ورقة موقف: في مواجهة كورونا، هل نتذكر المسح السكاني الصحي؟

تمهيد:

ننتظر بترقُّب يوميًّا بيان وزارة الصحة والسكان عن مستجدات حالات العدوى، والشفاء والوفيات1 من كوفيد-19.  وندرك بشكل جماعي الآن أهمية جمع وإتاحة المعلومات الصحية بشكل دقيق وشفاف، فتلك المعلومات هي التي تساعد كثيرين منا يوميًّا على فهم الوضع الدقيق الذي نمر به، كما تتيح للدولة التصدي لأزمة بهذا الحجم بناءً على معلومات حديثة ودقيقة وذات مرجعية علمية صحيحة. تلك المعلومات _حين توافرها بالدقة الكافية_ تتيح للمجتمع ككل، جماعاتٍ وأفرادًا، أن تقيِّم السياسات وتتدخل بناءً على معطيات دقيقة يمكن الوثوق بها.

وبالرغم من غياب بيانات من نوع عدد الاختبارات التي يتم إجراؤها على مدار اليوم، وعدد الاتصالات التي يتلقاها الخط الساخن2، وخريطة انتشار الفيروس، والتوزيع العُمري والچندري للإصابات والوفيات، وما شابه من معلومات وبيانات تفيد في رسم الصورة كاملة وتُعدُّ جوهرية في المساهمة بمقترحات سياسات والمشاركة بسيناريوهات بديلة في مواجهة كوفيد-19، فإن التوجه نحو جمع المعلومات والإفصاح حتى عن بعضٍ منها، قد ساهم في خلق حد أدنى من الثقة بين المواطنين ووزارة الصحة والسكان في تصديها لجائحة كوفيد-19.

لسنوات طوال مثَّل المسح السكاني الصحي DHS مصدرًا أساسيًّا للبيانات الدقيقة والمحدَّثة3 عن وضع قضايا الصحة والسكان في مصر، وكان مرجعًا دائمًا لجهات حكومية، وغير حكومية بخصوص أوضاع الصحة والسكان. وكان إصداره الدوري نقطة قوة تسمح بمقارنة تلك الأوضاع من إصدار إلى آخر لتقييم السياسات العامة ونجاحها من عدمه. ولكن ومنذ إصدار المسح السكاني الصحي لعام 2008، فالإصدارات إما تتأخر في التنفيذ والنشر، وإما لا تنفذ أو تنشر بلا تفسير.

ما هو أثر غياب بيانات المسح السكاني الصحي المحدَّثة؟

طالب عدد كبير من منظمات المجتمع المدني والخبراء بشكل متكرر 4 بتوفير قواعد بيانات المسح السكاني الصحي بشكل دوري ومنتظم، بحد أقصى كل خمس سنوات، كما يُفترض أن يتم إصداره 5. هذا ليس مطلبًا ثانويًّا بل جوهريًّا لأجهزة الدولة كما هو للباحثين والأكاديميين والمجتمع المدني والأفراد، لفهم وضع الصحة العامة في مصر وبناء السياسات الصحية، وتقويمها، على أساس تلك البيانات. ولكي تتمكن الدولة والخبراء من التصدي لأزمة مثل التي نمر بها الآن بشكل أكثر فاعلية.6

المصادر البحثية والمعرفية الموثوق بها والتي يمكن الاعتماد عليها في سنِّ سياسات وطنية ومحلية شحيحة في مصر، بالإضافة إلى غياب الموارد والآليات الداعمة لدى الدولة اللازمة لإجراء مسوح مماثلة تخصصية ومعبرة عن الاحتياجات المختلفة جغرافيًّا واقتصاديًّا وجندريًّا واجتماعيًّا. ومن هنا تأتي الأهمية الخاصة للمسح السكاني الصحي المعياري، الذي يتم إصداره كل خمس سنوات على الأكثر. بعد نشر مسح عام 2008، كان من المتوقع أن يلحقه مسح ينشر عام 2012، ولكن جمع البيانات والنشر تأخر حتى عام 2014، بفارق ست سنوات عن المسح السابق7 عليه، ومرة أخرى، كان من المتوقع أن ينشر المسح التالي عام 2018 ولكن وحتى هذه اللحظة لم ينشر بعد، وتم إعلان إلغائه على الموقع الرسمي لبرنامج DHS.8 يمكنكم الإطلاع على صورة من موقع برنامج الـ DHS (3 فبراير 2020)

إلغاء المسح السكاني الصحي لعام 2018 دون التصريح بعوائق تنفيذه، يتركنا مع بيانات من سنوات سابقة قد لا تعكس واقع اليوم، فنحن نحكم على الواقع من بيانات جُمعت في النصف الأول من عام 2014، بلا بيانات محدَّثة تفصِّل خصائص الرعاية الصحية، وتوضح سلوكيات التغذية والصحة العامة للأفراد، وتتبع متغيرات دخول الأسر، التي من الممكن الاعتماد عليها في تصميم التدخلات الصحية وحُزم حماية اقتصادية واجتماعية للحد من آثار كوفيد-19 على الأفراد والمجموعات المختلفة. على سبيل المثال، أوضح بيان وزارة الصحة والسكان يوم الأربعاء 2 إبريل 2020، المُوافى بتحديثات كوفيد-19، أن الأطفال الأقل من عشر سنوات يمثلون نسبة 2% من إجمالي عدد المصابين (779 حالة). في المقابل، توضح لنا بيانات المسح السكاني الصحي لعام 2014، أن أعلى معدلات انتشار لأمراض الجهاز التنفسي الحادة هي بين الأطفال دون الخامسة، والتي تصل في ريف الوجه القبلي إلى نسبة 15% من الأطفال في هذا السن. وتوضح البيانات نفسها أن أمهات هؤلاء الأطفال تلجأن إلى التعامل مع الأعراض بطرق غير موصى بها طبيًّا، (فالأطفال المصابون بأمراض الجهاز التنفسي الحادة تم إعطاؤهم كمية سوائل أقل من المعتاد في 58% من الحالات أو لا يتم إعطاؤهم سوائل على الإطلاق في 5% من الحالات، كما تم إعطاء 6 من بين كل 10 منهم مضاد حيوي. يمكن للدولة الاعتماد على مثل هذه البيانات في تحديد وجهة التوعية المجتمعية بسبل الوقاية من فيروس كوفيد- 19 بتفصيل رسائل خاصة تُحِد من انتشار الفيروس.

وبشكل أوسع من الظرف الحالي، تتضح أهمية المسح السكاني الصحي، على سبيل المثال لا الحصر، في توطين أهداف التنمية المستدامة 9 وفي متابعتها وتقييمها، واعتماد كذلك الوزارات وأجهزة الدولة المختلفة على بيانات المسح السكاني الصحي في التخطيط 10 والمتابعة. ساعدت بيانات هذا المسح مثلًا مصممي "رؤية مصر 2030" في تحديد التحديات ووضع مؤشرات تخطِّيها. تسلط رؤية مصر 2030 الضوء على تواضع حالة الخدمات الاجتماعية 11 كإحدى العوائق في تحقيق التنمية المستدامة. وبحسب بيانات المسح السكاني الصحي (2014) فالأسر في المحافظات الحدودية هي الأقل حصولًا على المياه من مصادر مأمونة (85%) مقارنة بالمناطق الحضرية. يصبح من الصعب متابعة تطور أو تفاقم هذا التحدي في وقتنا الحالي ومستقبلًا، خصوصًا في ظل إجراءات مواجهة كوفيد-19 والتي تتطلب تكثيف العناية الشخصية! والمسح كذلك هو المصدر الوحيد الدقيق لرصد أنماط ممارسة تشويه الأعضاء التناسلية/الجنسية للفتيات (الختان) في مصر، والذي بدونه يصعب بناء أية إستراتيجيات لمواجهة ختان الفتيات أو تقييم نجاح أو فشل الإستراتيجيات السابقة.

بيانات المسح السكاني الصحي تمكننا كذلك من تتبع تزايد أو تراجع توجهات مجتمعية بعينها تجاه التغذية 12 والأمراض المزمنة ووسائل منع الحمل وخدمات تنظيم الأسرة، والعنف ضد النساء، والتوجهات حول ختان الإناث واحتمالات حدوثه ومتطلبات التصدي له، والزواج دون السن وعلاقته بالعنف الإنجابي والخروج من المنظومة التعليمية، والوعي بالعدوى المنقولة جنسيًّا.

وأخيرًا من أهم نقاط قوة المسح السكاني الصحي، القدرة على مقارنة تلك المعطيات بمعطيات المسوح والبيانات السابقة وفهم أثر التباينات الجغرافية والاجتماعية على مستوى المعيشة لكل الأفراد، وعلاقة التعليم والموقع الجغرافي وعمر الأم بحجم الأسرة. بقراءة تلك البيانات مثلًا، نتمكن من فهم التحديات المجتمعية والجندرية في اختيار وسائل منع الحمل أو العزوف عنها ومدى إتاحتها، أيضًا تدلنا على سبل تحسين خدمات الرعاية الصحية ورفع جودتها.

عن المسح السكاني الصحي:

يقدم برنامج المسوح السكانية الصحية منذ عام 1984، الدعم التقني لتصميم وتنفيذ ومراجعة مسوح صحية وديموغرافية تتنوع بين: المسح السكاني الصحي (DHS)، مسح مؤشرات الإيدز(AIS)، مسح تقييمي للمرافق والخدمات الصحية (SPA)، مسح مؤشر الملاريا (MIS)، وأشكالًا أخرى من الاستطلاعات والمسوح التي يقدمها البرنامج إلى الدول النامية بدعم مالي من الوكالة الأمريكية للتنمية USAID، بطلب مباشر من البلاد المُنفذة للمسح للتعاون مع بعثة DHS أو عبر أطر أخرى من المنح الدولية.

وظهرت المسوح السكانية الصحية في مصر في عام 1988 واستمرت على مدار سبعة وعشرين عامًا 13، حتى 2015 بإجمالي 14 مسحًا. تنقسم المسوح السكانية الصحية في مصر إلى: دراسات متعمقة (1996 - 1997)، مسوح DHS معيارية كل خمس سنوات (1988-2014)، مسوح مرحلية تجمع معلومات عن المؤشرات الرئيسية وتُجرى بين جولات المسوح المعيارية (1997، 1998، 2003)، مسوح تقييمية للمرافق والخدمات الصحية (2002، 2004). يمكنكم الإطلاع على صورة بقائمة المسوح الخاصة بمصر (3 فبراير2020)

على مدار سنوات عدة وبتغير الظرف الاجتماعي والسياسي، عكس المسح السكاني الصحي التطورات وتغير الاهتمامات البيانية والبحثية في مصر، والتي تعكس ظواهر صحية ومجتمعية. فقد بدأ في عام 1988 بالتركيز على النساء فقط لجمع بيانات حول: الخصوبة، صحة الأم والطفل، برامج وسياسات السكان، وتنظيم الأسرة ووسائل منع الحمل. يليه المسح السكاني الصحي لعام 1992 متميزًا بإشراك أزواج النساء المشاركات في المسح، للتعرف على مواقفهم تجاه "خدمات تنظيم الأسرة" ومعرفتهم العامة بوسائل منع الحمل وخططهم للإنجاب. وجاء في أعقاب المؤتمر الدولي للسكان والتنمية في القاهرة (ICPD)، مسح عام 1995 ليعكس نقاشات محتدمة دارت أثناء التحضيرات من أجل وأثناء الـ ICPD، على سبيل المثال: العنف ضد النساء، تشويه الأعضاء الجنسية/التناسلية (ما يُعرف بالختان)، الإجهاض، وعِمالة الأطفال. اُضيف فيروس نقص المناعة البشري إلى المسح التقييمي لتقديم الخدمات (الأمراض المعدية) كإحدى الخصائص المميزة للمسح المرحلي والمسح السكاني الصحي عامي 2003 و2005 على الترتيب 14، حاملين صدى نقاشات حول ظواهر الصحة العامة مثل إنفلونزا الطيور(2008) وضغط الدم والتهاب الكبد الوبائي (2015) واجتماعية/ثقافية مثل ختان الذكور، وجندرية مثل سرطان عنق الرحم، وهيكلية مثل الإنفاق الذاتي للحصول على الخدمات الصحية. وأخيرًا أتيحت نتائج المسح باللغة العربية للمرة الأولى عام 2014.

استخدامات البيانات الصادرة عن البحث السكاني الصحي غير محصورة فقط في فهم سلوكيات الصحة العامة وصحة النساء والفتيات 15 إنما تمتد لتشمل توجيه أبحاث وسياسات محلية وإقليمية ودولية في الاقتصاد، والتعليم، والتخطيط، والهجرة. تلك البيانات يمكن من خلالها رسم واستخراج علاقات وأنماط شديدة الخصوصية 16 تدعم التخطيط العمراني والسياسات العامة لتحقيق العدالة المكانية والعدالة الاجتماعية.

وفي عامي 2016 و2018 تقدمت مصر بتقارير طوعية عن مساعي وجهود الدولة المبذولة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، في المنتدى السياسي رفيع المستوى17(HLPF )، وأكدت على الدور المحوري للقطاع الخاص وكيانات المجتمع المدني في تحقيق رؤية مصر 2030 وأهداف التنمية المستدامة 2030. ففي أثناء تصميم وتخطيط الإستراتيجية القومية للتنمية المستدامة، تعاونت الدولة مع أكاديميين وباحثين وبعض ممثلي المجتمع المدني، إلا أن المنصة نفسها، التشاركية في صناعة السياسات ومتابعتها، موصدة الآن. تعليق المشاركة في صناعة القرار متمثلة في عدم إتاحة البيانات، كما هو وضع المسح السكاني الصحي، هو إذن أمر مناقض لمسئوليات الدولة محليًّا ومنافيًا لالتزاماتها الدولية.

خاتمة:

  • إذا طرأ تغيير على سبل توفير البيانات الكَمية من قبل الحكومة المصرية، فمن الضروري إعلان البدائل الرسمية والمعتمدة في توفير البيانات والمعلومات، بغرض تصميم ومتابعة وقياس أثر صناعة القرار في مصر، وإرساء الشفافية كمبدأ أساسي في إتاحة المعرفة والمساءلة لتحقيق العدالة الاجتماعية.

  • ونكرر مطلبنا بتنفيذ المسح السكاني الصحي وإعلانه وإتاحة قواعد بياناته للجميع. نطالب بتوفير وإتاحة بيانات علمية ودقيقة نقرأ من خلالها التغيرات والاحتياجات المجتمعية بشكل دوري، فإن جائحة كوفيد-19 تذكرنا بوهن الأنظمة الرأسية وحتمية المشاركة المجتمعية.