المترو لا يخسر و الدولة تُموِّل الاستثمار من جيوب الطبقات الأفقر

مقدمة

 في إبريل من العام الجاري، وافق البرلمان بشكل نهائي على تعديلات الحكومة على القانون رقم 113 لسنة 1983 الخاص بإنشاء الهيئة القومية للأنفاق1، وربما تكون تلك التعديلات قد مهدت الطريق لقرارات الحادي عشر من مايو التي فرضت زيادات كبيرة في سعر تذكرة المترو2، فقد أعطت التعديلات في المادة الثانية مكرر(1) الحق للهيئة، لأول مرة، في إنشاء شركات مساهمة مع شركاء آخرين لإدارة وتشغيل وصيانة مشروعات خطوط مترو الأنفاق و أجازت لها المادة منح التزامات المرافق العامة للمستثمرين المصريين وغيرهم، سواء أكانوا أشخاصًا طبيعيين أم اعتباريين، وذلك لإنشاء وإدارة واستغلال وصيانة أي من مشروعات خطوط مترو الأنفاق.3

تفتح هذه التعديلات الباب لخصخصة مترو الأنفاق وخصخصة إدارته لأول مرة، وتمنح صلاحيات أوسع لوزير النقل، حيث نص القانون فيما سبق في المادتين الثامنة والتاسعة على أن تشكيل مجلس إدارة الهيئة من مهام رئيس مجلس الوزراء وأن مجلس إدارة الهيئة هو السلطة العليا المهيمنة على شئونها4. وله على الأخص إصدار القرارات واللوائح المتعلقة بالشئون المالية والإدارية والفنية.5

انطلاقًا من هنا، يمكننا إعادة النظر في قرار وزارة النقل وتصريحات وزيرها التي سنلقي عليها الضوء لاحقًا. فبهذه التعديلات احتفظت الهيئة العامة للأنفاق بصفتها كهيئة عامة خدمية* اسمًا، وفقدتها تمامًا عمليًّا، حيث لم تُنكرها تعديلات القانون أو تحولها بشكل صريح إلى أي إطار مؤسسي آخر.

أصبح هناك الآن مستثمر، وأصبح المواطنون مُتلقو الخدمة زبائن، وربما يُقصد بالسعر العادل الذي يتحدث عنه وزير النقل، أنه السعر العادل للمستثمرين. فمن غير الممكن أن تبيع الهيئة تذكرة المترو بجنيهين باعتبارها جهة حكومية منوط بها أن تقدم خدمة من الخدمات الأساسية إلى المواطنين بدون التربُّح منها، وإنما بغرض تغطية تكاليف التشغيل والصيانة واستحداث أساليب تمويل أخرى مثل دعايا الشركات أو تأجير الأرصفة من أجل زيادة الإيرادات، وأن يتواجد في نفس السوق، المستثمر الذي يقدم الخدمة بغرض الربح ويستمر في تقديمها بغرض تعظيم أرباحه.

تقدم المبادرة المصرية للحقوق الشخصية  في الفقرات والجداول القليلة اللاحقة تحليلًا للأرقام الموجودة بموازنة الهيئة العامة للأنفاق وقراءة لها، وتقييم لأهم التصريحات الرسمية التي انتشرت في الأيام القليلة الماضية، عن دور الهيئة العامة للأنفاق كهيئة خدمية، بتعريف القانون.

أولًا: الهيئة لا تسجل عجزًا: وغير صحيح أن العجز يتخطى المليارات والخسارة تتخطى الست مئة مليون جنيه وأن المترو لا يستطيع تغطية تكاليف التشغيل والصيانة.

ثانيًا: كيفية تمويل التكلفة الاستثمارية وتكلفة التشغيل والصيانة.

ثالثًا: حجم القروض التي تلقتها الهيئة العامة للأنفاق في السنوات الأخيرة.


1- الاستثمار في الخدمات العامة دور أساسي للدولة وإيرادات المترو تغطي وتفيض عن تكلفة الصيانة والتشغيل

 شهد العام المالي 2017/2018 الذي أوشك على الانتهاء في نهاية يونيو المقبل تطبيق سعر 2 جنيه للتذكرة من بدايته حتى قبل نهايته بحوالي شهرين بعدما ارتفع السعر من جنيه واحد في مارس 2017.6 وتظهر تقديرات موازنة العام المالي الجاري على أثر الزيادة قفزة كبيرة في الإيرادات الرأسمالية للهيئة العامة للأنفاق (الجدول 1) كما تظهر عجزًا بين موارد واستخدامات الهيئة، وفي هذه المصطلحات تحديدًا تختبئ الادعاءات الخاطئة. صرح المتحدث باسم وزارة النقل ومن قبله الوزير نفسه بأن خسائر الهيئة تتجاوز الست مئة مليون جنيه7 وأن هناك عجزًا بالمليارات تموله الخزانة العامة، ويقصد هنا بالعجز الفرق بين إجمالي الاستخدامات وإجمالي الموارد وليس الإيرادات والمصروفات. فما الفرق؟8

 إجمالي الاستخدامات هو إجمالي المصروفات (أجور ودعم وفوائد وشراء سلع وخدمات) مضافًا إليه تكلفة الاستثمار (إنشاء المحطات الجديدة وشراء القطارات) والتي عادةً ما تكون بالمليارات، بالإضافة إلى تكلفة سداد القروض المحلية والأجنبية. وإجمالي الموارد هي جملة الإيرادات (منح وإيرادات رأسمالية وتشمل عائد سعر التذاكر والإعلانات وتأجير الأرصفة) مضافًا إليه الاقتراض لتمويل الاستثمارات.

والفرق بينهما "عجز" تموله الخزانة العامة ليصبح إجمالي الاستخدامات مماثلًا لإجمالي الموارد. ذلك العجز سببه تكلفة الاستثمارات من أجل توسيع الخدمة العامة لتخدم عددًا إضافيًّا من المواطنين وتحسين جودتها وشراء قطارات جديدة لتقليل زمن التقاطر.  الاستثمار في الخدمات العامة دور أصيل من أدوار الدولة ولا يجب التعامل معه كعجوزات، وعلى الدولة أن تعمل على توفير تكلفة الاستثمارات عن طريق تبني سياسة ضريبية عادلة وتصاعدية أو على الأقل تطبيق ضرائب استثنائية مختلفة في عام أو أكثر حتى تتمكن من توفير كافة احتياجاتها لتمويل التكلفة الاستثمارية.

 الاتجاه الذي تسلكه الحكومة حاليًّا بزيادة أسعار التذاكر بحد أدنى ثلاثة جنيهات وحد أقصى سبعة جنيهات هو تحميل تكلفة الاستثمار على ثمن التذكرة وليس فقط تكلفة التشغيل والصيانة، ويدعم هذا تصريحات لوزير النقل نفسه،9 وهذا حتى بمنطق الشركات الهادفة إلى الربح غير منطقي، فلم نسمع من قبل عن شركة تضيف تكلفة توسعة استثماراتها متوسطة وطويلة الأجل أو حتى قصيرة الأجل أو تكلفة إنشاء خطوط إنتاج جديدة أوتكلفة تعميق استخدام التكنولوجيا إلى أسعار المنتجات أو الخدمات التي تقدمها إلى المستهلكين. ومن الطبيعي جدًّا أن تسجل أضخم الشركات وأكثر ربحية، خسائر في حساباتها المالية في الأعوام التي أنفقت فيها إنفاقًا استثماريًّا واسعًا يُنتَظر أن يأتي ثماره في الأعوام اللاحقة.10

ويتضح من الأرقام في الجدول الثاني وذلك بحسب أرقام الموازنة العامة، كيف أن الإيرادات الرأسمالية تتجاوز بكثير إجمالي المصروفات وهي إجمالي تكاليف التشغيل والصيانة قبل حساب تكلفة الاستثمارات. وكيف أن تكلفة الاقتراض لتمويل العمليات الرأسمالية يساوي (صفر)، أي إنه لا يوجد حاجة إلى الاستدانة لتمويل النفقات الجارية وإنما يتوجه كل الاقتراض إلى النفقات الاستثمارية. وتتضمن المصروفات الأجور (تتضمن الأجور الأساسية والحوافز والبدلات والمكافآت) وشراء السلع والخدمات (مثل المواد البترولية ومواد التزييت والتشحيم وقطع الغيار ونفقات المطبوعات والصيانة والمياه والكهرباء والنظافة والأمن والتليفون وشبكة الإنترنت).

 وبالأخذ في الاعتبار أن أرقام الموازنة قد تكون غير منضبطة باعتبارها تقديرات مبدئية، فقد صرح الرئيس السابق للنقابة المستقلة للعاملين بمترو الأنفاق في وقت سابق من هذا العام أن قرار رفع التذكرة إلى 2 جنيه عوض الشركة عن خسارتها (المفترضة) وارتفعت الإيرادات إلى 700 مليون جنيه ووصل إجمالي الإيرادات إلى 1.4 مليار جنيه سنويًّا.11 وبناءًا على خبر آخر نُشر على موقع اليوم السابع منتصف مايو الجاري، وصلت إجمالي تكلفة الصيانة والتشغيل في مقترح العام المالي الجديد 2018/2019 إلى 1.82 مليار جنيه بزيادة 522 مليون جنيه عن العام المالي الحالي، أي أنه من المتوقع أن يسجل المترو في نهاية العام المالي الحالي فائض بأكثر من 350 مليون جنيه بسعر 2 جنيه للتذكرة.


2- تكلفة الاقتراض، الدولة تستبدل بالسياسات الضريبية العادلة الاستدانةَ الخارجيةَ والمواطن يتحمل النتيجة مرتين.

 وبالإضافة إلى تكاليف الاستثمار التي أصبح المواطنون مُتلقو الخدمة يتحملونها على ثمن التذكرة منذ قرار الحادي عشر من مايو، أنهم على مر السنوات الماضية كانوا يتحملون تكلفة سداد القروض وفوائدها، فتصبح بذلك الطبقات الأكثر فقرًا واحتياجًا إلى خدمة مترو الأنفاق تدفع كُلفتين زائدتين على ثمن التذكرة، هما تكلفة الاقتراض وتكلفة الاستثمار. وفيما يلي، إجمالي عدد القروض التي تلقتها الهيئة في الخمس سنوات الماضية.

  • وكالة التعاون اليابانية "الجايكا"12
  • بنك الاستثمار الأوروبي13
  • الحكومة الفرنسية14
  • الوكالة الفرنسية للتنمية15
  • الوكالة الفرنسية للتنمية16
  • البنك الأوروبي ﻹعادة الإعمار والتنمية17
  • البنك الأوروبي ﻹعادة الإعمار والتنمية18
  • بنك الاستثمار الأوروبي19
  • بنك الاستثمار الأوروبي20

 

 حددت وزارة التخطيط في خطة 2017/2018 حجم استثمارات قدرها 6.2 مليار جنيه ممولة من الخزانة العامة للدولة والقروض والمنح ومصادر أخرى لاستكمال المرحلة الثالثة والرابعة والأولى.21 ونود فقط الإشارة إلى أن عائد تطبيق ضريبة الأرباح الرأسمالية على البورصة في عام واحد كان من المتوقع أن يصل إلى 10 مليار جنيه.22

3- "كنت مستني 11 مايو بفارغ الصبر عشان أرفع التذكرة". جولة قصيرة في تصريحات الوزير، ما قيل وما كان يجب أن يُقال.

  في بعض تصريحاته عقب قرار زيادة أسعار التذاكر، قال وزير النقل هشام عرفات إنه "متعجب من رد فعل الناس في الشوارع"23 وأنه "لن يتراجع عن قرار رفع سعر تذاكر المترو" وأن "أسعار التذاكر القديمة، لا تمثل أي نوع من أنواع العدالة الاجتماعية". تكمن القوة في تصريحات الوزير تحديدًا في غياب الشفافية ونقص المعلومات، فيستطيع أي مسئول في الدولة تبرير قراراته المنافية منطقيًّا للعدالة الاجتماعية بأنها أحد أوجه تلك العدالة، مبررًا بذلك حجم الدعم والأجور وغيرهم، وهذين البندين تحديدًا في تقديرات موازنة العام الجاري كما نرى في الشكل 2، يمثلان نسبة تكاد لا تذكر من إجمالي الاستخدامات (إن قِيست على طريقة الحكومة) ونسبة أقل ضآلة إن قِيست من إجمالي المصروفات أو إن قورِنَت بسداد الديون أو الفوائد.

 لم يعمل الوزير على تحسين شفافية موازنة الهيئة العامة للأنفاق وحساباتها الختامية وإتاحة كل المعلومات بخصوصهم حتى يتمكن المواطنون من التأكد بأنفسهم من صحة التصريحات التي تتردد هنا وهناك عن الخسائر والعجز. كما لم تقدم الوزارة أي شرح لمنطق التسعير وعدد المستخدمين لكل تسعيرة من الثلاث حسب تقسيمة المناطق ومن يتحمل الزيادات الأعلى ولماذا، وما هو متوسط دخولهم الشهرية.  حريٌّ بالوزير أن يقدم دراسة واضحة ﻷسباب تلك الخطوة بدلًا من أن يقول: "ضميري مستريح ومبسوط، وكان يجب أخذ هذا القرار من زمان".


التوصيات:

  إن شفافية الموازنة العامة وجميع موازنات الهيئات الخدمية والاقتصادية ليست رفاهية، وبالأخص في ظل خطط التقشف والضبط القاسي للمالية العامة. ولا يُمكن للدولة أن تعلن إجراءات قاسية بهذا الشكل بدون نقاش مجتمعي يقوم على الشفافية وإتاحة المعلومات والخطط بخصوص الإجراءات. وأظهرت دراسة سابقة للمبادرة أن شفافية الموازنة العامة ضرورة اقتصادية لا يمكن تأجيلها إن كانت الدولة تسعى إلى تحقيق كفاءة وفعالية الإنفاق العام، وأظهرت الدراسة كذلك أن مفهوم الشفافية، وإن كان يقوم بالأساس على الإفصاح، فإن الإفصاح نفسه لا يعد مؤشرًا كافيًا على تحقيق الشفافية، بل لا بد وأن يكون الإفصاح كاملًا والمعلومات ميسرة وبجودة عالية يسهل مقارنتها عبر الزمان والمكان، ولا ينفصل عن فهم المواطن بشكل كامل لدور المؤسسات المختلفة.24

 إن المبادرة المصرية تستنكر محاولة الدولة ووسائل الإعلام المصرية الرسمية والخاصة التلاعب بالمواطنين من خلال نشر أخبار غير صحيحة أولًا، وثانيًا من خلال عدم الوضوح حول طبيعة دور الهيئات الخدمية التي لا يُفترض من الأساس أن تسعى إلى التربُّح من إتاحة الخدمات العامة للمواطنين، وتشمل توصيات المبادرة:

  1- ترفض المبادرة المصرية احتساب تكلفة الاستثمار على أسعار التذاكر وتؤكد أن الاستثمار في الخدمات العامة دور أساسي للدولة تموله من الخزانة العامة عن طريق سياسات ضريبية عادلة، فضلًا عن أن تلك تخلق إيرادات إضافية بعد البدء في تشغيلها.

  2- توصي المبادرة المصرية بالتوقف عن التوسع في الاستدانة في كافة قطاعات الدولة وهيئاتها الخدمية والاقتصادية، والاستعاضة عن ذلك بضرائب استثنائية مختلفة تُطبق لعام واحد أو أكثر لتمويل الاستثمارات الاستثنائية المختلفة في الخدمات العامة، وبتبني سياسة ضريبية عادلة ومستدامة بشكل عام لتمويل النفقات الجارية والعمل على تحسين الخدمات وتطويرها.

 3- تطالب المبادرة المصرية بالالتزام بنشر الموازنة التفصيلية لكافة الهيئات الخدمية وحساباتها الختامية وإتاحتها للجمهور وتوصي بإعلان دراسة واضحة ﻷسباب رفع سعر التذاكر.