هل تخرج مصر من بحر الرمال؟.. تقرير عن الدين الخارجي
تصدر المبادرة المصرية للحقوق الشخصية تقريرها عن وضع الدين الخارجي لمصر، في ضوء تصريحات رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي ومقاله المنشور الذي حاول فيه نفي مسؤولية حكومته وسياساتها عن أزمة الديون التي تعصف بالموازنة العامة وقدرتها على تغطية الحقوق الأساسية للمصريين.
التقرير الصادر بعنوان "هل تخرج مصر من بحر الرمال؟" يراجع السياسات التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة منذ سنة 2016 والتي أدت لتعاظم الديون الخارجية، وكذلك السياسات التي تطرحها الحكومة للخروج من مأزق الديون بعد أن اعترفت به أخيرا كمأزق. وفي هذا الإطار يحلل التقرير توجهات الحكومة لبيع الأصول ومبادلة الديون بالاستثمارات والتي ينظر إليها مجلس الوزراء - كما يظهر في مقال رئيسه- باعتبارها مخرجًا من أزمة تعاظم الدين الخارجي. إذ تتزاحم في نشرات الأخبار أسماء المناطق الشاطئية المؤهلة للبيع، جنبًا إلى جنب مع الشركات والبنوك التي تستهدف الدولة خصخصتها، كي تجمع الأموال اللازمة لسد المديونيات، وتستوفي شروط المؤسسات المُقرضة للحصول على المزيد من القروض بعد أن باتت القروض ضرورية للوفاء بأقساط الديون السابقة المستحقة على مصر بالعملة الصعبة. ووصلت نسبة الديون الخارجية إلى 44.2% من الناتج المحلي الإجمالي المصري في يونيو 2025، مقابل نسبة لا تتجاوز 15% سنة 2015، العام السابق مباشرة على التوسع غير المسبوق في سياسة الاستدانة الخارجية.
أدخلت هذه السياسة مصر في حلقة مفرغة من الاستدانة تشتري بها الوقت بدلا من حل الأزمات التي يعانيها الاقتصاد، الأمر الذي تسبب في تضخم الميزانية المخصصة لسداد التزامات هذا الدين، بشكل يزاحم المتطلبات الأساسية للإنفاق على تنمية الاقتصاد وتحسين مستوى معيشة السكان، والتي تتقلص ميزانيتها سنة بعد سنة.
وفي خطوة غير معتادة،نشرت رئاسة مجلس الوزراء على حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي مقال رئيس الوزراء الذي يقول فيه إن قضية الدين العام وأعباء خدمته تطرحان "سؤالًا مشروعًا لدى المواطنين عن القدرة على الاستمرار"، ملقيًا باللائمة في تفاقم الدين على الأزمات الخارجية. كما تعهد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في منتصف ديسمبر 2025 بخفض نسبة الدين الخارجي من الناتج المحلي إلى 40%، وهو مستوى قريب مما كان عليه الدين في يونيو 2023.
إلا أن تتبع مسار الديون في العقد الماضي يشير إلى تطور مختلف عما طرحه رئيس الوزراء، فالتوسع في الاستدانة الخارجية لم يكن مرتبطًا في الأساس بالأزمات العالمية لأنه بدأ قبلها بسنوات، وخصوصًا منذ عام 2016، وارتبط فعليًا بتمويل مشروعات غير إنتاجية ولا تحظى بأي أولوية تنموية. بعضه جاء في شكل اقتراض من هيئات عامة تابعة للدولة لتنفيذ بعض من تلك المشروعات، بينما كان الجزء الآخر مدفوعًا بسداد التزامات الديون المتزايدة التي تفاقم عبئها مع تخفيض قيمة الجنيه المصري أكثر من مرة، والذي كان بدوره جزءًا من شروط المؤسسات الدولية للحصول على القروض. كما لعب الاقتراض عن طريق جذب الأموال الساخنة دورًا مهمًا في تأزم وضع الديون.
يستعرض تقرير المبادرة ملامح الدين الخارجي لمصر حسب أحدث البيانات المتاحة، وكيف يبدد الدين أثر التحسن في أداء بعض القطاعات الاقتصادية خلال الفترة الأخيرة، خاصة مع ارتفاع تكلفة الأقساط والفوائد، ووصول الديون الواجبة السداد خلال أقل من عام إلى 112% من احتياطي النقد الأجنبي. كما يستعرض المخاطر التي يمثلها على الاقتصاد وعلى مسار التنمية الذي تحتاجه مصر، ودور صندوق النقد الدولي والمؤسسات المانحة في مفاقمة الدين. ثم يقدم توصيات حول السبل المتاحة للخروج من هذا المأزق.
من بين هذه التوصيات لمعالجة أزمة الدين الخارجي خطة واضحة لتقليص الاعتماد على الاقتراض كمورد أساسي للدولة. ليس فقط بوضع سقف للاقتراض، ولكن بشكل أكبر توجه جاد لتشجيع القطاعات الإنتاجية والخدمية الموَلِّدة للدخل والقيمة المضافة، والعمل على إعادة هيكلة السياسات الضريبية لتصبح أكثر عدالة وكفاءة لتوفر موردًا مستدامًا. ووضع ملف الديون الخارجية تحت إشراف البرلمان، بحيث لا تُضاف ديون خارجية بدون موافقة البرلمان، أيًّا كانت الجهة المقترضة. على أن تقدم إليه خطة للسداد وخطة لاستخدام الأموال. وأن يكون للبرلمان دور في تحديد أولويات إنفاق الأموال المقتَرَضة، بدلًا من الوضع الحالي الذي تتولى فيه الحكومة وحدها هذا الملف بدون رقابة شعبية، مع كونها المتسببة في تفاقم أزمة الديون. ويوصي التقرير بوضع خطة خمسية معلنة مسبقًا للمشروعات المراد تمويلها بالاقتراض الخارجي، وخطة موازية لتنمية الموارد الدولارية التي تتيح السداد، يقرهما البرلمان في تشريع، وتحاسب الحكومة على درجة التزامها بهما.
ويدعو التقرير أيضًا إلى ضرورة جدولة الديون، ومد متوسط آجال سدادها المنخفضة بشدة حاليًا، والعودة إلى نسبة 90% ديون طويلة الأجل، تسدد على أكثر من خمس سنوات، ونشر شروط القروض وشروط سدادها.




