاقب عليها بالمادة 161 مكرر عقوبات من جرائم السلوك تكتمل عند القيام بعمل أو بالامتناع عن عمل يكون من شأنه إحداث التمييز على أساس الجنس أو الذي يترتب عليه إهدار لمبدأ تكافؤ الفرص… دون اشتراط تحقق النتيجة وهي "التمييز" المهدر لمبدأ تكافؤ الفرص، المشرع هنا يعتد بالنتيجة الاحتمالية التي قد تقع أم لا. التجريم لمجرد أن يكون الفعل أو الامتناع قد يحدث تمييزًا، مجرد قيام مدير الفندق بتفعيل نظام خاص بالتفرقة بين المرأة بمفردها والمرأة مع ذويها عند التسكين في الفندق. يعنى ارتكاب فعل من شأنه تهديد المصلحة المحمية "المساواة بين الأفراد وعدم التمييز" على أساس الجنس وتكتمل الجريمة.

 

الحكم لم ينفي القصد الجنائي في حق مدير الفندق، بل يعلم واتجهت إرادته الى التفرقة بين المرأة بمفردها والمرأة مع ذويها، ولم يرد به أنه لم يعلم أن "الامتناع عن تسكين امرأة بمفردها مخالف للدستور والقانون، أو كان يعتقد بصحة فعله، أو عدم اتجاه إرادته إلى ارتكاب هذا الفعل، بل يعلم بفعلته واتجهت إرادته إليه، بعكس ما استند إليه الحكم لتبرئة مدير الفندق من انتفاء القصد الجنائي في حقه فقد انتهى إلى أن فعله كان عن قصد جنائي، في المقابل قرر الحكم أن "الامتناع عن تسكين امرأة بمفردها" لا يعد فعل تمييزي مؤثم.

الحكم لم يقرر أن التفرقة كانت على أساس الحالة الاجتماعية، وليس الجنس، ويتمسك بعجز النص الذي حدد أسس معينة للتمييز. وسهولة إثبات عكس ذلك بالسماح بتسكين الرجل بمفرده. 

 

محكمة جنح الشرق ببورسعيد لم تر في نعت إقامة المرأة بمفردها في فندق بشبهة ممارسات مؤثمة قانونًا إساءة للمرأة الشاكية. أو أن تفرقة الفندق بين وضعية المرأة بمفردها، ووضعية المرأة مع ذويها شكل من أشكال التمييز.

أوراق الدعوى أثبتت أن الفندق فى ذات الوقت الذى يتمسك فيه بقيامه بتطبيق النظام الخاص به "عدم السماح بإقامة امرأة بمفردها"، لم يقم بتطبيق القانون واستخراج التراخيص اللازمة لنشاطه، مع عدم خضوع الفندق لرقابة وزارة السياحة والتي تمنع التمييز في المنشآت الخاضعة لها طبقًا لقرار رئيس الوزراء رقم 705 لسنة 2023 بإصدار اللائحة التنفيذية لقانون المنشآت السياحية والفندقية، ما مكنه من عدم الخضوع للرقابة وفرض نظام خاص به لا يخضع لأحكام الدستور والقانون.

 

وهو ما يفتح الباب بعد ذلك لفرض قيود خاصة على النساء في الفنادق أو المرافق العامة، أو إخضاعها لمراقبة ومتابعة إضافية بسبب نوعهن الاجتماعي، ولن يقف الأمر عند هذا الحد. قبول نظام خاص لفندق والارتقاء به إلى مرتبة تعلو أحكام الدستور والقانون سيكون مبررًا للتمييز بكافة أشكاله، وأسسه التي لا تخضع للحصر، ويفرغ النص الدستوري المانع للتميز من معناه.

 

أحكام المحاكم مصدر من مصادر التشريع الثانوية (التفسيرية)، لكن غياب الجهة المعنية بمكافحة التمييز، وعدم تماشي مادة قانون العقوبات مع النص الدستوري الذي يقر بتعدد أشكال التمييز التي لا تقع تحت حصر، فتحا الباب للاجتهاد القضائي في كيفية فهم النص وتأويله وشروط تطبيقه، وهو ما أعلى من مكانة حكم صادر من محكمة جنح.

يأتي ذلك بالتزامن مع صدور قرارات من وزارات أخرى، بتقييد حق المرأة في التنقل. والحق فى العمل. مما يعبر عن سياسة الدولة من خلال سلطاتها القضائية أو التنفيذية.

 

التمييز جريمة ماسة بالسكينة العامة

 

جريمة التمييز المنصوص عليها بالمادة 161 مكرر عقوبات من الجرائم الماسة بالسكينة العامة، وهى من جرائم السلوك التي تعاقب على التهديد المحتمل للمصالح المحمية حتى لو لم يتحقق الضرر. يكتمل ركنها المادي بمجرد إتيان السلوك الإجرامي، دون اشتراط تحقق نتيجة ضارة ملموسة أو فعلية. الجريمة تقع وتكتمل بمجرد ارتكاب السلوك المجرّم، بغض النظر عن النتيجة.

جدير بالذكر أنه عقب ثورة يناير 2011، صدر القانون رقم 126 لسنة 2011 كاستجابة لمطالبات المواطنين بإقرار مبدأ المساواة والقضاء على كافة أشكال التمييز، بإدراج لفظ مكافحة التمييز صراحة كعنوان للباب الحادي عشر من قانون العقوبات الخاص بالجنح المتعلقة بالأديان ومكافحة التمييز، وأضاف نص المادة 161 مكرر المؤثم للتمييز والتي تعاقب كل من قام بعمل أو بالامتناع عن عمل يكون من شأنه إحداث التمييز بين الأفراد أو ضد طائفة من طوائف الناس بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة وترتب على هذا التمييز إهدار لمبدأ تكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية أو تكدير للسلم العام. 

 

تلا ذلك إقرار دستور 2012 وأعقبه دستور 2014 الحالي الذي أشارت ديباجته إلى المساواة كمبدأ حاكم لكل نصوصه وأكدت على أن الدولة تكفل تحقيق المساواة بين المرأة والرجل في جميع الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ولم يكتفِ بإقرار المساواة وتكافؤ الفرص في ديباجته بل قررت المادة 53 منه على مكافحة كافة أشكال التمييز بين المواطنين على أساس الدين أو العقيدة أو الجنس أو الأصل أو العرق أو اللون أو اللغة أو الإعاقة أو المستوى الاجتماعي أو الانتماء السياسي أو الجغرافي، أو لأي سبب آخر.

وأن التمييز جريمة يعاقب عليها القانون. ووضعت التزامًا على عاتق الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على كافة أشكال التمييز، من خلال إنشاء مفوضية مستقلة لمكافحة التمييز. وهو الاستحقاق الدستوري الواضح الذي طالت المطالبة به، بل وأن المطالبة بإنشاء المفوضية واحد من مخرجات الحوار الوطني في مرحلته الأولى والتي رفعت لرئيس الجمهورية.

 

وفي الواقع منذ إصدار النص القانوني المؤثم للتمييز بين المواطنين رقم 161 مكرر من قانون العقوبات، هناك تجاهل تام لتطبيقه، هناك قضية وحيدة معلومة لاستخدام هذا النص العقابي في واقعة تمييز ضد شخص صيني الجنسية، حيث قضت الدائرة الثالثة بمحكمة الجنح الاقتصادية في 31 أغسطس 2020 بالحبس سنتين ضد متهم لقيامه بالتمييز ضد شخص صيني الجنسية.

 

سبل الإصلاح

 

  • الإصلاح الفوري لما أرساه هذا الحكم من سابقة قضائية تكرس للتمييز ضد المرأة يخضع لسلطة النيابة العامة بإعمال اختصاصاتها والتقرير بالاستئناف، ﻹعادة نظر الدعوى من جديد أمام محكمة أعلى لمراجعة وتصحيح الأخطاء وتفسير القانون. وهو ما قامت به بالفعل.

  • تفعيل الرقابة والتفتيش على كافة المنشآت السياحية والفندقية. 

  • الواقعة المثارة دقت ناقوس الخطر، لحث مجلس النواب على تفعيل النص الدستوري المعطل وإصدار قانون بإنشاء مفوضية مكافحة التمييز يتماشى مع المعايير التي تضمن فاعليتها . وإجراء مراجعة شاملة لكافة القوانين المشوبة بمخالفة الدستور فيما انطوت عليه من تمييز وعدم المساواة بين المواطنين لتعزيز قيم المواطنة والمساواة، بدلًا من التستر وراء حجة عدم تحديد المشرع الدستوري مدة قصوى لإقرار قانون إنشاء مفوضية لمكافحة التمييز؛ للإفلات من الالتزام.