هل يذهب أحفاد الوزير إلى مدرسته الحكومية؟

12 مايو 2018

وقف الرجل وحيدا، بصحبة مساعدته، بلا هيلمان. كان وجهه بشوشا، ومتقدا بالحماس كمن أحرز هدفا للتو. صافحته بفضول الصحفي بدون أي سابق معرفة. ومنعني الحياء عن سؤاله عما أتى به أمام مقر البنك الدولي في واشنطن. لم أكن أعلم حينها أن وزير التعليم سوف يقلب على نفسه الدنيا في مصر بعدها بأيام..

يحسب لطارق شوقي أنه أول وزير تعليم مصري منذ عقود يعلن عن تطوير للمناهج الدراسية وأساليب التدريس.

يحسب له أنه ابتعد عن مراضاة أصحاب المصالح الضيقة التي ترتبت على سنوات من استقرار أوضاع خاطئة، على رأسها تفشي الدروس الخصوصية وغياب التدريس داخل الفصول.

يحسب له أنه استند إلى الدستور، وإلى أهداف التنمية المستدامة التي ينشد العالم الوصول إليها في عام 2030. خاصة وأن مصر ضمن الدول التي عليها أن تعرض خلال عامنا الحالي تقريرا عما أنجزته حتى الآن في كل الأهداف السبعة عشر، والتعليم هو الهدف الرابع. حسنا فعل أن اعترف الوزير بضرورة مجانية التعليم، لأنها حق لكل المصريين. ويحسب له أنه على عكس كل من سبقوه، يطرح إصلاح المنظومة من الحضانة والابتدائي، فهنا مربط الداء.

إجمالا يحسب له جسارة فتح الملف وجسارة خوض الصراع.

ما غاب كان عظيما!

على قدر الأمل تأتي الصعاب وتأتي المخاوف. التحدي الأول هو أن ينجح الوزير في أن يعطي عيونه لعشرين مليون أسرة مصرية، كي يروا ما يرى فيشاركوه الموقف. حسنا فعل أن تخلى عن تلك النبرة المتعالية المهددة، وشرع في إقناع الناس، عبر وسائل التواصل الاجتماعي وعبر اللقاءات التليفزيونية.

إلا أن إشراك المواطنين لا يقتصر على إعلامهم بالقرارات ومحاولة إقناعهم بها. بل هو أسلوب في اتخاذ القرارات التي تمس قطاعات عريضة وشرائح متنوعة ومصالح متضاربة.

إشراك قطاعات عريضة من كل أصحاب المصلحة في صياغة الرؤية واقتراح الحلول للصعاب: إداريون، نقابات المعلمين، خبراء تعليم، برلمانيون، مطابع الكتب، وقبل أولئك أهم أصحاب مصلحة: الأهالي..

بدلا من مدافع أو اثنين (بين منافق ومقتنع)، تجد خلفك جيوشا من المدافعين وأصحاب المصلحة في التطوير.

في حديث الوزير، غاب كثير من الحلول للمعضلات التي طرحت أمامه. لعله كما استجاب لنبض أهالي التلاميذ في المدارس التجريبية، بإعفائهم من تطبيق خطته، يستمع لصوت العقل بترتيب جلسات استماع مجتمعية للمواطنين في المحافظات، وجلسات استماع للمعلمين، ولمعارضي الخطة، وجلسات مذاعة على أوسع نطاق لنقاشات مع خبراء تعليم من أركان العالم الأربعة.

داخل عالم المعلمين

يقول الإنجليز لا يمكن تجاهل الفيل الذي في الغرفة. الفيل القابع هنا الذي يتم تجاهله مرة بعد مرة بعد مرة هو المدرس.

وهنا، لا يعتبر انخفاض دخل المعلم مجرد واحدة من قضايا التعليم. بل تحتل المركز الأول في قمة مشكلات التعليم. لننظر إلى نوعية معظم من يدخلون كليات التربية فهي ممن تجتذبهم أرباح الدروس الخصوصية، لا حب المهنة.

في مقال سابق، ذكرتُ الإعلان العالمي لحقوق المعلم، وفيه: "يجب التأكد بشكل خاص من رواتب المعلمين، بحيث تكفل لهم التقدير. حيث تعتمد النظرة إليهم إلى حد كبير على مركزهم الاقتصادي، الذي يدل على مكانتهم في المجتمع مقارنة بأصحاب المهن الأخرى". لأن "الدخل يجب أن يعكس الأهمية النسبية للوظيفة في المجتمع". ما أبعد هذا الوضع عن وضع معلمي أبنائنا. 

ولقياس مدى ضعف رواتب المعلمين، نحسب الفرق بين راتب معلم في مدرسة دولية في مصر ومعلم لنفس المرحلة في مدرسة حكومية. هذا الفارق هو معظم الفرق بين نوعيتي التعليم. تتجاهل الخطة الحالية هذا الأمر، مكتفية ببرامج تدريب للمعلمين. ولكن حتى إذا ما قمنا بتدريب معلمينا، سيظل فارق الدخل والنظرة الدونية للمدارس الحكومية ومدرسيها يجذب أفضل خريجي الجامعات إلى وظائف أخرى أو كمعلمين بالمدارس الدولية. إذا تجاهلت الخطة المعلنة المعلمين -رأيا وتغييرا شاملا للأحوال المادية- فإنها ترسم أحلاما على الورق. حامل الرسالة ليس بأقل أهمية من الرسالة ذاتها.

العجز والعجز الآخر

يقول الوزير في حديث متلڤز أن المشروع الجديد يواجه عجزا في أعداد المعلمين. وهو عجز قد يتمكن من علاجه إذا ما دعا الإداريين المكدسين في وزارته، والذين يزيد عددهم عن ضعفي الحاجة إليهم، إلى تحويل من يصلح منهم إلى معلمين، بحيث لا تتحمل الدولة إلا أقل القليل جراء زيادة عدد المعلمين. ولعل الدعوة تمتد إلى كل هؤلاء العاملين بالجهاز الإداري للدولة ولا عمل حقيقي لهم (هناك ٢٥ ألف موظف بمؤهل عالٍ في ماسبيرو وحده، ومئات الآلاف في المحليات).

يذكر الوزير عجز المعلمين، ولا يذكر العجز الآخر الذي يقف حجر عثرة في وجه المشروع: عجز الموازنة العامة.

انخفض إنفاق الحكومة على التعليم خلال العشرين عاما الماضية إلى أقل مستوى له في التاريخ المصري الحديث. وإلى أدنى مستويات الإنفاق بين دول العالم. ولم تهتم الحكومة الحالية بالوصول إلى الحد الأدنى الذي فرضه الدستور للإنفاق على التعليم) بل وخفضته للعام الثالث على التوالي. هذا بالرغم من بعض الأصوات المعترضة هنا وهناك داخل البرلمان ومن وزير التعليم ذاته بأن موازنة التعليم غير دستورية.

يقدر المبلغ المطلوب كي يحصل التعليم الحكومي (شاملا الجامعي) على الحد الأدنى من احتياجاته ب170  مليار جنيه في العام الحالي، لن توفر الحكومة إلا حوالي 60٪ من هذا المبلغ.

يترتب على نقص الإنفاق الحكومي على التعليم، أنه لا يمكن أن نجد اليوم قطاعات عريضة من الشعب مثل الوزير طارق شوقي -بطلته المشرفة الوقورة- الذي تخرج من مدرسة حكومية. حيث تصبح قدرتك على التعلم مرتبطة بقدرة أهلك على تمويل رحلتك التعليمية. وكل برغوث على قدر دمه. لذلك نجد اليوم تفاوتا كبيرا في حجم الإنفاق على التعليم بين شريحتي ال١٠٪ الأعلى والأدنى إنفاقا. يبلغ متوسط نصيب الطالب من إنفاق أسرته على التعليم في الشريحة الأعلى إنفاقا عشرين ضعفا نصيب مثيله في الشريحة الأدنى.

الأصل في مجانية التعليم هو أن يكون مرتفع الجودة ومتاحا أمام الجميع. نفس الفرصة للالتحاق بنفس المدرسة. فالتعليم هو الوسيلة المثلى لكسر دائرة الفقر وللترقي الاجتماعي الذي وجده وزير التعليم والملايين من الأبناء القدامى للتعليم الحكومي. أما تعليمنا المصري، فهو أداة لتكريس التفاوت واللا مساواة.

في ضوء التراجع الكبير في الإنفاق العام على التعليم والمعلمين، يلفت النظر غياب أي تقدير لتكلفة الانتقال إلى النظام الجديد. الفارق بين الحلم وبين المشروع أن الثاني له دراسة لتقدير التكاليف وطرق التمويل. لم يقدم شوقي هنا أي إجابة.

الرحلة المبتسرة للمتسربين

يجاهد أكثر من ٩٠٪ من الأسر المصرية لإلحاق أبنائهم بالتعليم. ولكن بسبب النظام الفاشل، نجد أن خُمس التلاميذ في الصف الثالث الابتدائي لا يستطيعون قراءة كلمة واحدة. وهكذا، لا يستطيع نصف الأطفال ممن هم في سن الحادية عشرة القراءة والكتابة. كما ينجح نصف تلاميذ الثاني الاعدادي بالكاد في الوصول إلى أضعف تقدير في اختبارات الرياضة الدولية (ويفشل النصف الآخر)، مقارنة بمتوسط ٨٤٪ نسبة الناجحين على مستوى العالم. هذه الفقرة من تقرير البنك الدولي عن حالة التعليم الذي صدر بمناسبة توقيع القرض الأسبوع الماضي، والذي يجدر بوزارة التعليم نشر ترجمته على موقعها.

وهكذا، يضطر ما يزيد عن مليون تلميذ أن يتركوا التعليم، خاصة في المرحلة الإعدادية والثانوية. يفقد أولئك القليل الذي تعلموه، وتفقد الدولة ما أنفقته عليهم. ويزيد طابور العمالة الرثة الفقيرة قليلة السن والتربية والمهارات.  هؤلاء هم الأفقر والأكثر بؤسا. جاهد آباؤهم لسنوات لإلحاقهم بالتعليم وبالدروس الخصوصية، حتى يأسوا من إمكانية تحصيل أبنائهم العلم. على عكس طلبة التعليم التجريبي، لا يستطيع هؤلاء إيصال صوتهم أو الضغط على الحكومة كي تلتفت إلى مطالبهم.

وتربط منظمة العمل الدولية ظاهرة التسرب بنوعية المعلمين في المرحلة الابتدائية.وتنادي بحق أولئك في "المكانة، وفي الدخل وظروف العمل اللائقة، عبر ممارسة حقهم في التجمع السلمي وإتباع كافة وسائل الضغط المشروعة من أجل الحصول على تلك الحقوق".

طيور الظلام

أخيرا وليس آخرا. الظلام هو معكوس الشفافية. لم تنشر كلمة واحدة عن أصحاب مصالح "استمرار الوضع على ما هو عليه". من هم؟ ما هي طبيعة نفوذهم وصلاتهم السياسية بأركان الدولة؟ كم عددهم؟ ما مجال احتكاراتهم في قطاع التعليم؟ بكم تقدر حجم خساراتهم؟ وبالمثل، لم يذكر الوزير أي تفاصيل عن نوعية المصالح الجديدة التي يخلقها النظام المقترح، ولا عن التدابير التي اتخذها لمنع تغول أصحاب المصالح الجديدة.

والخوف كل الخوف -إذا ما استمر التعتيم- أن يتبخر التطوير وتبقى ملايين الأجهزة اللوحية "التابلت" شاهدة على إهدار المال العام، كما كانت طباعة الكتب أو مراكز الدروس شاهدة على شبكات فساد عصر سابق. عدم الشفافية هي الضمانة لطيور الظلام كي تشتري منها الدولة -مثلا- أجهزة تالفة، معيبة، لا تؤدي الغرض منها وأن يمر ذلك بدون محاسبة. الخوف كل الخوف من استبدال مصالح بأخرى بنفس النفوذ، وبنفس الدرجة من الفساد، ولكن بالتحكم في حجم أموال أكبر.

الخلاصة، ما المناهج وأساليب التدريس إلا أحد أعمدة العملية التعليمية. إلى جانبها عمودان آخران: المعلم والبنية التحتية المادية (أهمها أماكن تلقي التعليم: الفصول والمعامل والملاعب،...). فإذا كنا بصدد تغيير المناهج وحسب -على أهميته- فإن الأمر أصغر كثيرا من تطلعات المصريين ومن حلمهم، بل ومما نص عليه الدستور الذي يحتكم إليه الوزير.

سبق لنظام مبارك أن غير المناهج جذريا مرتين، وقام بتحديث البنية التحتية المادية (تشهد احتكارات الحديد والأسمنت) أكثر من مرة، ولم تتغير نوعية التعليم الحكومي، إلا للأسوأ. أي تغيير آتٍ ينبغي أن يزيل أسباب الفشل السابق.

لعل أبلغ دليل على الجدية هو أن يذهب أحفاد طارق شوقي وزملائه من الوزراء والكتل السياسية الواسعة المؤيدة للحكومة الحالية داخل البرلمان ومن نجوم المجتمع إلى تلك المدارس الحكومية. دخولهم ضمانة لتنفيذ التطوير المنشود، إذ يصبح هؤلاء مستفيدين مباشرين من التطوير، وناقدين قادرين على إيصال صوتهم من أجل تصويب أخطاء التجربة.

أما إذا ظل هؤلاء مبتعدين عن تذوق ثمار التغيير، ومفضلين إنفاق مئات الآلاف سنويا، فيظل ما خفي أعظم.

إذا كنا بصدد تغيير المناهج وحسب -على أهميته- فإن الأمر أصغر كثيرا من تطلعات المصريين ومن حلمهم، بل ومما نص عليه الدستور الذي يحتكم إليه الوزير. سبق لنظام مبارك أن غير المناهج جذريا مرتين، وقام بتحديث البنية التحتية المادية (تشهد احتكارات الحديد والأسمنت) أكثر من مرة، ولم تتغير نوعية التعليم الحكومي، إلا للأسوأ.

تم نشر هذه المقال عبر موقع الشروق   بتاريخ 11 مايو 2018