فجوة التشريعات الصحية

علاء غنام

تعد التشريعات الصحية أحد مدخلات الإصلاح الصحى الأساسية والتى تعكس إمكانية تنفيذ التوجهات الاستراتيجية الصحية (مادة 18 فى الدستور) وتحويل تلك السياسات إلى خطط قابلة للتطبيق على أرض الواقع وضمان الوصول للأهداف النهائية والكلية للنظام.
ولنظامنا الصحى تاريخ طويل من التشريع الصحى يمتد منذ بدايات عصر محمد على وما بعده ففى كتاب صادر فى عام 1934 عن الإدارة الصحية فى مصر للطبيب محمد أحمد كمال، وقبيل تأسيس وزارة الصحة مباشرة فى عام 1936 رصد طريف ومهم للقرارات واللوائح التى سعت الدولة الوليدة وقتها من خلالها إلى تنظيم جميع نظم الصحة العامة وإجراءات الوقاية من الأوبئة والأمراض المنتشرة فى حينه.

وعبر عقود من التاريخ فى نظامنا الصحى مر بمراحل مختلفة لم يتم عبرها تأريخه تفصيليا فى جميع أنشطته بشمول رغم محاولات بعض الباحثين والمستشرقين فى هذا المجال المهم والتى تمت فى محاور جزئية، لذا ظلت الأدوات التشريعية الصحية محلا للاهتمام حتى وقتنا الحالى فى إطار ضرورة تحديثها الدائم خاصة لدورة مجلس النواب القادمة.

فى هذا السياق واتساقا مع خبرات عملية سابقة لعملية إصلاح المنظومة الصحية نظرا لكونها عملية مركبة وذات طبيعة طويلة الأمد فى مدخلاتها التى تشمل أسلوب التمويل (عبر قانون التأمين الصحى الجديد) الذى توشك الحكومة على تقديمه إلى مجلس النواب فى دورته القادمة). وطرق وأساليب حوكمة المنظومة توافقا مع هذا القانون واستكمالا له إلى جانب سلوك مقدمى الخدمة داخله (للفريق الصحى من أطباء بشريين وأسنان وصيادلة وتمريض ومساعدين لهم وخلافه) وحقوق متلقى هذه الخدمات من المرضى والأصحاء وكبار السن، يستلزم النظر إلى التشريعات القانونية المنظمة لكل ما سبق وفحص هذه التشريعات الصحية والتعرف على أوجه القصور بها والفجوة القائمة التى تحتاج إلى إجراءات وتعديلات بها أو إضافة تشريعات جديدة مكملة تساعد على فاعلية تنفيذ القانون الأساسى للمنظومة الخاص بإعادة هيكلتها وتمويلها (قانون التأمين الصحى).

***

ورصدنا السابق استلزم جهدا طويلا ولدينا بالفعل غابة من التشريعات القانونية واللوائح والقرارات الوزارية المختلفة التى مر على بعضها قرابة أكثر من نصف قرن وبعضها بالفحص يظهر بعض التضارب أو عدم الملاءمة للوضع المستقبلى المطلوب لإصلاح المنظومة، وعلى سبيل المثال:

نرصد الحاجة إلى تشريعات تحمى متلقى الخدمات الطبية فى مواجهة المؤسسات الطبية الخاصة والعامة التى يتعامل معها أو فى علاقة الأطباء بشكل خاص بالمرضى فيما يتعلق بالأخطاء المهنية والإهمال، وفى نفس اﻻتجاه رصدنا فى العشرين عاما الماضية تغييرا كبيرا على سبيل المثال فى وضعية التجارب السريرية الإكلينيكية للعقاقير الجديدة التى تتم تحت رعاية الشركات المنتجة للأدوية متعددة الجنسيات، وقد زادت هذه التجارب بشدة خاصة فى الدول المنخفضة والمتوسطة الدخل وهذه الزيادة فى تلك البلاد ترفع من فرصة الإخلال بالمعايير الأخلاقية التى يجب مراعاتها أثناء إجراء التجارب، كما أن هناك عدة أسباب جعلت مصر من أكثر الأماكن مناسبة لإجراء تلك التجارب فى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ما يحتم اﻻنتهاء من قانون عاجل مصرى لتنظيم التجارب السريرية الإكلينيكية فى دورة البرلمان القادم.

إلى جانب أهمية اﻻنتهاء أيضا من قانون ينظم المساءلة الطبية فيما يتعلق بعلاقة الأطباء وغيرهم بالأخطاء المهنية وتكييفها القانونى والمحاسبة عليها.

وفى إطار العلاقة غير المنصفة بين المريض والمؤسسات الطبية عموما والتى تترك المريض فى مهب الريح بلا حماية نرى ضرورة وضع ميثاق قانونى ملزم لحقوق المرضى على نحو تشاركى، والإشارة بهذا الميثاق واحترامه وتنفيذه لضمان الحقوق فى مجمل التشريعات المتعلقة بالصحة عموما ومنها قانون التأمين الصحى الشامل بطبيعة الحال.

وفى جانب قانون المساءلة الطبية نجد ضرورة تقنين دقيق لمفهوم الأخطاء المهنية الطبية وتحديد أطر المساءلة لضمان حقوق المرضى من الأخطاء والإهمال الطبى وضمان اﻻستجابة العاجلة لمطالبهم وتزويدهم بالمعلومات الكاملة عن حالتهم وتطورها وإمكانية العلاج وبدائلها وتكاليفها بوضوح وتوفير التعويض الملائم لهم عند وقوع أى ضرر يقع عليهم بسبب أخطاء مقدمى الخدمة، إلى جانب حماية مقدمى الخدمة أنفسهم من مخاطر العمل بتلك المهنة الحرجة المتعلقة بالحق فى الحياة.

***
إن مثل هذه التشريعات الصحية أصبحت ذات أولوية كبرى على أجندة البرلمان فى دورته القادمة ﻻستكمال عمل المنظومة ووضعها فى الإطار السليم المانع ﻻنتهاكات حقوق المرضى ولحماية مقدمى الخدمات فى ذات الوقت.

ففى مجال تحديد وضبط المسئولية الطبية من المعروف علميا أن الطبيب مطالب ببذل أقصى عناية وليس بتحقيق نتيجة وهذا منطقى وطبيعى، كما أن المسئولية تدور حول محورين أساسيين هما المسئولية الأخلاقية والأدبية التى يجسدها قسم الطبيب ولكنها ﻻ تدخله تحت طائلة القانون، وترجع فقط كما هو معروف لضميره وقيمه الأخلاقية العامة والذاتية.

والمحور الثانى هو المسئولية القانونية، وهى التى يجب أن تقنن بشكل أكثر وضوحا والتى قد ﻻ يتم التحقق منها إلا بوقوع الضرر، وقد تنقسم إلى مسئولية جنائية تتحقق عندما يرتكب الطبيب فعلا يجرمه القانون بنص صريح ثم مسئولية مدنية تتحقق عندما يخل الطبيب بالتزام مهنى معين يترتب عليه ضرر ويجب جبر هذا الضرر تعويضا للمريض.

وفى هذا المجال الشائك فى تفسير المسئولية الطبية نجد أن هناك عدة مدارس بينها اختلاف قانونى فى تفسير المسئولية باعتبارها مسئولية تعاقدية أو مجرد مسئولية تقصيرية وكل منها دوافعه، فالمسئولية التعاقدية على سبيل المثال تعتبر الأكثر تحديدا وصرامة فى تقنين العلاقة بين الطبيب والمريض أو المؤسسة الطبية فى ظل السعى لتفعيل المفاهيم الجديدة للخدمة الطبية وتأكيد معايير الجودة الطبية الشاملة ونظم التأمين الصحى الحديثة ذلك ما يستلزم حسم هذا الأمر فى القانون الجديد للتأمين الصحى. وفى الخلاصة نجد أننا أمام فجوة تشريعية واضحة تستلزم العمل على غلقها فى الدورة البرلمانية القادمة فى أجندة تشريعية منها العاجل ومنها طويل الأمد، فلا شك أن قانون التأمين الصحى الشامل أصبح محورا للاهتمام باعتباره أداة الإصلاح الأساسية للنظام الصحى إلى جانب حزمة من التشريعات المكملة والضرورية مثل قانون المساءلة الطبية وقانون التجارب السريرية الإكلينيكية وقانون تنظيم عمل الخدمات الطبية المختلفة (طب وصيدلة وأسنان وتمريض إلى آخره) وقانون لحقوق المرضى أو وثيقة شاملة ملزمة إلى جانب تطوير قانون المجلس الأعلى للصحة القائم والذى يقتصر على ممثلى الجهات التنفيذية وﻻ يضم ممثلى الأطراف الأخرى فى المجتمع فى وضع سياسات إصلاح المنظومة استراتيجيا، وبدون هذه الحزمة العاجلة من التشريعات سيظل قانون التأمين الصحى الشامل إطارا وحيدا نظريا يحلق مفتقدا للآليات المساعدة لتحقيق إمكانية تنفيذه.

تم نشر هذا المقال عبر بوابة الشروق الإلكترونية بتاريخ 30 سبتمبر 2017