في جلسة واحدة: الاستئناف تؤيد سجن طفلين 10 سنوات بدعوى "استعدادهما" لارتكاب جرائم إرهابية

بيان صحفي

5 فبراير 2026

تدين المبادرة المصرية للحقوق الشخصية حكم محكمة جنايات الطفل المستأنفة ببنها الصادر يوم السبت 31 يناير الماضي، بتأييد معاقبة طفلين بالسجن لمدة عشر سنوات لأنهما "استعدا" لارتكاب جرائم إرهابية، وذلك على خلفية نشاطهما الرقمي المزعوم. جاء هذا الحكم القاسي مخالفاً للقانون المصري، بعد جلسة وحيدة غابت عنها كافة ضمانات المحاكمة العادلة، ودون الاستماع المحكمة لأقوال الطفلين فضلًا عن تجاهل كافة دفوع المحامين وطلباتهم، وبالمخالفة لنص القانون.

كان حكم أول درجة قد صدر في ديسمبر 2025، بعد محاكمة سريعة استمرت لجلستين فقط، لم تسمح المحكمة خلالهما للدفاع بالحصول على نسخة من أوراق القضية، كما لم  تلتفت المحكمة وقتئذ لأي من  طلبات الدفاع أو تستمع لأقوال الطفلين، مكتفية بمرافعة ممثل الادعاء (وكيل نيابة أمن الدولة العليا) التي تضمنت إشارات لاعترافات منسوبة لكلا الطفلين غير مثبتة بالأوراق التي اطلع عليها الدفاع، ولم ترد بمحاضر التحقيقات التي أتيحت لهم قراءتها.

خالفت نيابة أمن الدولة العليا نص المادة الأولى من قانون مكافحة الإرهاب رقم 94 لسنة 2015 الذي يُعرف الجماعة الإرهابية على أنها جماعة مؤلفة من ثلاثة أشخاص على الأقل، وأحالت الطفلين  الاثنين  وحدهما للمحاكمة بعدما اتهمت الأول بـ"تأسيس وتولى جماعة إرهابية تعتنق أفكار داعش الإرهابية" واتهمت الطفل الثاني بالانضمام إليها، إلى جانب اتهمتهما بتمويل هذه الجماعة، والاشتراك في اتفاق جنائي لارتكاب جريمة لم تقع. ورغم أن محكمة الطفل أشارت لنص المادة المذكورة في حيثيات حكمها على الطفلين، إلا أنها تبنت هذا الخطأ الفادح بدلًا من إصلاحه عندما أدانت الطفلين بارتكاب جرائم لم تتحقق فيها الشروط التي ينص عليها القانون.

اطلعت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية على حيثيات حكم أول درجة والتي قالت فيه المحكمة إن حكمها في الواقعة المذكورة في أوراق القضية صدر بعدما " اطمأن إليها ضميرها وارتاح لها وجدانها مستخلصة من أوراق الدعوى وما تم فيها من تحقيقات وما دار بشأنها بجلسات المحاكمة إلى ثبوت الاتهام .. بما اطمأنت إليه من شاهد ضابط الواقعة". وذلك في الوقت الذي شهدت فيه القضية منذ ظهورها وحتى تأييد محكمة الاستئناف للحكم قائمة من المغالطات والمخالفات القانونية. فعلى سبيل المثال، ألقي القبض على محمد عماد -موكل المبادرة المصرية-  قبل خمسة أيام كاملة من تحرير ضابط الأمن الوطني لمحضر تحرياته الذي اعتمد فيه بالكامل على "مصادره السرية" التي لم يفصح عنها للقضاة. وعلاوة على ذلك، لم تلتفت المحكمة إلى وجود عماد في حوزة الداخلية لعدة أيام قبل صدور قرار النيابة بالتحفظ عليه بموجب قانون مكافحة الإرهاب، إلى جانب التحقيق معه بعد فوات المواعيد القانونية، ما يقطع  ببطلان هذه التحقيقات وما تلاها من إجراءات لمخالفة مواعيد التحفظ على الطفل المنصوص عليها بالمادة 40 من القانون 94 لسنة 2015 بشأن مكافحة الإرهاب. 

وفقًا لأوراق القضية التي اطلع عليها محامو المبادرة، أشار ضابط الأمن الوطني في محضر التحريات أن الطفلين "توقف مخططهما الإجرامي عند طور الاستعداد"، الأمر الذي يوحي بأن الجريمة المُشار إليها لم تقع من الأصل. وإلى جانب ذلك، أوضحت الأوراق أن النيابة بدأت تحقيقاتها مع عماد بسؤاله عن "تفاصيل إقراره" اعتمادًا على أن الضابط الذي ألقى القبض عليه أفاد بأن عماد أقر له بالجريمة دون الالتفات لشبهة إكراه مادي ومعنوي صريح. كما أشارت النيابة في محضر التحقيق لتعذر فحصها للهواتف المضبوطة، واكتفت بالاعتماد على الصور الضوئية لمحادثات منسوبة للطفلين المتهمين والتي قدمها الأمن الوطني باعتبارها دليل إدانة. ولم تُرسل النيابة الهواتف إلى قسم المساعدات الفنية بوزارة الداخلية لفحصها للتأكد من وقوع أي جريمة من الأساس في مخالفة واضحة لقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، رقم 175 لسنة 2018، ولائحته التنفيذية.

ومثلما فعلت محكمة أول درجة، رفضت محكمة الاستئناف طلب الدفاع تأجيل المحاكمة لحين التصريح بالحصول على نسخة من أوراق القضية، وقررت المحكمة الاستماع لمرافعة النيابة، ومرافعة الدفاع وإصدار حكمها في الجلسة نفسها، دون الالتفات لأي من دفوع المحامين وطلباتهم  والتي كان من أبرزها سماع شهود الإثبات ومناقشتهم. وتجاهلت المحكمة دفع المحامين بعدم ضبط أي  تكليفات بارتكاب جرائم  كما زعم مُجري التحريات.

وترى المبادرة المصرية أن اطمئنان المحكمة لسجن طفلين لمدة عشر سنوات بما سيغير مسار حياتهما كليًا بعد تعرضهما لقائمة طويلة من الانتهاكات ودون دليل قاطع يفتح الباب مجددًا لأسئلة مشروع حول أوضاع ومستقبل الأطفال الداخلين في نزاع مع القانون خاصة أولئك الذين ما زالوا يواجهون اتهامات بـ "الإرهاب" رغم إعلان رئيس الجمهورية القضاء عليه منذ مطلع عام 2023. وهنا تجدر الإشارة إلى موقف المقرر الخاص بالأمم المتحدة المعني بمكافحة الإرهاب وحقوق الإنسان، الذي أوصى "بمعاملة الأطفال في المقام الأول باعتبارهم ضحايا في سياق مكافحة الإرهاب، وضرورة استبعادهم  صراحة من تشريعات مكافحة الإرهاب".

وتعتزم المبادرة المصرية للحقوق الشخصية الطعن أمام محكمة النقض سعيًا لتتصدى للقضية باعتبارها محكمة موضوع، لتفصل في الاتهامات بوصفها فعليًا أول هيئة محكمة ستنظر بجدية في القضية بعد صدور حكم محكمة أول درجة وحكم الاستئناف بسرعة مذهلة دون إتاحة الحد الأدنى من ضمانات المحاكمة العادلة لأي من الطفلين. وتأمل المبادرة المصرية أن تقضي محكمة النقض برفض هذا الحكم الذي يشوبه عوار قانوني لا يمكن التغاضي عنه إلى جانب قائمة  من المخالفات الإجرائية، وأن تقضي ببراءة الطفلين، إعلاءً لمصلحتهما الفضلى، واحترامًا لنصوص القانون المصري والمعاهدات الدولية الملزمة.