تعديل ضروري أم إصلاح غير مكتمل؟ قراءة في مشروع تعديل قانون المستشفيات الجامعية
بيان صحفي
تتابع المبادرة المصرية للحقوق الشخصية باهتمام مشروع تعديل قانون تنظيم العمل بالمستشفيات الجامعية -والذي وافق عليه مؤخرًا مجلس الشيوخ من حيث المبدأ وأرجأ التصويت على مواده لجلسة لاحقة- في ظل توسع ملحوظ في إنشاء كليات الطب الخاصة والأهلية وفروع الجامعات الأجنبية، ما يعجل من ضرورة وضع إطار حوكمي موحد ينظم عمل المستشفيات الجامعية ويحدد علاقتها بالمنظومة الصحية الوطنية.
ويأتي هذا التعديل في سياق تشريعي وصحي أوسع يرتبط بإصلاحات جارية في النظام الصحي المصري، وعلى رأسها تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل، وما يفرضه ذلك من متطلبات تتعلق بجودة الخدمة، وكفاءة التعليم الطبي، وتنظيم العلاقة بين مقدمي الخدمة الصحية في القطاعين العام والخاص. وقد صدر القانون الأصلي رقم 19 لسنة 2018 لتنظيم العمل بالمستشفيات الجامعية بهدف تطوير دورها التعليمي والعلاجي والبحثي وتعزيز مساهمتها في تقديم الرعاية الصحية للمواطنين.
ورغم الأهمية العملية للتعديل المقترح، فقد قوبل بعدد من الملاحظات والانتقادات الجوهرية، خاصة فيما يتعلق بآليات الترخيص والرسوم، وتطبيقه على المستشفيات العامة المملوكة للدولة، وهو ما يستدعي نقاشًا أوسع لضمان اتساق التعديل مع الدستور ومع أهداف الإصلاح الصحي الشامل.
أهمية التعديل في الإطار الأوسع لإصلاح النظام الصحي
ترى المبادرة المصرية أن تعديل القانون يمثل خطوة تنظيمية مرحلية ضرورية، لكنه لا يزال يعكس معالجة جزئية دون رؤية كلية متكاملة لمسار إصلاح النظام الصحي. إذ إن المستشفيات الجامعية تمثل ركيزة أساسية في تقديم الخدمات الصحية والتدريب الطبي والبحث العلمي، وتؤدي دورًا محوريًا في دعم الحق في الصحة المنصوص عليه دستوريًا.
وتؤكد المذكرة الإيضاحية للقانون أن المستشفيات الجامعية تضطلع بدور أساسي في التعليم الطبي والبحث العلمي وتقديم خدمات علاجية متقدمة، مع توفير الكوادر الطبية المؤهلة لخدمة المواطنين. ومن ثم، فإن أي تعديل تشريعي يجب أن يراعي تكامل هذه الأدوار مع متطلبات النظام الصحي الجديد.
ملاحظات جوهرية على مشروع تعديل القانون
1. ضرورة وضع التعديل في إطار تكامل النظام الصحي
ينبغي أن يُنظر إلى تعديل قانون المستشفيات الجامعية في سياق تكامل المنظومة الصحية، بحيث يكون تطوير التعليم الطبي متسقًا مع احتياجات تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل، خاصة مع انطلاق مرحلتها الثانية. فالمستشفيات الجامعية ليست كيانات تعليمية فقط، بل هي من مقدمي الخدمة الرئيسيين لشرائح واسعة من المواطنين، خصوصًا محدودي الدخل والحالات الطبية الأكثر تعقيدًا.
ويؤكد القانون القائم أن المستشفيات الجامعية تسهم في توفير الرعاية الصحية للمواطنين بالتعاون مع وزارة الصحة ورفع جودة الخدمات الطبية، وهو ما يفرض ضرورة إدماجها بشكل واضح في النظام الصحي الوطني الموحد.
لذا ينبغي النص صراحة على تكامل المستشفيات الجامعية بجميع أنواعها داخل نظام صحي موحد قائم على التأمين الصحي الشامل، بما يضمن:
-
تكافؤ فرص الحصول على الخدمة الصحية.
-
الاستخدام الأمثل للموارد الطبية.
-
تقليل الازدواجية والتنافس غير المنظم بين القطاعات.
-
دعم الاستدامة المالية للمنظومة الصحية.
ويشير الإطار التشريعي القائم إلى ضرورة التنسيق بين المستشفيات الجامعية ووضع سياسات موحدة للأداء والتطوير، وهو ما ينبغي تعزيزه في التعديل الجديد.
2. التمييز بين الترخيص والاعتماد وضمان الجودة
تؤكد المبادرة المصرية أن الترخيص يمثل خطوة أولية تنظيمية لا يجب تكرارها أو تحويلها إلى عبء إداري، بينما يبقى الاعتماد وضمان الجودة عملية مستمرة أشمل، ويجب أن يتما دوريًا (على الأقل كل ثلاث سنوات) من خلال الهيئة المختصة بضمان الجودة التابعة لمنظومة التأمين الصحي الشامل. فالقانون الأصلي أقر أهمية معايير الجودة وتقييم الأداء بالمستشفيات الجامعية لضمان تطوير الخدمة الصحية وتحسين كفاءتها، ومن ثم يجب النص بوضوح على الفصل بين الترخيص والاعتماد لضمان جودة حقيقية لا شكلية.
3. منع تضارب المصالح وضمان التفرغ المهني
يجب النص بوضوح على منع تضارب المصالح داخل المنظومة، خاصة فيما يتعلق بالجمع بين العمل في القطاعين العام والخاص، مع التأكيد على مبدأ التفرغ المهني لأعضاء هيئة التدريس العاملين بالمستشفيات الجامعية وفق المعايير العلمية والمهنية الدولية.
وفي المقابل، ينبغي توفير آليات تعويض عادلة عبر تعاقدات منظومة التأمين الصحي الشامل، نظرًا للدور الاجتماعي الكبير الذي تؤديه المستشفيات الجامعية في تقديم خدمات منخفضة التكلفة لقطاعات واسعة من المواطنين، وهو ما أكده القانون عند حديثه عن دورها في دعم الرعاية الصحية العامة وتطوير الكوادر الطبية.
قضايا إضافية تستدعي النقاش
إلى جانب الملاحظات السابقة، ترى المبادرة المصرية أن هناك عددًا من القضايا الجوهرية التي تستوجب مناقشة أعمق، منها:
-
الحوكمة المالية والشفافية في إدارة الموارد.
-
دور المستشفيات الجامعية في العدالة الصحية وتقليل الفجوات الجغرافية.
-
تنظيم العلاقة مع القطاع الخاص وضمان تقديم المصلحة العامة على الربحية. .
-
ضمان استدامة التمويل في إطار منظومة التأمين الصحي الشامل.
-
تعزيز المساءلة المجتمعية ومشاركة أصحاب الحقوق والأطراف المعنية في صياغة السياسات.
-
استمرار تدني الإنفاق العام على الصحة، بما يخالف الالتزام الدستوري بضمان تخصيص 3% كحد أدنى.
التوافق الدستوري
إلى جانب الحد الأدنى الملزم للإنفاق على الصحة سنويًا، تنص المادة (18) من الدستور المصري على حق كل مواطن في الصحة والرعاية الصحية المتكاملة، وعلى التزام الدولة بتطوير المنظومة الصحية وضمان جودة الخدمات. ومن ثم، يجب أن يراعي التعديل التشريعي ضمان إتاحة الخدمات الصحية والحفاظ على الطابع العام للخدمة الصحية مع تحقيق العدالة والكفاءة في توزيع الموارد الصحية.
التوصيات
ترى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن تعديل قانون تنظيم المستشفيات الجامعية خطوة ضرورية وإيجابية في الاتجاه الصحيح، لكنه يحتاج إلى مزيد من النقاش المجتمعي والتشريعي لضمان تحقيق أهدافه في إطار إصلاح صحي شامل.
وتوصي المبادرة المصرية بما يلي:
-
عدم التسرع في إقرار التعديل وإتاحة نقاش موسع مع أصحاب الحق وجميع الأطراف المعنية.
-
ربط التعديل صراحة بمنظومة التأمين الصحي الشامل كإطار مرجعي أساسي.
-
التمييز بين الترخيص والاعتماد وضمان جودة دورية إلزامية.
-
النص على التكامل داخل نظام صحي وطني موحد.
-
وضع آليات واضحة لمنع تضارب المصالح وضمان التفرغ المهني.
-
تعزيز الشفافية والمساءلة في إدارة المستشفيات الجامعية.
-
ضمان التوافق الكامل مع المادة (18) من الدستور، بما في ذلك إلزام الحكومة بالوفاء بالحد الأدنى الملزم للإنفاق على الصحة عند تقديم مشروع الموازنة العامة الجديدة لمجلس النواب.
إن الوصول إلى صيغة متوازنة ومتكاملة لهذا التعديل التشريعي يتطلب استمرار الحوار المجتمعي والتشريعي، بما يضمن توافقًا واسعًا بين مختلف الشركاء في المنظومة الصحية، ويحقق أهدافًا أوسع من مجرد تنظيم الكليات والمستشفيات الجامعية، وصولًا إلى نظام صحي عادل وفعال يضمن الحق في الصحة لجميع المواطنين.



