”العصر الذهبي للنساء“ في مصر: بين السردية الرسمية والواقع
بيان صحفي
تقرير جديد للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية يرصد أثر سياسات الدولة على أوضاع المصريات منذ 2014
في الوقت الذي تقدم فيه السردية الرسمية العقد الأخير باعتباره ”العصر الذهبي للنساء“، يكشف تقرير جديد للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية عن فجوة واضحة بين هذه الصورة والواقع الفعلي الذي تعيشه غالبية النساء في مصر. ويستند هذا التقرير إلى مقارنة بين الجهود والموارد التي استثمرتها الدولة خلال هذه الفترة، والنتائج الفعلية كما تعكسها الإحصاءات بشأن واقع النساء والفتيات.
أطلقت المبادرة تقريرها بعنوان: ”العصر الذهبي للنساء؟“، والذي يقدم تحليلًا لأوضاع النساء والفتيات في مصر خلال العقد الماضي، من خلال تقييم أثر السياسات العامة على حياتهن، وقراءة قضايا النساء باعتبارها مدخلًا لفهم التحولات الأوسع في علاقة الدولة بالمجتمع.
يُظهر التقرير أن حضور قضايا النساء في الخطاب الرسمي خلال السنوات الأخيرة لم ينعكس في تحسن مماثل في أوضاعهن، بل تزامن مع سياسات اقتصادية واجتماعية أعادت توزيع أعباء المعيشة والرعاية على الأسر، وعلى رأسها النساء، في ظل تراجع الإنفاق الاجتماعي وتفاقم الأزمات الاقتصادية.
وفي الوقت نفسه، يشير التقرير إلى أن قضايا النساء لم تعامل فقط كملف لحقوق مواطنات، بل جرى توظيفها سياسيًا ضمن سردية أوسع عن ”الجمهورية الجديدة“ ورئيسها، حيث يعاد تقديم مؤشرات جزئية مثل التمثيل في مواقع السلطة أو إطلاق مبادرات وأنشطة لا تخضع للتقييم بوصفها دليلًا على تحسن شامل، دون أن تعكس واقع الغالبية أو النتائج الفعلية لهذه السياسات على حياة النساء. وفي هذا الإطار، يعيد التقرير قراءة هذه المؤشرات بوصفها جزءًا من سردية سياسية، وليس انعكاسًا مباشرًا لتحسن في أوضاع النساء.
لا يتعامل التقرير مع قضايا النساء باعتبارها ملفًا منفصلًا، بل بوصفها نقطة تقاطع لعدد من السياسات العامة، حيث تتداخل السياسات الاقتصادية والقانونية والخطابية لتشكّل معًا واقع النساء في مصر. ومن خلال تداخل هذه المسارات، تتشكل ملامح نمط متكامل لتدخل الدولة في قضايا النساء خلال العقد الماضي.
ويخلص التقرير إلى أن هذا النمط من السياسات يمكن فهمه من خلال أربعة ملامح رئيسية متداخلة:
أولًا، ارتباطه بتحولات اقتصادية عميقة أدت إلى تقليص دور الدولة في تقديم الخدمات، وزيادة الأعباء الواقعة على الأسر، وخاصة النساء؛
ثانيًا، صعود خطاب رسمي يضع تماسك الأسرة وقيمها في مركز التدخل السياسي والاجتماعي والقانوني، وأصبح تماسكها هدفًا سياسيًا في حد ذاته، حتى ولو كان ثمنه العدل وأمان وسلامة أفرادها؛
ثالثًا، الاعتماد على التدخل العقابي كأداة رئيسية، وأحيانًا وحيدة، للتعامل مع قضايا العنف ضد النساء، دون تطوير سياسات شاملة لضمان الحق في حياة خالية من العنف أو الوقاية؛
وأخيرًا، توظيف صعود محدود لنساء إلى مواقع قيادية كجزء من الصورة السياسية التي تقدمها الدولة عن نفسها، دون أن يعكس تحسنًا في أوضاع غالبية النساء.
وفي هذا الإطار، يبرز التقرير محدودية فعالية المقاربة العقابية في التعامل مع قضايا العنف ضد النساء، في ظل استمرار العوائق أمام الإبلاغ والوصول إلى العدالة، وغياب الحماية الكافية للمبلغات، بما يترك كثيرًا من النساء خارج نطاق الحماية القانونية الفعلية، ويحول دون التدخل المبكر لوقف العنف أو الحد من تطوره.
كما يشير التقرير إلى أن اتساع نطاق التدخل القانوني، خاصة في إطار ما يُطرح باعتباره حماية لـ“قيم الأسرة”، جاء في سياق اتسم بتراجع المساحات المستقلة للمجتمع المدني، وتزايد الكلفة الأمنية لأي شكل من أشكال التنظيم أو المطالبة بالحقوق، وصولًا إلى شبه استحواذ كامل على المجال العام، وهو ما انعكس على قدرة النساء على المطالبة بحقوقهن، وعلى شروط مشاركتهن في المجال العام.
ويؤكد التقرير أن تقييم أوضاع النساء لا يمكن أن يستند إلى الصورة التي تقدمها الدولة أو إلى مؤشرات جزئية، بل إلى الأثر الفعلي للسياسات العامة على حياة النساء اليومية، خاصة في مجالات العمل، والحماية الاجتماعية، والوصول إلى العدالة، وحماية حقهن في حياة خالية من العنف، والخدمات الأساسية.
ويخلص التقرير إلى أن مقولة “العصر الذهبي للنساء” لا يمكن اختبارها إلا من خلال النتائج النهائية لهذه السياسات، والتي تكشف عن واقع أكثر تعقيدًا وأقل إشراقًا، تتداخل فيه سياسات اقتصادية واجتماعية وقانونية مع استخدام سياسي لقضايا النساء، بما يجعل من هذه القضايا جزءًا من مشروع أوسع لإدارة المجتمع، تاركًا خلفه أغلب نساء مصر بلا حقوقهن الأساسية.



