تحليل المبادرة لموازنة 2026-2027: بعد عقد من برامج صندوق النقد.. الضرائب لا تغطي نصف النفقات و48% من الموارد قروضًا

بيان صحفي

9 June 2026
  • تراجع الدعم والتعليم والأجور والصحة لصالح خدمة الديون وفوائدها

 

أصدرت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية اليوم الثلاثاء، 9 يونيو، ورقة تحليلية بعنوان "موازنة 2026 - 2027: تسوية الدفاتر لا تكفي". تحلل الورقة مشروع موازنة السنة المالية التي تبدأ في مطلع يوليو المقبل، والذي تناقشه حاليًا اللجان المختصة في مجلس النواب، للخروج بخطة مالية للعام الجديد.

وتأتي مناقشة الخطة المالية للدولة في وقت تتزايد معه التحديات الإقليمية والعالمية التي تؤثر على مصر، فيما تستمر الحكومة في تطبيق سياستها التقشفية المتفق عليها مع صندوق النقد الدولي، فترفع أسعار الوقود والكهرباء والمواصلات، بينما يضغط عليها صعود أسعار الطاقة العالمية والتحذيرات من زيادة أسعار الغذاء، بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتأثيرها على حركة التجارة. 

تتزامن السنة المالية الجديدة مع مرور عشر سنوات على توقيع اتفاقية قرض صندوق النقد الدولي في 2016، والتي فتحت الباب لسلسلة من البرامج الاقتصادية الممولة من الصندوق، اعتمدت من خلالها مصر وبشكل متزايد على الاستدانة الداخلية والخارجية مصدرًا أساسيًّا لتوفير الموارد. هذا العقد من الاقتراض ينعكس بوضوح على تركيبة موازنة 2027/2026، التي تبتلع فيها الديون والتزامات سدادها وفوائدها ثلثي أوجه الإنفاق. كما تزيد في السنة الجديدة مدفوعات فوائد الديون الحكومية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، لتتفوق على النسبة الموجهة لكل من التعليم والصحة والأجور والدعم مجتمعين.

ورغم إعلان الحكومة اتجاهها لتخفيض الدين، فإن الموازنة الجديدة تعتمد على زيادة الاقتراض الخارجي بنسبة 48.5% مقارنة بسابقتها، لتبلغ قيمة الموارد المخطط اقتراضها دوليًّا حوالي 594.6 مليار جنيه ( ما يعادل 11.2 مليار دولار، مقابل ثمانية مليارات في السنة المالية السارية حتى نهاية يونيو 2026). 

ورغم توقعات التقارير الدولية زيادة معدلات ارتفاع الأسعار العالمية في الشهور المقبلة، خاصة مع استمرار التوترات الإقليمية، تفترض الموازنة الجديدة معدل تضخم لا يزيد على 9.3% مقابل 18% في مشروع موازنة السنة المالية الموشكة على الانتهاء. ويثور التساؤل حول أسباب تفاؤل السياسة المالية في هذه الأوقات العصيبة، والتي لا تشير إلى احتمال انخفاض معدل زيادة الأسعار بل على العكس، بدليل قيام البنك المركزي المصري مؤخرًا برفع الرقم المستهدف للتضخم إلى حدود 16-17% في عام 2026. 

تكمن خطورة وضع تقدير غير واقعي للتضخم في أنه ينعكس على كل تقديرات الموازنة، وبالتالي فإن المبالغ المخصصة للدعم مثلا؛ ستكون أقل قدرة على توفير قدر من الحماية الاجتماعية إذا زاد التضخم عن المستهدف. كذلك ستقل القيمة الحقيقية لمخصصات الأجور والتعليم والصحة (وهي غير كافية من الأصل). كما يخفي هذا الوضع المخاطر المالية التي تترتب على ارتفاع معدل زيادة أسعار المستهلكين، حيث يوضح البيان المالي لمشروع الموازنة أن زيادة التضخم عن النسبة المقدرة ستؤدي إلى رفع سعر الفائدة، مما سيزيد من تكلفة الديون، ﻷن "كل 1% زيادة في الفائدة ترفع مدفوعات فوائد الدين بنحو 120 مليار جنيه".

انعكس هذا التفاؤل أيضًا في الخفض الشديد لمخصصات دعم المواد البترولية بنسبة 79% في مشروع الموازنة، في الوقت الذي ترتفع فيه أسعار البترول العالمية. ويشير التخفيض الكبير للدعم إلى احتمالات زيادة أسعار المنتجات البترولية مرة أخرى خلال الشهور القادمة. ورفعت الحكومة أسعار الوقود والغاز والبوتاجاز في مارس الماضي بنسب تراوحت بين 14 و30 بالمئة، وبررت الحكومة هذا القرار بأزمة الطاقة الناجمة عن التوترات الإقليمية. وتؤدي هذه الزيادات بالضرورة إلى رفع معدلات التضخم في أسعار المستهلكين.

من جانب آخر ارتفع دعم الكهرباء بنسبة 39% في مشروع الموازنة -والذي يفترض أن يغطي الفرق بين تكلفة الإنتاج وسعر البيع "المدعوم"- رغم الزيادات المتكررة في أسعار بيع الكهرباء، وكان آخرها في شهر إبريل الماضي عندما رفعت الحكومة الأسعار للشرائح الأعلى استهلاكًا في المنازل بنسب تتراوح بين 16% و28%، للاستخدام التجاري بمتوسط 20%. ويعتبر مشروع الموازنة أن ارتفاع تكاليف إنتاج الكهرباء نتيجة للتغيرات الاقتصادية سبب في زيادة مخصصات الدعم.

وتخطط الحكومة في الموازنة لزيادة الدعم الموجه للخبز والسلع التموينية وكذلك الدعم النقدي للأسر الأكثر احتياجًا عبر برامج "تكافل وكرامة". لكن قيمة هذا الدعم تظل هزيلة في مواجهة التضخم المتراكم خلال السنوات الماضية والمتوقع زيادته خلال السنة المالية الجديدة. ولا تقترب أنواع الدعم المقدمة -سواء كانت سلعية أم نقدية- من توفير نصف القيمة التي تكفي الاحتياجات الأساسية للأسرة وتبقيها فقط على خط الفقر، حيث لا تزيد قيمة الدعم بنوعيه لأسرة من أربعة أفراد عن 3500 جنيه شهريًا حسب البيانات الواردة في وثائق الموازنة.

أما فيما يخص الموارد، فتستمر الموازنة الجديدة في الضغط على الفئات الأقل دخلا لصالح أصحاب الثروات والدخول العليا، حيث تعتمد الحكومة في الجانب الأكبر من حصيلتها الضريبة المتوقعة على ضرائب المرتبات والضرائب على استهلاك السلع والخدمات، ويمثل كلاهما معا 44% من الحصيلة، مقابل 14% فقط تمولها الضرائب على أرباح الشركات، و0.5% يساهم بها أصحاب العقارات.

 

وتسعى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية من خلال تحليلها للموازنة إلى توسيع دائرة النقاش حول الخيارات المالية التي تتخذها الدولة، وآثارها على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، كما تدعو المبادرة نواب البرلمان خلال مناقشتهم للموازنة الجديدة إلى الاهتمام بهذه النقاط:

** إلزام الحكومة بتقديم موازنة موحدة طبقًا للقانون، وعدم الاقتصار على ضم بيانات الهيئات الاقتصادية بشكل منفصل، وبعض الحسابات بخصوص التشابكات المالية بين بين الهيئات والموازنة العامة دون توضيح منهجية هذه الحسابات بشكل يتيح صورة حقيقية لمالية الدولة، ويسمح للنواب بالمشاركة في صنع السياسات العامة ومراقبة الحكومة وطرح بدائل واقعية للسياسات المتبعة. 

** العمل على إخراج موازنة الدولة من أسر الديون، ضرورةً ملحة لإنقاذ الاقتصاد وضمان حقوق المواطنين، من خلال خطة واضحة لتقليص الاعتماد على الاقتراض موردًا أساسيًا لتمويل الدولة. مما يتطلب منها توجهًا جادًا لتشجيع القطاعات الإنتاجية والخدمية المولدة للدخل والقيمة المضافة، والعمل على إعادة هيكلة السياسات الضريبية لتصبح أكثر عدالة وكفاءة، بحيث تتحمل الجهات الرابحة نصيبها من الضرائب بدلا من تحميل العبء الضريبي الأكبر للعمال والمستهلكين، والعمل على تضييق الاستدانة الخارجية لاعتبارات ضرورية يساهم البرلمان في تحديدها.

** إلزام الحكومة بوضع خطط تفصيلية تعكس تغييراً في أولوياتها في الإنفاق، وعدم الاكتفاء بتحديد رقم كحد أقصى للدين، ثم إجراء بعض العمليات المحاسبية التي تظهر الالتزام به صوريا. فالمخاطر التي يمثلها ارتفاع الدين حقيقية وليست صورية، وتتطلب وضع تصور مختلف للسياسات الاقتصادية لمواجهتها. ومن المهم أن يشارك البرلمان في تحديد سقف الديون المراد الوصول إليه على أن يكون كليًا يشمل أجهزة الموازنة والهيئات الاقتصادية والبنك المركزي.

** وضع قيود فعلية للاقتراض كوسيلة لتمويل مشروعات لا تساهم في توليد الدخل ولا في تقليص النفقات المستقبلية ولا في تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان كتطوير التعليم والصحة وتوفير المسكن وفرص العمل اللائق. وأن يكون للبرلمان دور في تحديد أولويات إنفاق الأموال المقتَرَضة من الخارج، بدلًا من الوضع الحالي الذي تتولى فيه الحكومة وحدها هذا الملف بدون رقابة شعبية، بينما كانت في الأصل هي المتسببة في تفاقم أزمة الديون. 

 ** هناك ضرورة لوضع حد لنمو فوائد الديون التي صارت تلتهم كل زيادة في الموارد، ويقتضى ذلك مراجعة سياسة رفع سعر الفائدة كوسيلة أساسية لكبح التضخم، ﻷنها أثبتت، عبر السنوات الماضية، محدودية أثرها في كبح التضخم مقابل أثرها الفادح على تكلفة الديون الحكومية.  

 ** البرلمان دفع الحكومة للعمل عاجلاً على رفع الإنفاق على قطاعي الصحة والتعليم للوفاء بالنسب الدستورية، لأهميتهما الحاسمة في التنمية وفي تقليص فجوة التفاوت الاجتماعي، وإلزامها بالكف عن التحايل المحاسبي في هذين الملفين، ﻷن الاحتياجات على أرض الواقع تتجاوز الألعاب المحاسبية التي تضيف فوائد الديون لنفقات الصحة والتعليم. 

** هناك ضرورة بشكل عام لمراجعة المنطق الذي تقوم عليه سياسات الدعم الحكومي، لأنها تبدو فاقدة للبوصلة الاجتماعية والحقوقية الصحيحة إلى حد بعيد. فالدعم الذي تقدمه الدولة للسلع والخدمات الأساسية، مثل التموين والضمان الاجتماعي والعلاج المدعوم من الدولة ودعم الطاقة، يفترض أن يستهدف ضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين أصحاب الحق في المال العام، بالإضافة إلى تعويضهم عن نقص الخدمات العامة ونقص الوظائف وانخفاض الأجور بسبب السياسات الاقتصادية المتبعة. وبالتالي، فإن التوسع فيه مطلوب في ظل التدهور الحالي في مستويات المعيشة. ويختلف هذا عن دعم القطاعات الإنتاجية والخدمية المهمة التي تفيد الاقتصاد، لكنها تستهدف الربح أيضًا. وبالتالي يجب أن يرتبط دعم الدولة لها بشروط تتعلق بمساهمتها في خلق الوظائف وزيادة الإنتاج والالتزام بالضرائب، مع مراجعة دور هذا الدعم دوريًا، والتخلي عنه إذا لم يحقق المطلوب منه.

اقرأ الورقة كاملة هنا