المبادرة المصرية تساهم في تقرير أممي حول حقوق أتباع المُعتقدات المختلفة في تكريم موتاهم
بيان صحفي
أصدرت المقررة الخاصة المعنية بحرية الدين والمعتقد التابعة لمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة تقريرها عن علاقة حرية الدين والمعتقد بالموت وتكريم الموتى، والذي تضمن إسهاماً من المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، قدمته خلال مرحلة الإعداد.
خلص التقرير الأممي إلى التوصية بضرورة التزام الدول بالامتناع عن أي تمييز أو إكراه في ممارسات الدفن، مع اتخاذ تدابير إيجابية لحماية الأفراد من العنف أو التهديد وتوفير الحماية القانونية لمن لا ينتمون إلى المعتقدات الدينية السائدة. كما شددت التوصيات على أهمية التشاور المستمر مع كافة المجتمعات القائمة على أساس المعتقد لفهم خصوصية شعائرها، وضمان المساءلة عن أية انتهاكات قد تمس حقوقها المرتبطة بالدفن وتكريم الموتى، مع إيلاء رعاية خاصة للأقليات العددية التي تواجه صعوبات في تشييد مقابرها أو الوصول إليها، لضمان ممارسة حقوقهم بما يتوافق مع المعايير الدولية.
جاءت مساهمة المبادرة المصرية استجابة للدعوة التي أطلقتها المقررة الخاصة في سبتمبر 2025، لتلقي مساهمات الدول والمنظمات الحقوقية والدينية الوطنية المعنية بتلك القضية، وذلك في سياق الإجراءات الخاصة التي ينظمها مجلس حقوق الإنسان. وساهمت المبادرة المصرية بتقرير يسرد واقع عدم تخصيص أراضٍ للبهائيين في مصر لاستخدامها مدافن لموتاهم. وأشارت المقررة الخاصة في تقريرها إلى وضع مقابر البهائيين في مصر في الفقرتين 27 و64، بناءً على التقرير المُقدم من المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وتقرير آخر مقدم من منظمة الجامعة البهائية العالمية.
الفقرة 27- وأصدر جمال عبد الناصر مرسومًا رئاسيًا في عام 1960 يحظر البهائيين في مصر. فمُنع هؤلاء منذ ذلك الحين من استخدام المقابر العامة أو شراء أراضٍ جديدة للدفن. وعلى الرغم من صدور حكم قضائي في عام 2009 يسمح بتحديد البهائيين بوضع شرطة (-) على بطاقات الهوية الوطنيى محل الدين من أجل تمتعهم بحقوق المواطنية، تقيد المعلومات الواردة بأن السلكات لم تخصص لهم أراضٍِ مافية لدفن موتاهم، وترفض المحافظات المحلية، التتي تتحكم في توزيع للأراضي، طلبات إقانة مقابر للبهائيين أو تتاجهلها بانتظام، مننذرعوة لاعتراضات دينية وكدعية أن منحهم هذه الحقوق قد "يزيد القصب [و] الانقسام". وأيدت محاكم في الإسكندرية وبورسعيد (2021-2022) قرارات الرفض، مما رسخ نمطًا من إنكار الحقوق متجذرًا في عدم اعتراف الدولة بديانات غير الإسلام والمسيحية واليهودية. ويؤدي الاستمرار في حرمان البهائيين في مصر من إنشاء مقابرهم إلى سلبهم حقوقهم في الحياة والممات.
الفقرة 64 - وفي مصر، لا تُتاح للبهائيين سوى مقبرة واحدة مكتظة في القاهرة، ومنعت السلطات الدينية، مثل الأزهر، تخصيص مقابر لهم بإصدار فتاوى، مما حرمهم من الحق في دفن موتاهم وفقًا لعقيدتهم، مثلما ورد عن مقررين خاصين وعن لجنة حقوق الإنسان.
في تقريرها "مقابر للبهائيين: نُدرة من صُنع الدولة"، رسمت المبادرة المصرية صورة للبنية المؤسسية التي هندست نُدرة المقابر المخصصة لأموات البهائيين على مدار عقود. فبعد حظر أنشطة البهائيين في عام 1960 بموجب مرسوم رئاسي، بدأ المجتمع البهائي نضالًا طويلاً للحصول على أبسط حقوقه المدنية. تكلل جزء من جهودهم بنجاح عام 2009 عندما ألزمت المحكمة الإدارية العُليا وزارة الداخلية بوضع علامة شرطة (-) أمام خانة الديانة في بطاقات الرقم القومي لغير المنتمين للديانات الإبراهيمية الثلاثة المعترف بها. ورغم الاعتراف الضمني بوجود مواطنين مصريين يدينون بغير الديانات الثلاثة، لم تترتب عليه النتائج العملية المرجوة، ولا يزال البهائيون يواجهون عقبات مؤسسية في ممارسة حقوقهم الأساسية، ومن ضمنها الحق في تأمين مقابر لموتاهم.
تاريخياً، لم تكن هذه الندرة هي القاعدة، حيث خصصت الدولة المصرية أربع قطع أراضٍ بين عامي 1930 و1954 كمقابر لغير معتنقي الديانات الثلاث، عُرِفَت بمقابر "أحرار العقيدة"، في القاهرة وبورسعيد والإسكندرية والسويس. ولكنها تقلصت بمرور الوقت ولم يتبقَ منها سوى قطعة أرض محدودة الأماكن تقع في حي البساتين بالقاهرة.
تفاقمت هذه المشكلة بسبب البنية التحتية الإدارية التي كرست التمييز الديني في الدفن، فبينما أبقى قانون تنظيم الجبّانات، الصادر في 1966، على حياده فيما يتعلّق بالانتماء الديني للمُتوفى، فإن البنية التحتية الإدارية التي صدر القانون في وجودها احتوّت بالفعل على سمات التمييز الديني في دفن الموتى. بدأ هذا التباين في القانون رقم 38 لسنة 1923، الصادر في العهد الملكي، والذي أُنشئَت بموجبه لجنة جبّانات المسلمين، ولم تُنشأ قط هيئة مماثلة للديانات الأخرى في مصر، كما لم تُنشأ هيئة مدنية تضطلع بنفس الاختصاصات دون النظر للتصنيف الديني للموتى.
صدرت المذكرة التنفيذية لقانون الجبّانات في 1970، ووضعت السلطة النهائية لتخصيص أراضٍ للمقابر في أيدي المحافظات، التي صارت عمليًا النقطة الرئيسية للإقصاء؛ الذي تجلّى في رفض محافظتي الإسكندرية وبورسعيد لطلبات المواطنين البهائيين لتخصيص أراضٍ للدفن في 2019-2020، مما دفع محامي المبادرة المصرية للحقوق الشخصية لرفع دعاوى قضائية لإلغاء قرار المحافظتين السلبي. في 20 نوفمبر 2022، صدر حكمان قضائيان برفض إلزام المحافظتين بتخصيص أراضٍ للاستعمال كمقابر للبهائيين.
وكشف مسار الدعوى عن لجوء محافظ الإسكندرية إلى الأزهر لاستطلاع رأيه، حيث انتهت فتوى الأزهر إلى أنه "لا يجوز تخصيص قطعة أرض لدفن الموتى ممن يحملون علامة الشرطة (-)"، محتجةً بأن هذا الإجراء سيؤدي إلى "التمييز والمزيد من التفرقة"، على الرغم من تأكيدها أن "الدفن حق ثابت لكل إنسان بعد الوفاة". وأكدت هيئة قضايا الدولة على أن الإسلام والمسيحية واليهودية هي الديانات الوحيدة المعترف بها دستورياً، وأن أتباع هذه الديانات الثلاث هم المكفول لهم حرية ممارسة الشعائر وإقامة دور العبادة بموجب الدستور، خالطةً بذلك بين الحق في ممارسة الشعائر وبناء دور العبادة والحق في دفن الموتى.
تؤدي هذه الندرة التي صنعتها الدولة إلى عواقب وخيمة على المجتمع البهائي. فالأسر البعيدة عن المدافن الوحيدة المتاحة في القاهرة تُجبر على قطع مسافات طويلة لدفن موتاها، مما يحوّل الحداد إلى قلق لوجستي، ويتعارض بشكل مباشر مع التشريع البهائي الذي يمنع نقل جُثمان المتوفى لأكثر من ساعة واحدة بعد الوفاة. وقد أثار هذا الوضع قلقاً دولياً، حيث قدم سبعة من المقررين الخواص التابعين لمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة شكوى ضد الحكومة المصرية في أبريل 2025، مشيرين إلى "منع البهائيين من القيام بممارساتهم الدينية والثقافية المرتبطة برعاية موتاهم". ورداً على ذلك، استخدمت الحكومة نفس الحُجج الإدارية، نافية وجود احتياج لمقابر إضافية ومؤكدة على وجود مواقع دفن كافية لتلبية احتياجات كافة المواطنين بناءً على الإحصاءات الرسمية.
وأكدت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية على ضرورة أن يكون تخصيص أماكن الدفن وإقامة الطقوس والشعائر الدينية للمتوفين من الحقوق الأساسية التي لا يجوز تقييدها أو الانتقاص منها، بموجب المادة 18 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.



