في ميزان التمييز.. شروط الأكاديمية العسكرية لتعيين المعلمين والمعلمات

اقرأ التقرير كاملاً هنا

"قدمت والورق اتقبل واتحدد لي امتحان في شهر اتناشر (ديسمبر) في الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة. سافرت وامتحنت، والحمد لله النتيجة ظهرت ونجحت. وبعدين أسماءنا أعلنوا عنها في المديريات واتحدد لنا معاد تدريب تربوي وقالولنا هتستلموا العمل في التيرم التاني. وبعدين نزلنا تدريب تاني بعدها بشهر ونصف تدريب بدني. وطلع الكتاب الدوري واتقال فيه إن كلنا لازم ناخد دورة تدريبية في الأكاديمية العسكرية ست أشهر لأي حد هيتعين في الدولة. ونظرا لعددنا الكبير قالوا هتروحوا اختبارات وهتبقى روتينية وكله تمام، وده كان بيتقالنا حتى في الحربية. وبعدين روحنا سحبنا الملف في الحربية، واتحدد لنا معاد الكشف الطبي، وبعدين رسالة الامتحان الرياضي جات وجهزنا الملف والأصول وأوراق من السجل المدني زي القيد العائلي. رحت اليوم الرياضي 35 ضغط في دقيقة و35 بطن في دقيقة وجري 100 متر في 15 ثانية، وطبعا دي تمارين مرهقة جدا وغير مدربين عليها، غير اننا بنسافر من بالليل ونفضل واقفين في الشمس لحد ما ينظمونا، واحنا مش فاهمين كل ده ليه وايه لازمته في وظيفتنا كمعلمين. وبعدين مجاتش ليا رسالة الهيئة بدون أسباب وكانوا كل ما نستعلم يقول السيستم واقع وهيتبعتلكم. في الآخر عرفنا انهم مدخلوش أصحاب الوزن الزائد الهيئة وطبعا ناس كتير من زمايلنا قالوا طب ماتخسوا وايه اللي موصلكم للوزن ده غير إن في صحفي وطلع قال نفس الكلام في التليفزيون فاحنا كده منبوذين ولا كأن الوزن إعاقة مينفعش إنها تشتغل".

من مقابلة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع معلمة، 11 نوفمبر 2024.
 

مقدمة:

 أعلن وزير التربية والتعليم والتعليم الفني نهاية أكتوبر 2024 أن نقص المعلمين بلغ نحو 655 ألف معلم/ة، وهو نقص يؤثر على وضع التعليم ككل. لسد هذه الفجوة، أعلنت الدولة مسابقة لتعيين 150 ألف معلم على مدار خمس سنوات. لكن العملية لم تسر بسلاسة. ففي أول جولة من المسابقة عُقدت لتعيين 30 ألف معلم/ة، وبعد اجتيازهم جميع الاختبارات التي حددتها وزارة التربية والتعليم وأجريت في الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، أعلن عن "تدريبات" جديدة في الأكاديمية العسكرية تضمنت اختبارات رياضية وبدنية ومقابلة شخصية (كشف هيئة)، ما أدى إلى استبعاد آلاف الناجحين بسبب عدم لياقتهم البدنية أو الحمل أو عدم اجتياز كشف الهيئة الأخير. 

شابت هذه المسابقة العديد من المشاكل، منها أن إدراج الاختبارات في الأكاديمية العسكرية لم يكن معلنًا من بداية المسابقة. ولكن الأهم من ذلك، أنها غير دستورية وتخالف القانون، خاصةً وأن الاختبارات تقوم على أسس تمييزية تتعلق بالشكل الجسماني للمعلمين والمعلمات، وهو ما يخالف الدستور الذي ينص على عدم التمييز ويضمن المساواة، إضافة إلى أنها مخالفة للقوانين والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان. 

وفي ضوء ذلك، خاضت المعلمات والمعلمون معركة مستمرة حتى الآن ضد هذا الظلم والتمييز لجأوا فيها للسلطات التنفيذية والتشريعية والقضاء. فتظاهر عديدون منهم في العاصمة الإدارية الجديدة أمام وزارة التربية والتعليم في 15 أكتوبر 2023. ألقت قوات الأمن القبض على 14 منهم وإحالتهم للتحقيق أمام نيابة أمن الدولة العليا التي قضت بحبسهم حتى أفرج عنهم جميعا في فبراير 2024. 

 وبعد ذلك اتجهت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع عدد من المعلمات والمعلمين إلى القضاء الإداري، حيث أودعت المبادرة المصرية صحف الطعن نيابة عن 106 من المستبعدين، منهم 94 مستبعدة و12 مستبعدًا، وفصَّلت المبادرة المصرية في الطعون  المخالفات في تدريبات الأكاديمية العسكرية التي أدت لاستبعاد أحد عشر ألفًا وو951 (11,951) معلم/ة، وطالبت بإلغائها لعدم جدوها في مسار العملية التعليمية.

 خلال فترة التقاضي للدرجة الأولى، صدر تقرير مفوضي الدولة الذي جاء في صالح المعلمين والمعلمات وأوصى بتعيينهم في الوزارة؛ إلا أن المحكمة لم تأخذ برأي هيئة المفوضين ورفضت جميع الدعاوى في نوفمبر 2024. اكتفت المحكمة في حيثيات الرفض ببيان أنه "لا يجوز التعاقد إلا بعد اجتياز التدريبات التي يحددها وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، ووفقًا لنموذج العقد المرفق دون غيره"، دون التطرق إلى الشبهات الدستورية في تدريبات الأكاديمية العسكرية واستبعاد الحوامل وحديثات الإنجاب ومن يعانون من السمنة، ودون الرد على تلك الشبهات. 

استأنفت المبادرة المصرية على الحكم ، لكن المحكمة الإدارية العليا بدورها رفضت جميع الدعاوى مرة أخرى، مستندة إلى نفس أسباب الرفض التي اتخذتها محكمة أول درجة. 

علاوة على الشبهات الدستورية والقانونية في تدريبات الأكاديمية العسكرية -والتي يفصلها هذا التقرير- ومنها على سبيل المثال استبعاد المعلمات والمعلمين بسبب الوزن الزائد، تغض الدولة النظر عن أرقام السمنة في مصر؛ حيث توضح لنا الأرقام ارتفاع نسب السمنة بواقع 55.8% بين النساء و24.8% بين الذكور ، وذلك وفق بيانات الاتحاد العالمي للسمنة في 2022. 

لم يتوقف الأمر عند التقاضي، فقد تقدم بعض النواب بطلبات إحاطة في البرلمان لوزير التعليم السابق رضا حجازي، إلا أنه أشار فقط إلى أن الوزارة سوف تعطي فرصة أخرى لمن لم يجتازوا اختبارات الأكاديمية العسكرية، دون التطرق لعدم دستورية هذه الاختبارات وجدواها في العملية التعليمية من الأصل. 

 كما وجهت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في مايو 2025، خطابًا إلى المهندس حاتم نبيل، رئيس الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة عقب تعيينه، شرحت فيه أبعاد المشكلة في اختبارات الأكاديمية العسكرية، وناشدته  إنصاف المعلمين والمعلمات. غير أ أن حتى تاريخ نشر هذا التقرير لم تتلق المبادرة المصرية أي رد.

وقفت هذه الاختبارات بشروطها التمييزية أمام حل ناجع وضروري وعاجل لحل أزمة نقص المعلمين التي اعترف بها مرارًا عدد من مسؤولي الدولة. فعلى مدار عقود من نقص التمويل وغياب التدخلات الفعالة لحل الأزمات، تعقدت أزمة التعليم في مصر وتشابكت. ونجم عن نقص التمويل مشكلات عديدة أبرزها نقص عدد المدارس وضعف جودة التعليم؛ ما دفع بالأسر إلى اللجوء للدروس الخصوصية لتعويض غياب التعليم في المدارس، فبلغ إنفاق الأسر المصرية على الدروس الخصوصية نسبة 28.3% من إجمالي الإنفاق على التعليم، طبقًا لأحدث إحصائية نشرها الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في 2020. وكان لنقص التمويل أثر بالغ على أعداد المعلمين وضعف نسبتهم مقارنة بأعداد الطلاب، وهم العمود الفقري للعملية التعليمية.


يخلص هذا التقرير إلى عدة استنتاجات رئيسة:

 

  • لا تكتفي اختبارات الأكاديمية العسكرية بانتهاك المادة التي تحظر التمييز في الدستور المصري، وهو أمر خطير في حد ذاته؛ لكنها تتخطاها إلى انتهاك مجمل حقوق المواطنة، والتي أدرك المشرِّع الدستوري أهميتها فأكد على مبادئها المختلفة في عدد من المواد لتكمل بعضها البعض. بل لم يكتفِ المشرِّع بوضع ضمانات الحقوق فقط، مثل المساواة وعدم التمييز وتكافؤ الفرص وحق المواطنين في تولي الوظائف العامة وفقًا للاستحقاق بدون محاباة؛ لكنه ألزم مؤسسات الدولة بالعمل على تحقيقها، بما يعني اتخاذ خطوات إيجابية لتفعيلها، لا الانتقاص منها؛ خاصة أنها حقوق أساسية لصيقة بالإنسان لا تقبل التصرف، ولا يجوز للدولة انتهاكها.

  • لم تنصف مؤسسات الدولة المختلفة -التنفيذية والتشريعية والقضائية- المستبعدين والمستبعدات ضحايا التمييز متعدد الأوجه، بل لعبت دورًا في ترسيخ هذه الانتهاكات من خلال محاولة إضفاء بعد قانوني عليها، أو تعمد تجاهل استغاثات وطلبات المواطنين بمراجعة هذه الإجراءات. كما أن صدور هذه الأحكام القضائية ضدهم تعكس ضعف البُنى التحتية الداعمة للمساواة ومنع التمييز في مصر، رغم وجود نصوص دستورية تلزم الدولة بإنشاء ودعم تلك البنى التحتية. 

  • تنطوي هذه الاختبارات التمييزية وغير الضرورية على إهدار للمال العام من خلال السماح لأعداد كبيرة بأداء اختبارات الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، وعقب اجتيازهم هذه الاختبارات بنجاح، استُبعدوا لأسباب من غير المنتظر أن يطرأ عليها تعديل أو تغيير خلال مراحل الاختبار، كالحمل أو الإعاقة أو الوزن الزائد حتى مع ي امتلاكهم كل المهارات التي تتطلبها طبيعة العمل.

  •  كرست هذه الاختبارات "عسكرة الوظائف" والتعدي على مهام وأدوار جهات ومؤسسات حكومية أخرى؛ فأصبحت للأكاديمية العسكرية اليد الطولى في التعيين من عدمه، حتى في حال توفر كل الشروط المطلوبة، وبدون أي آليات لمراجعة قراراتها حتى داخليًا. فعلى سبيل المثال، تتعدى هذه العملية على دور المجالس الطبية التابعة لوزارة الصحة، وهي الجهة المنوط بها إجراء الكشف الطبي قبل التعيين، وفقًا لمعايير معلنة وواضحة ومتناسبة مع طبيعة جهة العمل والوظيفة المؤداة بينما أجرت الأكاديمية الاختبارات الطبية بدون الإفصاح عن القواعد التي وضعتها لاجتيازها.

اقرأ التقرير كاملاً هنا