بواعث القلق: الدين الخارجي في مصر

اختارت مصر توقيتًا سيئًا لاستبدال الدين المحلي بالدين الخارجي. وذلك لأكثر من سبب تشرحه هذه الورقة. بشكل عام، للاقتراض الخارجي في الدول النامية إرث تاريخي أليم. حيث ارتبط بالاستعمار، فكان أداة للإبقاء على الدول المحتلة فقيرة وتحت السيطرة . ثم جاء إرث الاقتراض عبر مؤسسات التمويل الدولية، مثل البنك والصندوق الدوليين، لتزيد الشعر أبياتًا (رمزي زكي، 1985، جوزيف ستيجلتز، 2001). ومؤخرًا، عادت مساوئ الاقتراض الخارجي إلى الظهور مع تفاقم أزمات مديونية اليونان وإيطاليا وأيرلندا والبرتغال وإسبانيا (بيكيتي، 2016، Toussaint، 2013).

ورغم تغير النظام العالمي، وتعدد نماذج التنمية، ظلت النظرة إلى الدين الخارجي على أنها الملاذ الأخير لتعبئة الموارد، وكان العامل المشترك في تلك النماذج هو تعبئة الموارد المحلية والاستثمار المحلي والأجنبي من أجل تحقيق التنمية.

ولمصر بشكل خاص تاريخ أليم من الاقتراض الخارجي، يمتد لقرون ثلاثة (جون مالرو 1976، عادل حسين 1980). امتزج فيه الاستعمار بالمشروطية السياسية وبالسياسات التقشفية التي حرمت البلد من خلق الوظائف ومن أبسط الحقوق في الصحة وفي التعليم.

واليوم، نجد أن مصر ليست متفردة في الاتجاه لزيادة الاعتماد على القروض الخارجية، فهي جزء من ظاهرة تزايد السيولة المالية لدى مؤسسات التمويل الدولية بسبب تباطؤ النمو العالمي، وتحل حول العالم القروض الخارجية محل تدفقات الاستثمار (South Centre, 2013)، (وانظر ماليزيا مثلًا (Khor, 2015)، ما قد ينبئ بأزمة مديونية جديدة تشمل الدول النامية، إذا ما استمر وضع الاقتصاد العالمي الراكد. فعلى سبيل المثال، منذ 2011، أقرض صندوق النقد الدولي إلى 6 دول فقط في منطقة الشرق الأوسط ما قيمته 57.43 مليار دولار، إضافة إلى القرض الأخير لمصر والذي يبلغ 12 مليار دولار.

كانت هذه مقدمة لا بد منها لوضع الدين الخارجي لمصر في سياقه التاريخي والعالمي المعاصر. ولكن هذه الورقة تتبنى تحليلًا أضيق كثيرًا من تحليل الاقتصاد السياسي لمسألة الاستدانة الخارجية. وتعرض الورقة تحليلًا بسيطًا للمنافع والخسائر لتقييم سياسة زيادة الاعتماد على الدين الخارجي، من أجل تمويل النفقات الحكومية.

وتخلص الورقة إلى أن الحكومة المصرية قامت بالتوسع في المديونية الخارجية، وخاصة متوسطة الأجل، وذهبت جل هذه الديون إلى البنك المركزي، وذلك خلال الفترة الزمنية التي درستها تلك الورقة 2011 إلى 2016. ولهذه السياسة أثرها الكبير في قدرة مصر على السداد، وخطرها على مزاحمة الإنفاق الاجتماعي الضروري من أجل التنمية. وفي هذا الإطار، فإن تعويم العملة المحلية يضاعف من تلك المخاطر.