القليل المتأخر الذي لا يصل للجميع: زيادة الحد الأدنى للأجر لا تقي العاملين من الفقر
بيان صحفي
حد الفقر الوطني للأسرة مقومًا بالتضخم يبلغ 8964 جنيهًا
أعلنت الحكومة المصرية عن رفع الحد الأدنى للأجر للعاملين لديها وبالدولة إلى 8 آلاف جنيه شهريًا بنسبة زيادة 14.3٪، في خطوة لا تزال قاصرة عن ملاحقة معدلات التضخم ومكافحة الفقر بين العاملين بأجر، بالذات في ظل القصور البالغ في مد مظلة الحد الأدنى للأجر إلى القطاع الخاص والقطاع غير الرسمي.
الزيادة الجديدة، التي لن تدخل حيز التطبيق إلا ابتداء من يوليو القادم، تتجاوز معدل التضخم السنوي في فبراير الماضي البالغ 13.4٪ لإجمالي الجمهورية، لكنها تجيء متأخرة. فالزيادة تغطي بالكاد تآكل أجور العام الماضي، خاصةً في ظل توقع ارتفاع التضخم بشكل ملموس خلال الشهور الأربعة المقبلة بسبب رفع أسعار الطاقة الذي تم خلال شهر رمضان، والتراجع في قيمة الجنيه المصري مقابل الدولار، واستمراره تحت الضغط بفعل تخارج الأجانب من الدين العام بفعل تأثيرات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على المنطقة، إلى جانب رفع أسعار الكهرباء للاستخدام التجاري والشريحة المنزلية العليا.
يعني ذلك أن القيمة الحقيقية للحد الأدنى قد بدأت في التآكل بالفعل دون حماية، من اليوم وحتى موعد الزيادة القادمة. بل إن القيمة الحالية للحد الأدنى عند 8 آلاف جنيه تقل بحوالي 960 جنيهًا عن حد الفقر الشهري للأسرة، إذا حسبنا قيمته الحقيقية اليوم بالأخذ في الاعتبار التضخم التراكمي منذ يناير 2020، وهي المرة الأخيرة التي تم فيها حساب الحد الوطني للفقر رسميًا من خلال بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك، الذي توقف عن الصدور منذ وقتها.
ووفقًا لحسابات المبادرة المصرية للحقوق الشخصية يبلغ حد الفقر الوطني المقدر بأخذ معدلات ارتفاع الأسعار منذ يناير 2020 وحتى فبراير الحالي في الاعتبار، 8964 جنيهًا للأسرة في الشهر. في الوقت نفسه، تزيد الثمانية آلاف جنيه عن حد الفقر المدقع (الذي يغطي احتياجات الأسرة من الطعام والشراب للبقاء على قيد الحياة) فقط بألف وخمسمائة جنيه. حيث تشير حسابات المبادرة المصرية، إلى أن قيمة حد الفقر المدقع في فبراير الحالي تبلغ 6500 جنيهًا للأسرة شهريًا بحساب التضخم التراكمي الرسمي للطعام والشراب من يناير 2020. وتجدر الإشارة هنا لأن استهلاك الفقراء عادة ما يتركز على الحاجات الأساسية كالغذاء، والتي عادة ما تكون معدل زيادات الأسعار فيها أعلى من المتوسط العام، وهو ما كان الوضع في مصر خلال السنوات الماضية.
ويقصر الحد الأدنى الجديد للأجر عن ملاحقة نظيره الذي طُرح لأول مرة في الحكم القضائي بإلزام الحكومة بتحديث الحد الأدنى في عام 2010، والذي قُدر وقتها بقيمة 1200 جنيه، وكان محسوبًا في أوراق القضية بناء على الحد الأدنى لسلة معيشية مناسبة. وبحساب التضخم منذ 2010، تبلغ قيمة الـ 1200 جنيه في فبراير الحالي 10003 جنيه (عشرة آلاف وثلاثة جنيهات)، وهو ما يزيد على الحد الأدنى الحالي بحوالي ألفي جنيه.
الجدير بالذكر أن الحد الأدنى للأجر هو الحد الأدنى الذي لا يجوز قانونيًا لصاحب العمل أن يدفع أقل منه، بصرف النظر عن طريقة حساب الأجر أو كفاءة العامل. وقد بدأت منظمة العمل الدولية في دفع الدول لتجاوز مفهوم "الكفاف"، والتحرك في اتجاه الأجر المعيشي وهو مستوى الدخل الضروري الذي يتيح للعامل وأسرته التمتع بمستوى معيشي لائق، والمشاركة في المجتمع والعيش بكرامة. ووفقًا للمنظمة فإن الأجر المعيشي يعتمد بشكل صرف على تكلفة المعيشة الحقيقية في منطقة جغرافية محددة، ويشمل الغذاء الكافي (سلة غذائية متوازنة) والسكن اللائق والرعاية الصحية والتعليم والملابس والمواصلات، بل وهامش بسيط للطوارئ (مدخرات صغيرة للأحداث غير المتوقعة).
لا يصل للكل
يزداد الأمر سوءًا بغياب التطبيق الواقعي للحد الأدنى للأجر فيما يتعلق بالقطاع الخاص والقطاع غير الرسمي، اللذين تعمل بهما أغلبية قوة العمل المصرية. وقد أعلن المجلس الأعلى للأجور أنه سيجتمع هذا الشهر لتحديد الزيادات الخاصة بالقطاع الخاص، وهي خطوة جيدة، لكنها تواجه حقيقة عدم التنفيذ العملي. وقد شهد عام 2025 والشهور الأولى من العام الحالي العديد من الاحتجاجات والإضرابات العمالية، التي تطالب بتطبيق الحد الأدنى للأجر، بعضها في شركات قطاع الأعمال العام، المملوكة للدولة نفسها.
وبينما يتهرب القطاع الخاص من تنفيذ الحد الأدنى على العاملين فيه سواء بتجاهله تمامًا أو التلاعب في تطبيقه، باستخدام آلية الاستثناءات عبر المجلس الأعلى للأجور، وبدونها بفرض الأمر الواقع مع ضعف الرقابة، فإن أوضاع العاملين بالقطاع غير الرسمي تتدهور بشدة خارج المظلة القانونية الحالية بعيوبها.
كما أن إقرار الحد الأدنى كأجر شهري يصعب على هؤلاء المطالبة بأجور عادلة. ولذلك تطالب المبادرة المصرية بحساب الحد الأدنى للأجر بالساعة كما هو الحال في أغلب الدول. وفي هذه الحالة وبحساب 48 ساعة عمل أسبوعيًا، لا ينبغي أن يقل الحد الأدنى لأجر الساعة عن حوالي 40 جنيهًا في حالة الثمانية آلاف جنيه المقرة قانونًا، أو حوالي 50 جنيهًا في حالة الحد الأدنى المقوم بالتضخم.
وكانت دراسة للمبادرة المصرية في سبتمبر 2023 قد أكدت على ضرورة مد مظلة الحد الأدنى للأجر لجميع العاملين، مشيرة إلى عدم صدور قانون لتطبيق الحد الأدنى عبر البرلمان، مما يسهل التحايل على تطبيق القرارات الخاصة به، وعدم تنفيذها، وغياب آلية إلزام بتطبيق الحد الأدنى ومراجعته سنويا، وعدم وجود آلية للشكاوى في حالة عدم الالتزام بتطبيق قرارات الحد الأدنى للأجر، ولا حصانة للعاملين من الأعمال الانتقامية في حال مطالبتهم بتنفيذ ما يصدر من قرارات الحد الأدنى للأجور.
كما طالبت الدراسة بمراجعة قيمة الحد الأدنى للأجور من زاوية الأجر المعيشي الأدنى، ﻷنها تضع من يتحمل وحده عبء الإنفاق على أسرة -مكونة من 4 أفراد- ويحصل على الحد الأدنى للأجر، تحت خط الفقر، وهو ما يظهر في الزيادة المستمرة في نسبة العاملين الفقراء، خاصة مع ارتفاع معدلات الإعالة بالأسر المصرية عن أربعة في حالات كثيرة.



