رعاية صحية أم سوق طبية؟

3 فبراير 2026

الرعاية الصحية مفهوم شامل ومنصف، يُعد من المسئوليات الأساسية للدول لضمان حق مواطنيها فى الحماية والتغطية الصحية، كما نصت على ذلك المادة (18) من الدستور المصرى الصادر عام 2014.

وتهدف الرعاية الصحية إلى تحقيق نظام صحى متكامل وكفء، يساهم فى تحسين سنوات العمر المعاش للمواطنين بصورة أفضل ودون عجز، وخفض معدلات وفيات الرضع والأطفال والأمهات الحوامل، فضلًا عن التحكم فى عبء النفقات المرضية التى تعجز شرائح واسعة من المجتمع عن الوفاء بها، وذلك من خلال خفض الإنفاق المباشر من جيوب الأفراد للحصول على الرعاية والخدمة إلى حد أدنى متعارف عليه دوليًا. وأخيرًا، تسعى إلى تحقيق رضا المواطنين عن النظام الصحى، باعتبار أن هدفه الأساسى هو صحة المواطن ورفاهيته. وتشمل الرعاية الصحية فى جوهرها العمل المتوازى على تحسين المحددات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية للصحة، المعروفة عالميًا.
وفى هذا السياق، لا يمكن تحويل الرعاية الصحية إلى سلعة سوقية خاضعة لقوانين العرض والطلب المرنة، لما تحمله فى طياتها من مخاطر جسيمة على صحة الأفراد، وكفاءة النظم الصحية ككل، ومستوى معيشة الأسر الأكثر فقرًا.
فالسوق الطبية، حين تُدار بمنطق العرض والطلب المرن لتحقيق أقصى ربحية ممكنة، ينتج عنها ما يُعرف علميًا بـ«الطلب المُحرض» أو «المُحفز»؛ حيث لا يكون القرار الطبى نابعًا من الاحتياج الإكلينيكى الحقيقى، بل من دوافع مالية ربحية لدى مقدم الخدمة.
أثبتت الأدبيات الصحية الاقتصادية والطبية أن هذا النمط يؤدى إلى زيادة التدخلات غير الضرورية طبيًا، مثل الارتفاع غير المبرر فى معدلات الولادات القيصرية مقارنة بالولادات الطبيعية، وإجراء جراحات غير ضرورية كجراحات التجميل أو إزالة اللوزتين دون مبرر علمى مؤكد، والإفراط فى استخدام الفحوصات المعملية والأشعة دون تأثير حقيقى أو ضرورى على القرار العلاجى، فضلًا عن الاستهلاك غير الرشيد للأدوية، خاصة المكملات الغذائية والفيتامينات والمضادات الحيوية، بما يترتب عليه آثار جانبية خطيرة، كالمقاومة الميكروبية، وعبء اقتصادى إضافى على المرضى، ولا سيما الأكثر فقرًا.
• • •
وفى المقابل، تقوم نظم الرعاية الصحية المعتمدة على فلسفة مغايرة لمنطق السوق، مثل نظم التأمين الصحى الشامل، على اعتبار الخدمة والرعاية الصحية حقًا إنسانيًا لا سلعة للكسب. وتلتزم هذه النظم بمعايير الطب المبنى على الدليل وبروتوكولات علاجية مُقننة تحد من الطلب غير الضرورى على الخدمة، وتفصل القرار الطبى عن الحافز الربحى، بما يضمن أن تكون التدخلات العلاجية وفق الحاجة الطبية الأساسية والفعلية والناجعة فقط.
كما تشجع هذه النظم الاستخدام الرشيد للدواء، وتنظيم طلب التحاليل والأشعة بما يخدم التشخيص والعلاج دون إفراط، ودعم الولادة الطبيعية والرضاعة الطبيعية لما لهما من فوائد صحية مثبتة علميًا للأم والطفل، إضافة إلى الاستثمار فى التوعية الصحية والوقاية، خاصة على مستوى الرعاية الصحية الأولية، باعتبارها الأكثر كفاءة من حيث التكلفة والأثر الصحى طويل المدى.
وعليه، فإن رفض إخضاع الرعاية الصحية لمنطق السوق البحت ليس موقفًا أيديولوجيًا، بل خيارًا علميًا وأخلاقيًا وحقوقيًا مدعومًا بالأدلة، إذ يخفف هذا التوجه، باعتباره مسئولية الدول، العبء المالى للمرض عن الأفراد، لا سيما الفئات الأكثر فقرًا وهشاشة. وهذا، فى مفهومنا، هو الاستثمار فى البشر لا الاستثمار فى المرض، كما يحد من التكلفة الكلية للنظام الصحى عبر تقليل الهدر الطبى، ويضمن توجيه الموارد المحدودة إلى من يحتاجها فعليًا، خاصة فى الأمراض الكارثية والمزمنة.
إن صحة الإنسان لا تحتمل منطق تعظيم الأرباح، خاصة فى ظل التضخم الاقتصادى الجارى، بل تتطلب نظامًا يوازن بين العدالة والإنصاف والجودة والاستدامة، ويضع المريض، لا السوق، فى قلب القرار الصحى.
• • •
لتحليل ذلك علميًا واقتصاديًا، نطرح سؤالًا مهمًا: لماذا تختلف السوق الطبية عن أى سوق أخرى؟ ففى الأسواق العادية يمتلك المستهلك معرفة كافية لتقييم السلعة، أما فى قطاع الصحة فهناك ما يُعرف بعدم تماثل المعلومات، حيث يمتلك الطبيب أو مقدم الخدمة المعرفة الكاملة، بينما يجهل المريض احتياجه الفعلى، ما يجعل مقدم الخدمة فى السوق صاحب القرار، ومنفذ الخدمة، ومحدد سعرها فى آن واحد. وهنا تظهر إشكالية عدم التوازن وخلق الطلب غير الضرورى بدافع الربح.
وتتفق الدراسات مع ما سبق بشأن زيادة معدلات الولادات القيصرية فى السنوات الأخيرة فى مصر، أو إجراء جراحات أخرى غير ضرورية، أو الإفراط فى التحاليل والأشعة فى القطاع الخاص تحديدًا غير المنضبط اقتصاديًا أو الخاضع لرقابة فعالة. ويُعرف ذلك بالهدر السريرى، وهو لا يستنزف الموارد المالية للمريض فحسب، بل يعرضه أيضًا لمخاطر طبية لا داعى لها، ما يرفع عبء المرض على المدى الطويل.
وفى المقابل، تعتمد فلسفة التأمين الصحى الشامل فى مواجهة مفهوم السوق الطبية على نظم دفع مالية تُحدث توازنًا بين المريض ومقدم الخدمة عبر طرف ثالث، مثل نظم الدفع بالرأس أو الميزانيات المحددة، بما يقلب المعادلة التقليدية بين المريض ومقدم الخدمة. ففى السوق الطبية غير المنظم، يزداد الربح بزيادة عدد الإجراءات، مما يحفز الطلب غير اللازم، على عكس نظم التأمين الصحى العادلة التى تحقق معادلة الإنصاف والتوازن المالى والاستدامة من خلال الحفاظ على صحة المريض ومنع وصوله غير الضرورى إلى الحالات السريرية المتقدمة، عبر أساليب الرعاية الصحية الأولية والوقاية.
كما تركز هذه النظم على الوقاية، والرضاعة الطبيعية، والتطعيمات، والتوعية الصحية، إلى جانب اعتماد بروتوكولات علاج تمنع إجراء أى فحص إلا إذا كان مدعومًا بالدليل العلمى، فضلًا عن حوكمة الدواء والاستهلاك الرشيد. فمن منظور اقتصاديات الصحة، يؤدى الاستهلاك غير المرشد للدواء إلى ظواهر كارثية، مثل فشل بعض الأعضاء الحيوية ومقاومة المضادات الحيوية، وهى خسائر طبية واقتصادية فادحة. لذلك تفرض النظم الصحية العامة المنظمة ما يُعرف بقائمة الأدوية الأساسية، وتعتمد على الاسم العلمى للدواء، بما يحد من تلاعب شركات الأدوية وخلق طلب زائف على علامات تجارية مرتفعة الثمن.
يسعى ما سبق إلى ترسيخ مفهوم الإنصاف والعدالة الصحية فى مواجهة منطق السوق فى الصحة، فى غياب منظم قوى يمنع تحويل المريض إلى زبون، وهو ما يؤدى إلى مزيد من الإفقار الناجم عن المرض داخل المجتمع، حيث تنفق الأسر الفقيرة مدخراتها على إجراءات طبية غير ضرورية، إلى جانب سوء توزيع الموارد المحدودة فى مسارات غير ذات أولوية، بدلًا من توجيهها لمواجهة الأمراض المزمنة والكارثية.
تنطلق فلسفتنا من أن الصحة، أو الرعاية الصحية، منفعة عامة وليست مجرد سلعة استهلاكية، ولأن مرض الفرد يؤثر فى إنتاجية المجتمع ككل وصحة المجتمع بأسره، فإن نظام التأمين الصحى الشامل يمثل رافعة أساسية وأملًا مستقبليًا لمواجهة تسليع الخدمة الطبية وتنظيم ما يشوبها من اختلالات.

نشر في جريدة الشروق بتاريخ 2 فبراير 2026