رجال المؤسسات الدينية على منصة المنتدى: تحولات المشاهد والمواقف

عمرو عزت

هل يمكن إدارة حوار حول مستقبل المؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية في مصر، تشارك فيه أوسع دائرة من المهتمين ويتركز النقاش فيه حول أسئلة الديمقراطية وحقوق الإنسان؟ كان ذلك هو أحد هموم "منتدى الدين والحريات" عند انطلاقته في 2012، ضمن الهم الأكبر، وهو خلق مساحة للنقاش المستمر حول القضايا الخاصة بالدين انطلاقًا من منظور ديمقراطي وحقوقي.

يضم إصدار المؤسسات الدينية والدولة حوارات "منتدى الدين والحريات"  ملخصًا للنقاشات التي خصصها المنتدى في الفترة ما بين 2012 و 2016 لمناقشة واقع المؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية وعلاقتها بالدولة من خلال أكثر من قضية، وأكثر من زاوية نظر.

مع انطلاقة الثورة في يناير 2011، كانت قضية "استقلال الأزهر" على أجندة التيارات الديمقراطية ومن القضايا المثارة إعلاميًّا، ولكن انحصر النقاش، أو تم اختزاله، في مطلب نزع سلطة رئيس الجمهورية في تعيين شيخ الأزهر وعودة "هيئة كبار العلماء" لتدير المشيخة وتنتخب الشيخ.
طرح المنتدى في ندوته الأولى السؤال الأكثر جوهرية وجذرية: "لماذا يظل الأزهر جزءًا من الدولة؟". كان ذلك بعد إصدار "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية" ورقة موقف تعليقًا على تعديلات قانون الأزهر، التي لبت المطلب المحدود بجعل سلطة اختيار شيخ الأزهر القادم من قِبَل هيئة كبار العلماء، وأعطت لشيخ الأزهر الحالي سلطة اختيار وتعيين أول تشكيل لهيئة كبار العلماء، وأكدت على الدور المرجعي لمؤسسة الأزهر فيما يخص علوم الإسلام.
انتقدت ورقة الموقف هذه التلبية الشكلية لمطلب الاستقلال، التي تغلق الباب فعليًّا أمام أي تغيير في واقع وبِنية المؤسسة، بما يفتح الباب أمام التنوع وحرية البحث أو في علاقتها بالدولة وتورطها في الدور المرجعي، ومن ثم التورط السياسي في دعم شرعية أنظمة الحكم، وهو ما يعود ويؤثر على الدور التعليمي والدعوي المتراجع للأزهر.

لمناقشة هذه الانتقادات دعت المبادرة طيفًا متنوعًا للمناقشة، فشهدت منصة المتحدثين وجود د. محمد مهنا، مستشار شيخ الأزهر وأحد مشايخ الصوفية في مصر، والذي سيكون لاحقًا ممثلًا للأزهر في لجنة الخمسين التي صاغت دستور 2014، ود. محمد مختار جمعة، الذي كان وقتها عضو المكتب الفني لشيخ الأزهر ولاحقًا سيكون وزيرًا للأوقاف، مع د. عبد الله بركات، عميد كلية الدراسات العربية والإسلامية بجامعة الأزهر ومؤسس ائتلاف "أبناء الأزهر الشريف"، المحسوب على التيار السلفي والذي يقضي حاليًّا عقوبة السجن في إحدى القضايا، بسبب اشتراكه في فعاليات مؤيدة للرئيس الأسبق محمد مرسي بعد إسقاطه في يوليو 2013، وإبراهيم الهضيبي، الباحث آنذاك في مركز "بيت الحكمة"، وكنت ممثلًا للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية.

شهد الترتيب لهذا النقاش توترًا، بسبب رفض شخصية أزهرية بارزة الجلوسَ على منصة واحدة مع شيخ سلفي يرتدي عمامة الأزهر، وبعد اعتذارها رشحت مشيخة الأزهر ممثلين آخرين لها، ولكن ذلك التوتر الدال، استمر أثناء النقاش نفسه، ليفصح عن الهواجس الخاصة بنخبة الأزهر ومخاوفها من التغيير الذي سيفتح الباب أمام تنوعات لا يراد لها أن تبرز، وأهمها وجود شخصيات من تيار الإخوان المسلمين والتيار السلفي، داخل مؤسسة الأزهر وهيئاتها التعليمية في الجامعة والمعاهد، وفي هيئتها البحثية الممثلة في مجمع البحوث الإسلامية. وحتى تشكيل هيئة كبار العلماء، الذي تم بواسطة لجنة اختارها وكلفها شيخ الأزهر الحالي، لم تستطع تجاهل هذه التنوعات في ظل انفتاح المجال العام منذ انطلاق الثورة، فضم تشكيلها د. يوسف القرضاوي، المرجع الفكري لتيار الإخوان المسلمين، كما ضم د. المختار المهدي، رئيس "الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة" المقرب من السلفيين، وتنشط تجمعات سلفية وإخوانية من خلال فروع الجمعية نظرًا إلى نمط إدارتها اللامركزي.

منصة المتحدثين في الندوة ضمت أطيافًا من هذا التنوع الذي تحجبه الدعاية الرسمية، وهي الدعاية التي ترسم صورة ثابتة لـ"وسطية الأزهر" على النحو الذي يبرر "المرجعية الحصرية" له، وأيضًا تبرر الهيمنة المركزية للدولة _قانونيًّا أو بسيطرة أمنية_على الحياة الدينية للمسلمين في مصر باعتبارهم "جماعة واحدة" لا تنوعات فيها.

وأمام هذا التنوع تفرَّع النقاش إلى "هوية الأزهر" التي تتمثل في اتباع المذاهب الفقهية التراثية والسلوك الصوفي السني، بما يغلق الباب أمام الطيف السلفي، وأيضًا إلى جدل حول قيام شيخ الأزهر بصياغة أول تشكيل لهيئة كبار العلماء يهيمن عليه التيار، الذي طالما هيمن على المناصب الدينية في مصر قبل الثورة بما يُغلق الباب أمام التنوعات الأخرى التي حُرِمت من هذه المناصب بسبب معارضتها للنظام الحاكم، وأيضًا، يغلق الباب أمام أي حضور إخواني يغلب على هيئات الأزهر بسبب القدرة الحركية لتنظيم الإخوان وكوادره الموجودة بالفعل داخل الأزهر.

التشبث بالهوية خوفًا من التغيير، كان أحدَ المشاهد التي شهدها النقاش أمام هواجس أخرى لدى قطاع أوسع من الحضور، الذين يفكرون في مصير حقوقهم وحرياتهم في ظل مرجعية الأزهر القانونية، وتأثيره على السياسة والاجتماع، ويعبرون عن رغبتهم في التحرر منها وفي مساءلتها ونقدها، ويفكرون أيضًا في خطورة المركزية القانونية للأزهر والهيئات الدينية الرسمية في ظل انفتاح المجال العام، وإمكانية انتقال هذه المركزية إلى يد التيارات الإسلامية السياسية في ظل الحضور الكبير لها، والذي أصبح لا يمكن إنكاره.

وبالفعل، تجسدت هذه المخاوف عندما تبدل المشهد، ولكن هذه المرة داخل وزارة الأوقاف، فكانت منصة المتحدثين في مارس 2013 تضم أحد كوادر الإخوان المسلمين وهو الشيخ سلامة عبد القوي، متحدثًا رسميًّا لوزارة الأوقاف، التي لا زال لها الحق قانونيًّا في إدارة كل المساجد في مصر والإشراف على أنشطتها الدينية وتعيين وتكليف الأئمة والخطباء ومدرسي علوم الدين، وأصبحت هذه الوزارة جزءًا من الحكومة التي شكلها الإخوان المسلمين، وبجانبه الشيخ خلف مسعود ممثلًا لتجمع من الأئمة الأزهريين المعارضين لسياسات حكومة الإخوان وبداية هيمنتها على النشاط الدعوي في المساجد.

دافع عضو الإخوان المسلمين عن السياسات الدينية القديمة وسلطة وزارة الأوقاف المركزية، ولكنه دعا إلى تغيير النخبة التي كانت تدير الهيئات الدينية والمرتبطة بالنظام الحاكم قبل يناير 2011، ولم يبدِ أيَّ استجابة لأطروحات تحرير المجال الديني من هذه المركزية.

تبدل المشهد مرة أخرى، وعادت وزارة الأوقاف بعد يوليو 2013 معادية للإخوان المسلمين وحلفائهم، وتم طرد ووقف العديد من قيادات الوزارة والأئمة الموالين للإخوان، ومنهم الشيخ سلامة عبد القوي، الذي يقيم حاليًّا خارج البلاد ويهاجم النظام الحاكم والمؤسسات الدينية الرسمية في الفضائيات المقربة من الإخوان المسلمين، وبدلًا منه جلس على منصة المتحدثين في المنتدى في إبريل 2014 الشيخ محمد عبد الرازق، وكيل وزارة الأوقاف، ليدافع هو أيضًا عن السياسات المركزية للوزارة وتشديد القبضة على المجال الديني، وتضييق هامش الحرية للجمعيات الدينية المختلفة لكي لا يتم السماح لأي تنوعات دينية بالحركة والدعوة.

"انتخاب المفتي" كان مشهدًا آخر، فلأول مرة جرى انتخاب مفتٍ جديد للجمهورية، من قبل أعضاء هيئة كبار العلماء في الأزهر أثناء فترة إدارة الإخوان، وفقًا لتعديلات قانون الأزهر، وثار القلق حول هوية المفتي الجديد وتوجهاته وإن كان بعض أعضاء هيئة كبار العلماء الذين أبدوا _وقتها_ ترحيبًا بحكومة الإخوان قد يميلون إلى مفتٍ مقرب منهم، فاستضاف المنتدى في فبراير 2013 د. عمرو الورداني، مدير التدريب في دار الإفتاء لمناقشة هذه المخاوف والهواجس وأيضًا لمناقشة الأسئلة الأكثر جذرية عن علاقة دار الإفتاء بالدولة وخطابها السياسي أو المشتبك مع السياسة.

هذا التبدل في المشاهد الذي شهدته منصة المتحدثين في "منتدى الدين والحريات" كان درسًا عمليًّا في خطورة السياسات الدينية المركزية وانتمائها إلى سياسات شمولية غير ديمقراطية.

وفي مقابل هذه السياسة المركزية غير الديمقراطية، دارت النقاشات في المنتدى تحاول البحث عن سياسات أخرى ديمقراطية، ومبنية على احترام حرية الدين والمعتقد، لكل التنوعات الدينية، بما فيها الأغلبية المسلمة، التي أصبحت شئونها الدينية في يد التقلبات السياسية وصراعات النخب الدينية على كراسي الهيئات الدينية.

كان ذلك بالتوازي مع طرح "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية" لزاوية أخرى لتحليل السياسات الدينية ومشكلاتها البنيوية، والتي يأتي على رأسها افتراض "الوحدة الدينية للمسلمين"، الذي يبرر السياسات المركزية، وكيف ينتمي هذا الافتراض إلى سياسات دولة الخلافة والدول الوارثة لها وليس لسياسات دولة ديمقراطية حديثة، كما أنه يعد أحد ركائز أفكار التيارات السياسية الإسلامية التي تسعى إلى استعادة هذه الوحدة في شكلها السياسي. وثاني هذه الافتراضات/المعضلات هو افتراض "الدولة الإمام" الذي بموجبه تتولى الدولة إدارة الشئون الدينية للمسلمين باعتبارهم جماعة موحدة ذات ميل ديني موحد، وهو ما يتجاهل التنوعات الدينية وينتهك الحرية الدينية لعموم المسلمين، وتتولى أجهزة رسمية وفقًا لهذا الافتراض: "مراقبة حدود النشاط الديني الإسلامي"، لكي تخضعه لميل واحد تصفه بالوسطية وتحارب ما تعتبره: "متطرفا" أو "منفلتًا متحررًا"، وتسعى في ذلك إلى دعم شرعيتها السياسية وتفادي أي صراعات وجدالات دينية تنتج عن الاعتراف بالتنوع والتعدد، وفي المقابل تسعى السلطة إلى السيطرة على التنوعات الدينية والسماح لبعضها بالحرية النسبية بناءً على الولاء السياسي ووفق سياسات أمنية واضحة، كما يحدث حاليًّا مع قطاعٍ من التيار السلفي الموالي للنظام الحاكم.

النقاش حول السياسات الدينية الموروثة كان حاضرًا في ندوة: "من يختار البابا والإمام"، في مارس 2014 التي ظهر فيها واضحًا أن القوانين واللوائح التي تنظم اختيار القيادات الدينية، هي في مجملها سياسات تاريخية مستمرة بدون تغيير جذري يناسب التحول إلى جمهورية حديثة، تضمن حرية الاعتقاد وحرية التجمع والتنظيم على أساس الدين، والحق في تشكيل "جماعات دينية"، وطوائف ينتمي إليها أبناؤها طوعًا ويشاركون في إدارة شئونها، وينحصر دور الدولة، والحال كذلك، في مواجهة أشكال التحريض على العنف والتمييز، بما يضمن أن تمارَس الحرية الدينية في إطار الديمقراطية لا في مواجهتها أو كتقويض لها.

وفي نفس السياق، في سبتمبر 2014 ناقش المنتدى أحدث التطورات الخاصة بالمؤسسة الدينية المسيحية الأبرز، وهي الكنيسة الأرثوذكسية التي شهدت تعديل لائحة انتخاب البابا وسط جدل كبير في الأوساط المسيحية، حول نفوذ رجال الدين في مقابل المسيحيين من غير رجال الدين في اختيار البابا. وذهب النقاش إلى ما هو أبعد ليناقش إدارة شئون المسيحيين في المجمل، ولماذا تظل أحوالهم الشخصية مثلًا رهنًا لآراء قيادات الكنيسة في الطلاق والزواج الثاني، وهي الأزمة المستمرة بين بعض المسيحيين والكنيسة حتى الآن.

في هذا النقاش بدا واضحًا التفاوت بين دور المؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية، فبينما كان النقاش يتركز فيما يخص المؤسسات الدينية الإسلامية حول ضرورة ابتعاد الدولة عن إدارة الشئون الدينية للمسلمين، فإن الكثيرين في حالة المؤسسات الدينية المسيحية أشاروا إلى ضرورة تدخل الدولة لسن تشريعات وإقرار سياسات تُحرِّر المسيحيين غير الراغبين في اتباع آراء قيادة الكنيسة، وتمنحهم حقوقهم وحرياتهم بوصفهم مواطنين لا بوصفهم مسيحيين. ورغم ما يبدو من تقابل، فإن تحرر المسلمين من هيمنة الدولة وإدارتها لشئونهم الدينية وتحرر المسيحيين من هيمنة الكنيسة، هو في الحقيقة التقاء في نقطة مشتركة مفترضة لا تزال بعيدة عن السياسات الدينية في مصر، وهي أن ينتمي المواطنون إلى مؤسسات دينية يختارونها طوعًا، ولا تكون مرجعيات بقوة القانون، وتكون حريتهم في اختيارها أو الخروج منها مصونة بالحق الدستوري في حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الذي تتيحه الدولة في مساواة، وأن تتوقف الدولة عن طلب الشرعية السياسية في دعم مؤسسات دينية يتم إكراه المواطنين من مسلمين ومسيحيين على التبعية لها، فضلًا عن إنكار التنوع الديني الأوسع، الذي يعاني من آراء قيادات هذه المؤسسات التي تدعم سياسات الدولة في إنكاره، بل والتحريض ضده.

التنوع الديني الأوسع كان ممثَلًا وحاضرًا في نقاشات المنتدى وعبر عن انتقاداته ومخاوفه ومطالبه التي لا تزال معلقة. عبرت أصوات رموز هذا التنوع _من مسلمين شيعة ومواطنين غير مؤمنين أو أعضاء في مجموعات دينية ترفض الدولة "الاعتراف" بوجودها_ عن زاوية نظرها في وضع المؤسسات الدينية والسياسات الدينية الرسمية، التي تراوحت بين دعم السياسات الدينية المركزية أحيانًا خوفًا من الإخوان والتيارات الإسلامية، وبين التجاوب مع زاوية النظر الناقدة لهذه السياسات بعد أن تم إسقاط رئاسة وحكومة الإخوان وبقيت السياسات الدينية القديمة على حالها عائقًا أمام حريتهم الدينية.

هذا التحول في المشاهد والمواقف الذي شهدته نقاشات "منتدى الدين والحريات" على مدى خمسة أعوام هو رصيد ثري لحركة المطالبة بحرية الدين والمعتقد في مصر وللحركة المطالبة بالديمقراطية بشكل عام، ورصيد لكل المهتمين بالسؤال الذي بدأ به المنتدى، وهو إمكان إدارة نقاش عام حول الدين ومؤسساته ومواقعهم من منظور أولوية الحريات والحقوق، وهو النقاش الذي فتحت ثورة يناير الباب لطرحه ومحاولة الإجابة عليه عبر ترتيبات دستورية وقانونية وسياسات عامة، وفشلت محاولات الإجابة عليه من قبل الفئات الحاكمة، سواء التي تنتمي إلى التيار الإسلامي أو تلك القديمة/ الجديدة، الحاكمة حاليًّا. استمرار أزمات المؤسسات الدينية وأزمة المجال الديني بشكل عام، والحال كذلك، يشير إلى أن التساؤل لا يزال مطروحًا وأن هذا الباب لم يتم إغلاقه.

هذه التدوينة هي مقدمة إصدار‎  "المؤسسات الدينية والدولة: حوارات منتدى الدين والحريات 2012-2016"‎

من أموالنا سُلِّط علينا:المؤسسات الدينية والدولة 2012-2016

Caption: 
من أموالنا سُلِّط علينا:المؤسسات الدينية والدولة 2012-2016