جدولة البريجابالين خطوة على طريق تحسين الصحة العامة

مازالت النظرة إلى إساءة استخدام الأدوية وتعاطي المخدرات نظرة تقليدية إلى حد كبير ، يتم الحديث عنها بشكل منفصل عن غيرها من مشاكل الخدمات الصحية  والعقلية، و بشكل منفصل أيضا عن قوانين الرعاية الصحية. فإساءة استخدام الدواء يتم النظر إليها باعتبارها مشكلة اجتماعية أو جنائية أو أخلاقية، ولا تعتبر  عادة مسؤولية أنظمة الرعاية الصحية، بينما الخدمات الوقائية و العلاجية التي تقدم عبر أنظمة الرعاية الصحية ومن خلال نظام صحي شامل هي مفتاح لمعالجة مشكلة  سوء الاستخدام وعواقبه . 

وتؤكد القوانين و الاتجاهات الحديثة1  في  الرعاية الصحية أن هذه المشكلة كجزء من مشكلة النظام الصحي بشكل عام،  وتدرس تكلفتها المالية والمعنوية على هذا النظام وعلى الصحة العامة، لكي تخفض التكاليف على المجتمع .

في الفترة الاخيرة  تم رصد انتشار اساءة استخدام الأدوية التي تحتوي على مواد البريجابالين والجابابنتين، وتصدر مستحضر ليرولين (الذي يحتوي مادة البريجابالين) أصناف الدواء الأكثر مبيعا في مصر خلال الشهور الخمسة الأولى من عام 2019،  ويرجع السبب في ذلك إلى انتشاره بين متعاطي المخدرات ، أي أنه يساء استخدامه ، ويستخدم لغير أغراضه المعروفة. ونتيجة لذلك قررت وزارة الصحة إدراج الادوية التي تحتوي على مادة البريجابالين في الجدول الثالث مخدرات فقرة (د) التي لا تصرف إلا بروشتة طبيب.

ويعبر  انتشار سوء استخدام مثل تلك الأدوية عن  حاجة السياسة الدوائية للتغير والتطوير بشكل شامل، ويشير لأهمية ربط السياسات الدوائية بالنظام الصحي الشامل و بقوانين الصحة العامة والرعاية الصحية . 

خلفية تاريخية  ﻷدوية البريجابلين والجابابنتنين

تم تطوير وصناعة مادة البريجابالين (pregabalin) بواسطة شركة فايزر العالمية للأدوية،و تم تسويقه تحت اسم العلامة التجارية Lyrica .  حصلت الشركة في يوليو 2004 على موافقة على مستوى أوروبا ﻹنتاج "ليريكا" واستخدامه في علاج آلام الأعصاب المحيطية، بالإضافة إلى اعتباره علاج مساعد واضافي في علاج نوبات الصرع الجزئية. في وقت لاحق، في ديسمبر 2004 ، حصلت الشركة على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) لاستخدام هذا الدواء في مرض الاعْتِلاَلٌ العَصَبِيٌّ السُكَّرِيّ diabetic neuropathy و الأَلَمٌ العَصَبِيٌّ التالي للهِرْبِس postherpetic neuralgia .  

وتتشابه مادة البريجابالين تلك في طريقة عملها الدوائية  مع مادة الجابابنتين (gabapentin) والمعروفة تحت العلامة التجارية Neurontin، وهو دواء تم تسويقه لأول مرة في عام 1993، وكان أحد أفضل الأدوية التي حققتها شركة فايزر من حيث حجم المبيعات2 .  

بعد نحو 13 عاما، صدر تقرير من منظمة الصحة العالمية يحذر من مادة البريجابالين وأثرها على الصحة العامة وخطورة ادمانها، في عام 2017، حيث يؤدي الاستخدام الخاطئ بجرعات  زائدة لتلك المادة الى تضخيم الأفكار الانتحارية، و الشعور بأعراض التحمل (Tolerance) : هو حالة فيزيولوجية تتناقص فيها الفعالية الدوائية و استجابة المريض للتكيف مع الدواء بعد الاستعمال المتكرر له مما يستلزم زيادة الجرعة للحصول على نفس التأثير، و وظهور أعراض الانسحاب عند التوقف المفاجئ عن العلاج بها  (أعراض منها الأرق، الصداع والغثيان والقلق والتعرق والإسهال).3    

أما مادة الجابابنتين فتم تقديم اقتراح بإضافتها إلى قائمة منظمة الصحة العالمية  للأدوية الأساسية EML كمسكن لآلام الأعصاب (المركزية والطرفية )، و رفضت لجنة الخبراء قبول الطلب لاعتبارات التحيز و عدم اليقين في تقدير كفاءة  الأدلة المتاحة على استحقاق اضافة المادة إلى قائمة الادوية الاساسية .

وبالتالي فكل من البريجابالين والجابابنتين ليسا من قائمة الادوية الاساسية الصادرة عن منظمة الصحة العالمية ، أي ليست من  الأدوية التي تلبي الاحتياجات الصحية ذات الأولوية للسكان.

انتشار إدمان البريجبالين و الجابابنتين في مصر

من الملاحظ زيادة تعاطي الأدوية التي تحتوي على مادتي الجابابنتين والبريجبالين في مصر زيادة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، فهذه الادوية متوفرة  في الصيدليات تحت أسماء تجارية مختلفة ويمكن شرائها بدون روشتة من الطبيب. و هناك علاقة بين انتشار الادوية التي تحتوي على مادة البريجبالين بشكل خاص، والتي زادت مبيعاتها بشكل ملحوظ، وبين تشديد القيود على دواء  الترامادول (Tramadol) فنتيجة التشديد في صرف الترامادول بعد ان تم إضافته إلى جدول المخدرات، انتقل الكثير من المتعاطين إلى أدوية البرايجابالين والجابابنتين.

والترامادول يعتبر أكثر أنواع المخدرات رواجًا  في مصر ،حيث يتعاطاه حوالي 60% من المتعاطين للمخدرات،  يليه الحشيش الذي يتعاطاه نحو 52% منهم، ثم تأتي المسكنات وأدوية أخرى يساء استخدامها بنسبة  33% من المتعاطين، ثم الهيروين بنسبة 29%، يليه الاستروكس 24% 4، مع الأخذ في الاعتبار أن هناك الاعتبار أن هناك تعاطيًا متعددًا، أي أكثر من مخدر  واحد في الوقت نفسه.

و مع ازدياد سوء استخدام وإدمان المواد الأفيونية، والترامادول خصوصًا ، يتم وصف البريجابالين والجابابنتين من  مقدمي الرعاية الصحية ( أطباء وصيادلة ) كمرحلة مؤقتة للخروج من إدمان الترامادول  5   6

ولجأ مستخدمو الترامادول إلى أدوية البرايجابالين والجابابنتين لعدة أسباب منها:

  • سهولة الحصول عليها من الصيدليات بدون وصفة طبية على عكس الترامادول. 
  • ثمنها رخيص نسبيًا و أرخص من الترامادول، ولها مثائل عديدة بأسعار مختلفة مما يجعلها في متناول جميع الفئات .
  • تشابه آثار تعاطي البريجابالين مع آثار تعاطي الترامادول .
  • اعتقاد المتعاطين انهم بذلك يتجنبون تعاطي الترامادول لأنه يسبب الادمان .
  • اتجاه بعض الأطباء لوصف الجابابنتين والبيريجابالين في برامج العلاج من ادمان الترامادول .

وتصل نسبة تعاطي المخدرات بين المصريين إلى أكثر من 10% من السكان، أي ضعف المعدل العالمي ، معظمها من الذكور بنسبة 72 ‎%‎، بينما بلغت نسبة الإناث  27% ‎من المتعاطين.  

وفي مقابلة مع نماذج للمتعاطين ..، قالت احدى السيدات التي تتعاطى البريجابالين انها تعرفت عليه "في البداية عن طريق صديق .. بجيبه بشكل رسمي من الصيدليات   .. باخد 6 حبايات في اليوم من تركيز ال 150 من الليرولين"،  وهو أحد الأسماء التجارية التي تنتج بها مادة البيريجابالين، من انتاج شركة الحكمة للأدوية، وهو النوع الأشهر بين المتعاطين للأدوية التي تحتوي على تلك المادة. وأشارت السيدة  إلى أنها لا تتحمل مرور اسبوع دون الحصول عليه "مرتبط معايا بحاجات كثير ، لو مخدتوش مبقدرش اعمل اي حاجة".

  و عن اضراره و اعراضه الجانبية تضيف " بيجيلي ذكريات من الماضي شوية ، غالبا ده بيحصل  .. مشكلة النسيان ، الذاكرة عندي بتبقى ضعيفة ، واوقات  بنسى حاجات مهمة جدا.. تقريبا مبعرفش اتعامل مع حد الا لما ببقى واخداه ..  فكرة اني انسى المشاكل او اتجنبها يبقى احسن، في حالة لامبالاة عندي بتخليني اخده على طول ..  شوية تشنجات بتحصل وعضل جسمي كله ..العضل .. بيبقى مشدود أو واجعني".

   وكان تعاطي هذا العقار كمخدر سببا في عدم الاستقرار الوظيفي بالنسبة لها "كذا وظيفة فقدتها بسببه".

وتقول السيدة إنها راغبة في التوقف عن تعاطي هذا العقار ولكنها لا تقدر على التوقف عنه، وأنها شاركت في برنامج علاجي لهذا الغرض لكنها لم تكمل "حاولت مرة ومحبتش أكمل .. كان فيه حد بيساعدني وهو اللي اقترح عليا ان اروح البرنامج ده بس انا اللي مكملتش ..رحت مرة واحدة ومرحتش تاني".

           متعاطٍ اخر للدواء تعرف على أدوية الليرولين (البريجابالين ) والبرجدين (جابابنتين )  من الاصدقاء، وهو قادر على تحمل التوقف عنها و لكن ليس لوقت طويل "ممكن اقدر ابطله بس مش فترة طويلة مثلا، فاهم قصدي؟ ..طريقة الحصول على الدواء بتكون دخول الصيدلية  بشكل طبيعي جدا في الليرولين باخد ال 150ملي ، في البرجدين باخد الـ 300 ، أما الكبتاجون نص الحباية ب 100  جنيه"

ويتعاطى هذا الشاب البرجدين بافراط ، والبرجدين من اشهر الاسماء التجارية لمادة الجابابتنتين ، من انتاج شركة ابكس فارما،  "البرجدين بالتحديد.. مش باخد ليرولين كثير . باخد لمدة شهرين ورا بعض بشكل يومي كل يوم 600 ملي.. وبعد كدا بوقف شهر ونص او  شهرين كمان .. وارجع تاني  "

يضيف عن اسباب هذا الاقبال على البرجدين وهل يحفزه على العمل  " لأ خالص مش عشان اشتغل، هو يعني انا بستخدم الكبتاجون عشان اشتغل ، بحيث اقدر اطبق ، اقعد فترة طويلة على اللاب توب ببقى مركز وهادي ، ده الكبتاجون . لكن البرجدين بيبقى استخدامه في فترة سيئة.. حاجة مش كويسة حصلت ، باخد واحدة .. بس الكبتاجون لما ببتبدي تفوت تاخده بيبقى الموضوع صعب ".

وعن اثار الدواء عليه يكمل  " البرجدين اه ده بيقلل التركيز جامد ..  طبيعة شغلي بتحتاج انتاج معرفي او كده فبيكون التركيز قليل، الكبتاجون مش كدا خالص بيخليك مركز وهادي ..عانيت مرة واحدة من الكبتاجون panic attack (نوبات الهلع)".

وعند فتح النقاش مع صيادلة حول سوء استخدام البريجابالين والجابابنتين ومقدار انتشار ادمانهم ، قال صيدلي يعمل بالمهنة منذ 11 عاما ان  " الاغلبية من المتعاطين شباب  من 25 ل 40 بس بلاقي ساعات فوق الاربعين او تحت 25 "  ونفى صرف                

أيٍّ من العقارين دون وصفة طبية  " بصرفه بروشته... بالنسبة ليا لازم بروشتة ، ممكن تركيز ال75 بس اللي من غير روشتة... انا بصرف بروشتة و لو فتحتها للمعاطين هاكسب دهب"،  واضاف "انا عارف انه بيتاخد لعلاج الترامادول ، الدكاترة بيكتبوه كورس ، بنصرفه بروشتة مع حقن للأعصاب زي البيكوزيم"  . 

وزاد الاقبال على الليرولين ومثائله والجابتن ومثائله منذ 3 سنوات بحسب ملاحظة معظم الصيادلة الذين قابلناهم،  "من 3 سنين، اول ما الترامدول غِلي".

وبسؤال الصيدلي عن موقف الشركات المنتجة والموزعين ومدى ملاحظتهم لزيادة المبيعات، وهل يعلمون بانتشار ادمان وسوء استخدام هذه العقاقير،  أجاب "ولا بيفرق معاهم... اهم حاجة المبيعات ده بيقولوا اول حاجة في النواقص إلحق يا دكتور الليرولين جه" ، ويستكمل  " بيجيلنا سعوديين كثير عايزين ليريكا عشان هناك متجدول"  وأكد على رغبته في جدولة الليرولين كحل لمشكلة الإدمان .

وعند محاورة صيدلانية تعمل بأحد سلاسل الصيدليات الشهيرة بالقرب من وسط البلد  اشارت الى ان متوسط اعمار من يتعاطون الدواء يتراوح بين 20 الى 30 سنة " معظم اللي بيطلبوه  من 20 – 30 ... بس في الفترة الاخيرة عرفوا اصناف تانية زي  البيرجافاليكس و ساعات بيطلبو البرجدين 300، بالتركيز ده بالذات"  واشارت الى عدم معرفتها بكيفية التعامل مع اثار الدواء الجانبية  " انا هبعت المتعاطي المحتاج مساعدة  للقصر العيني، الدكاترة هناك ممتازين يقدروا يتعاملوا كويس مع الآثار الجانبية للدواء ".

صيدلانية اخرى نوهت إلى التباين في اسعار الادوية التي تحتوي على  مادتي البريجابالين والجابابنتين مما يجعلهما في تناول الفئات الاجتماعية المختلفة،  "لما الليرولين قل بدأوا ينقلوا على حاجات تانية، البريجاباليكس والكيميريكا ... و الليريكا بيطلبه الناس التقيلة اللي معاها فلوس ".

في نفس السياق ، ترى الدكتورة وئام  وائل عبد الفتاح ، أخصائي الطب النفسي وعلاج الإدمان ،  أن المشكلة من الأساس في السماح بصرف الأدوية بدون روشتة .  وشرحت ان الكبتاجون من مشتقات الامفيتامينات ، وهي مادة كيميائية منشطة للجهاز العصبي ، وهو قليل الانتشار في مصر  مقارنة بأدوية الإدمان الاخرى مثل الترامادول والليرولين والجابتن .

واضافت انها لم تقابل حالات  ذهبت للحصول على علاج من إدمان البريجابالين ، فمعظم من قابلتهم تكتشف ادمانهم لليرولين او أمثاله أثناء معالجتها للمتعاطين من الترامادول  . واكدت انه حتى الان ليس من الواضح السبب الطبي او الكيميائي في تسبب مادتي الجابابنتين والبريجابالين في هذا الإدمان .

لذلك ، طالبت بإضافة الدواء إلى جدول المخدرات ووضع قيود على صرفه ، و اشارت الى الحاجة لمراجعة نظام صرف الأدوية في مصر ، والادوية النفسية على وجه التحديد ، لأن الأمر لا يقتصر فقط على الليرولين أو الجابتن .

و بسؤالها عن رد فعل مندوبي مبيعات هذه الادوية ، عند المرور عليها في عيادتها ، حول زيادة وصف الليرولين ومثائله  للمرضى، أكدت أن شركات الدواء لا تهتم الا بالربح وما يهم الشركات ومخازن التوزيع هو تحقيق أكبر قدر من المبيعات ، ورجحت أن يكون للشركات دور في تأخر صدور  قرار بجدولة مادتي البريجابالين والجابابنتين خلال الفترة الماضية، فهناك أكثر من 20 شركة تنتج هذه المواد الفعالة ، مما يجعل صدور قرار بإضافة المادتين إلى جدول المخدرات يؤثر بالسلب على مصالح الشركات .

يبين إحصاء لمبيعات (الليرولين) عام2018 ان حجم المبيعات وصل الى 500 مليون جنيه، بنمو وصل إلى 132% عن العام السابق، وغالبية المتعاطين من القاهر8ة بكم استهلاك بلغ  2 مليون و452 ألف علبة، وتأتي الاسكندرية ثانيا بـ830 ألف علبة.7

إن زيادة حجم  مبيعات دواء الليرولين في آخر عامين متفق مع شهادات الصيادلة والمتعاطين الذين قابلناهم ، والتي تشير الى أن زيادة الإقبال بدأت منذ عامين تقريبا، مما يدفعنا لقدير مدى خطورة  التكلفة الاقتصادية التي يتحملها نظامنا الصحي من تعاطي الليرولين وأمثاله ، وتأثير ذلك على خطط الصحة العامة بشكل عام ، والتكاليف التي يتحملها المجتمع فيما يتعلق بتعاطي المخدرات ، فمن المعروف أن  34% من الإنفاق الكلى الصحي يذهب للدواء.

دراسة اضطرابات تعاطي البريجابالين والجابابنتين من زاوية تأثيرها على الصحة العامة

في الوثيقة الختامية لعام 2016  في الدورة الاستثنائية لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة تم إقرار إدمان المخدرات باعتباره اضطرابًا صحيًا متعدد العوامل و  وأصبح يتم النظر الى اساءة استخدام الأدوية من زاوية تأثيرها على الصحة العامة للمجتمع بحيث يمكن الوقاية منها وعلاجها بدلا من اعتبارها فشلا أخلاقيا أو سلوكا إجراميا . تاريخيا ، معظم استراتيجيات الدول والحكومات لمعالجة اضطرابات تعاطي المخدرات تركزت على العقاب .  9

وأكدت الوثيقة على الدور الذي يجب أن يلعبه المجتمع المدني والمجتمع العلمي والأوساط الأكاديمية   في معالجة مشكلة المخدرات ، و هو ما ينبغي أن يتم تفعيلة أثناء التعامل مع العقارين السالف ذكرهما وهما ( البريجابالين والجابابنتين) .

وتوصي الوثيقة أيضا  بعدم إبداء آراء سلبية حول المرضى الذين يعتمدون على المخدرات و نشر المعرفة الصحيحة وتبديد الجهل باستخدام الدواء و تفكيك وجهات النظر الخاطئة حول استخدام الأدوية  ، و وركزت على اهمية إشراك العلماء والباحثين للمساعدة في تصميم خطوط السياسة الصحية العامة على المستوى الوطني و إعداد جيل جديد من صانعي السياسات الصحية والاجتماعية ذوي أفكار ورؤى مختلفة . وتلفت نظر واضعي السياسات والحكومات إلى عدم التوازن بين الجنسين في علاج المخدرات والرعاية الصحية اللازمة لها فمن كل ثلاثة أشخاص مدمنين امرأة تسئ استخدام الدواء وتدمنه ومن كل خمس أشخاص يحصلون على العلاج امرأة واحدة تصل للعلاج اللازم ، مما يدفعنا إلى لفت الأنظار لأهمية قضية مراعاة المساواة بين الأنواع الاجتماعية المختلفة في الحقوق الصحية والحصول على العلاج المناسب لإدمان عقار الجابابنتين والبريجابالين .10

إساءة استخدام البريجابالين و مفهوم الحد من الضرر

 العمل على  الحد من الضرر الناتج عن إساءة استخدام البريجابالين والجابابنتين سيؤدي الى خفض التكلفة على الأشخاص المتعاطين له وعلى النظام الصحي بشكل عام . فمن اساسيات الصحة العامة في التعامل مع اساءة استخدام الدواء    مفهوم الحد من الضرر (Harm Reduction) و هو حزمة من المبادئ المستنيرة و الخدمات الصحية والسياسات الدوائية التي تسعى للحد من الأضرار الاقتصادية والاجتماعية لتعاطي المخدرات.

يؤكد مفهوم الحد من الضرر على المرونة للتكيف مع احتياجات المتعطين للعلاج ، والمشاركة الفعالة للمجتمع و منظمات المجتمع المدني و الاشخاص المتعاطين في التخطيط والتنفيذ والتقييم.  إن مفهوم الحد من الضرر يركز أيضا احترام الحقوق الأساسية مثل الخصوصية والسلامة الجسدية ، والكرامة و توفير المعلومات الصحيحة عن الدواء ، والتعليم والتأهيل الجيد والمتواصل للأطباء والصيادلة وباقي أفراد النظام الصحي . أي أن مفهوم الحد من الضرر يعمل على دمج قضية اساءة استخدام الدواء بباقي مشاكل النظام الصحي و يربطه بباقي الحقوق الصحية والانسانية. 11

يشير الحد من الضرر إلى السياسات والبرامج والممارسات التي تهدف إلى التقليل  من الآثار الصحية والاجتماعية والقانونية السلبية المرتبطة بتعاطي المخدرات . يرتكز على العدالة وحقوق الإنسان ، فهو يركز على التغيير الإيجابي وعلى العمل مع الناس دون حكم أو إكراه أو تمييز أو اشتراط توقفهم عن تعاطي المخدرات كشرط مسبق للدعم.  من مبادئ الحد من الضرر أيضا احترام حقوق الأشخاص الذين يتعاطون المخدرات ، وحيث يستند هذا المفهوم بشكل أساسي إلى مبادئ حماية حقوق الإنسان وتحسين الصحة العامة .   

 يتمثل الحد من الضرر في التزام الدولة بضمان عدم استبعاد أي شخص من الخدمات الصحية والاجتماعية التي قد يحتاج إليها بسبب تعاطيه  للمخدرات ، فيجب أن يكون الأشخاص قادرين على الوصول إلى الخدمات بغض النظر عن العرق ، أو الدين ، او الجنس أو الحالة الاقتصادية.. علاوة على ذلك ، فإن المشاركة الفعالة للأشخاص الذين يتعاطون المخدرات في تصميم وتنفيذ وتقييم البرامج والسياسات التي تخدمهم أمر أساسي للحد من الضرر.12

الخلاصة والتوصيات

  •  إن إضافة عقار  البريجابالين إلى جدول المخدرات حل مؤقت وضروري لمشكلة اساءة الاستخدام ، مع  ضرورة التأكيد على الاتاحة وسهولة الوصول لتلك الأدوية بالنسبة للحالات الطبية التي تحتاجها في العلاج مثل مرضى السكري ومرضى  العظام والتهابات الأعصاب . وهناك حاجة إلى تطوير أنظمة مراقبة فعّالة لاستخدام الادوية ، فهذه الظاهرة انتشرت منذ عامين تقريبا ، ولم يصدر تحرك رسمي من وزارة الصحة  إلا في الأيام القليلة الماضية، مما يدل على غياب مفهوم اليقظة الدوائية عن السياسات الصحية والدوائية.
  •  نقطة أخرى يجب الوقوف عندها ودراستها فهاتان المادتان الدوائيتان متاحتان في الصيدليات بأسعار مختلفة ، تختلف باختلاف العلامة التجارية، وتناسب جميع الفئات الاقتصادية في  المجتمع ، وهذا دليل على العيوب والثغرات في نظام تسعير الأدوية في مصر ، فقرار تسعير الدواء رقم 499 لسنة 2012  يعتمد على مرجعية سعر البيع للجمهور في العالم ، مطبقا نظام المرجعية الخارجية للتسعير Reference External Pricing ، والمقصود به الاستناد إلى أسعار الدواء في دول أخرى من أجل تحديد أسعار الدواء محليا  أو من أجل التفاوض عليها . ويشمل القرار قائمة من 36 دولة مرجعية للاسترشاد بها في الحصول على سعر بيع المستحضرات الدوائية للجمهور على الرغم من أن القرار لا يلتزم بها بالضرورة إذ يجعل مرجعية التسعير مفتوحة لتشمل جميع الدول . 
  • فنظام التسعير الحالي الذي يفرق بين الأدوية الجنيسة Generic(المثيلة) و الادوية ذات العلامة التجارية الأصلية  الـــ Brand (فى حالة البريجابالين الدواء ال Brand هو دواء الليريكا من إنتاج شركة فايزر ، و الليرولين Generic من انتاج شركة الحكمة )  هذا النظام هو الذي أدى إلى وجود نفس المادة الفعالة تباع بسعر 87 جنيه للشريط تحت الاسم التجاري ليريكا، بينما تباع بسعر 35 جنيه للشريط إذا بيعت من الدواء المثيل ليرولين . 
  • ما سبق يشير لاهمية وضع سياسة دوائية وطنية شاملة ومدفوعة من منطلق تنموي، ومتوازنة تتسم بالشفافية والاتساق مع التزامات الدولة بالقوانين الدولية لحقوق الإنسان. كما تقوم تلك السياسة بتحديد أدوار الجهات الوطنية المختلفة المعنية بالدواء، وبتوضيح كيفية التنسيق بينها. يجب أيضًا أن تتضمن تلك السياسة رؤية شاملة وبعيدة النظر لقضايا الدواء في مصر، ومنها على سبيل المثال الرقابة على الدواء في السوق المصرية، والاستخدام الرشيد للدواء  والبحث والتطوير، وتسعير الدواء، ومستقبل الصناعة الدوائية .13