موازنة 2026/2027: تسوية الدفاتر لا تكفي
تناقش اللجان المختصة في مجلس النواب حاليًا مشروع موازنة السنة المالية الجديدة، 2027/2026، الذي عرضه وزير المالية أمام البرلمان في 22 إبريل الماضي، تمهيدًا الخروج بخطة للسنة المالية التي تبدأ في يوليو المقبل.
وتأتي مناقشة الخطة المالية للدولة في وقت تتزايد فيه التحديات الإقليمية والعالمية التي تؤثر على مصر، فيما تستمر الحكومة في تطبيق سياستها التقشفية المتفق عليها مع صندوق النقد الدولي، فترفع أسعار الوقود والكهرباء والمواصلات، بينما يضغط عليها صعود أسعار الطاقة العالمية والتحذيرات من زيادة أسعار الغذاء، بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتأثيرها على حركة التجارة.
وبينما دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي الدول الأفريقية - في كلمته خلال قمة "أفريكا فوروارد" في شهر مايو 2026- إلى «كسر الحلقة المفرغة» لأزمة الديون السيادية خاصة في الدول التي "باتت تنفق على خدمة الدين أكثر مما تنفقه على الصحة والتعليم مجتمعين"، يُظهِر مشروع موازنة مصر للسنة المالية الجديدة أن نصيب فوائد الديون الحكومية من الناتج المحلي يفوق الإنفاق على كل من التعليم والصحة والأجور والدعم مجتمعين.
أما رئيسة صندوق النقد فقد أشادت خلال لقائها بالرئيس المصري على هامش هذه القمة بالأداء الاقتصادي لمصر، فيما تعتمد مصر على مدى عشر سنوات من البرامج الاقتصادية للصندوق، وبشكل متزايد على الاستدانة الداخلية والخارجية مصدرًا أساسيًّا لتوفير الموارد، الأمر الذي يؤثر بوضوح على تركيبة موازنة السنة المالية الجديدة، والتي تبتلع فيها الديون والتزامات سدادها وفوائدها ثلثي أوجه الإنفاق.
وبينما أثرت التوترات الإقليمية على سعر صرف الجنيه الذي تراجع من مستوى 47.7 جنيه للدولار في مطلع 2026 إلى 52 جنيه للدولار حاليًا، نتيجة خروج الأموال الساخنة من السوق المصري بتأثير الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتداعياتها، ورغم توقعات التقارير الدولية لزيادة معدلات ارتفاع الأسعار العالمية، تفترض الموازنة الجديدة معدل تضخم لا يزيد على 9.3% مقابل 18% في مشروع موازنة السنة المالية الموشكة على الانتهاء. ويثور التساؤل حول أسباب تفاؤل السياسة المالية في هذه الأوقات العصيبة، والتي لا تشير إطلاقًا إلى احتمال انخفاض معدل زيادة الأسعار بل على العكس، بدليل قيام البنك المركزي المصري مؤخرًا برفع الرقم المستهدف للتضخم إلى حدود 16-17% في عام 2026.
تكمن خطورة وضع تقدير غير واقعي للتضخم في أنه ينعكس على كل تقديرات الموازنة، وبالتالي فإن المبالغ المخصصة للدعم مثلا ستكون أقل قدرة على توفير قدر من الحماية الاجتماعية إذا زاد التضخم عن المستهدف. كذلك ستقل القيمة الحقيقية لمخصصات الأجور والتعليم والصحة (وهي غير كافية من الأصل).
ويخفي هذا الوضع المخاطر المالية التي تترتب على ارتفاع معدل زيادة أسعار المستهلكين، حيث يوضح نفس البيان المالي لمشروع موازنة السنة المالية الجديدة أن زيادة التضخم عن النسبة المقدرة في الموازنة ستؤدي إلى رفع سعر الفائدة، مما سيزيد من تكلفة الديون. ويضيف البيان أن "كل 1% زيادة في الفائدة ترفع مدفوعات فوائد الدين بنحو 120 مليار جنيه".
انعكس هذا التفاؤل أيضًا في الخفض الشديد لمخصصات دعم المواد البترولية بنسبة 79% في مشروع الموازنة، في الوقت الذي ترتفع فيه أسعار البترول العالمية. ويشير التخفيض الكبير للدعم إلى احتمالات زيادة أسعار المنتجات البترولية مرة أخرى خلال الشهور القادمة. ورفعت الحكومة أسعار الوقود والغاز والبوتاجاز في مارس الماضي بنسب تراوحت بين 14 و30 بالمئة، وبررت الحكومة هذا القرار بأزمة الطاقة الناجمة عن التوترات الإقليمية. وتؤدي هذه الزيادات بالضرورة إلى رفع معدلات التضخم في أسعار المستهلكين.
من جانب آخر ارتفع دعم الكهرباء بنسبة 39% في مشروع الموازنة -والذي يفترض أن يغطي الفرق بين تكلفة الإنتاج وسعر البيع "المدعوم"- رغم الزيادات المتكررة في أسعار بيع الكهرباء، وكان آخرها في شهر إبريل الماضي عندما رفعت الحكومة الأسعار للشرائح الأعلى استهلاكًا في المنازل بنسب تتراوح بين 16% و28%، للاستخدام التجاري بمتوسط 20%. ويعتبر مشروع الموازنة أن ارتفاع تكاليف إنتاج الكهرباء نتيجة للتغيرات الاقتصادية سبب في زيادة مخصصات الدعم.
وتخطط الحكومة في الموازنة لزيادة الدعم الموجه للسلع التموينية ودعم الأسر الأكثر احتياجًا عبر برامج الدعم النقدي "تكافل وكرامة". لكن قيمة هذا الدعم تظل هزيلة في مواجهة التضخم المتراكم خلال السنوات الماضية والمتوقع زيادته خلال العام الجاري (2026). ولا تقترب أنواع الدعم المقدمة -سواء كانت سلعية أم نقدية- من توفير نصف القيمة التي تكفي الاحتياجات الأساسية للأسرة وتبقيها فقط على خط الفقر، حيث لا تزيد قيمة الدعم بنوعيه لأسرة من أربعة أفراد عن ٣٥٠٠ جنيه شهريًا حسب البيانات الواردة في الموازنة.
وتلبية لاشتراطات صندوق النقد، وإعمالاً لقانون المالية العامة الموحد (قانون 6 لسنة 2022)، تضمَّن مشروع الموازنة الجديدة تفاصيلاً أكبر من الموازنة السابقة عليها حول الهيئات الاقتصادية وميزانياتها وعلاقتها بالميزانية العامة للدولة. أهم ما تضمنته تلك التفاصيل، عرضًا لقروض الهيئات المضمونة من الخزانة العامة، والتي بلغت قيمتها 5.2 تريليون جنيه تضاف إلى القروض الأساسية للحكومة والمحسوبة في الموازنة. ورغم التحسن في تقديم البيانات الخاصة بالهيئات وعلاقتها بالموازنة الحكومية؛ إلا أن الموازنة العامة للدولة مازالت غير موحدة، والمنهج الذي يتم على أساسه حساب العلاقة بين المالية وبين الهيئات مازال غير واضح بما يكفي لتحقيق الرقابة من جانب البرلمان والمواطنين، ولا بما يسمح بفهم دقيق يتيح وضع تصورات لمسارات بديلة ومقترحات لحل الأزمات.




