خصخصة السكة الحديد.. لمن تدق الأجراس؟

سلمى حسين

لو كان الموقع الالكتروني دليلا على الكفاءة في الإدارة، لما وجدنا أسوأ من هيئة سكك حديد مصر إدارةً. ولكن في حين أن كفاءة الإدارة أشمل وأعقد، فإن الموقع هو بالتأكيد إشارة على عدم استيعاب التطور المعلوماتي في القرن الواحد والعشرين، ولا درجة الإلمام بطبيعة العملاء الذين يحتاجون للموقع، ولا إدراك لكيفية تلبية تلك الاحتياجات بما يعظم إيرادات الهيئة.وإذا البغيض يبرز بنقيضه، فليكن موقع هيئة اقتصادية عامة شقيقة، هي هيئة قناة السويس، مثالا على إتاحة وجودة المعلومات على موقعها. ولكن ما أبعد هيئة السكك الحديدية عن ذلك.

وما عثرت عليه بالصدفة على هذا الموقع يثير القلق في قدرة الهيئة على تطوير نفسها، خاصة إذا ما نظرنا إلى التباين بين وصف الهيئة للتحديات الذي تواجهها، وبين تحدياتها كما جاءت في التجارب الدولية، وفي وصف البنك الدولي وفي الدراسات القليلة المتاحة في مصر عن الموضوع.

خذ مثلا التحديات العالمية التي تواجه السكك الحديدية حول العالم: مثل ارتفاع أسعارها مقارنة بالطرق البرية أو النقل البحري والجوي (وذلك بسبب أن التلوث الناتج عن وسائل المواصلات البديلة لا يدخل في حساب السعر، وهو من عيوب النظام الرأسمالي الحالي).

هناك أيضا الضغوط التي تمارسها الشركات الدولية العملاقة (المدعومة من الدول المتقدمة) من أجل خصخصة السكك الحديدية.

ثم هناك التحديات الخاصة بسكك حديد مصر، كما تراها دراسة صادرة عن المركز المصري للدراسات الاقتصادية، منها عدم الاستغلال الأمثل للشبكة الكاملة من خطوط القطارات التي تربط بين كافة الموانئ المصرية، بسبب طول وتعقيد الإجراءات التي تدفع الشركات إلى استخدام الطرق السريعة. أو بمعنى أشمل٬ التحدي البالغ في زيادة حجم نقل البضائع عبر السكك الحديد والذي لا يتجاوز ١-٣٪ من اجمالي نقل البضائع، في مقابل ١٩٪ في الدول المتقدمة. أو انخفاض معدلات الأمان على السكك الحديدية في مصر، وتقليص عدد الخطوط. أو قل ضعف التمويل، كما أشار الرئيس المصري.

ويمكن إضافة البعد الإقليمي لتلك التحديات، مثل غياب شبكة خطوط حديد تربط بين الدول العربية، وبين الدول العربية وإفريقيا، من شأن إقامتها أن تضاعف التجارة البينية وتحسين الموارد الدولارية لمصر.

كما يتابع البنك الدولي بإحباط وقلق، برنامج الإقراض للهيئة، الذي بدأ فيه منذ ٢٠٠٩ وكان من المفترض أن ينتهي في ٢٠١٥، ولكن زادت قيمته وامتدت فترة القرض حتى بداية ٢٠١٩.

ويلاحظ في تقرير متابعة القرض الصادر في يونيو الماضي، أن أداء الهيئة مقبول- بين بين moderately satisfactory في تنفيذ الإصلاحات المتفق عليها (من تدريب للكوادر، وتحسين لجودة بعض الخطوط، وتحسين هيكل الإيرادات ورفع للكفاءة والأمان)، وأن درجة المخاطر من هذا القرض معتبرة substantial، أهمها ناتج عن استراتيجيات القطاع والسياسات العامة، وعن ضعف القدرات المؤسسية والقدرة على التنفيذ وعن ضعف الحوكمة.

فنجد أن معدل تشغيل الخطوط لا يتجاوز ٦٤٪ (وإن زاد إلا أنه لا زال بعيدا عن الهدف ٨٠٪). وأن الإشارات الالكترونية التي تم تخصيص جزء من القرض لتركيبها على خطي القاهرة- الإسكندرية وبني سويف-أسيوط لم يتم تركيب أي منها بعد مرور ثمان سنوات من الاتفاق مع البنك. وأن عدد ركاب خط بني سويف-أسيوط انخفض عدد مستخدميه إلى الربع، خلال السنوات الست الأخيرة. ولا الدراسات اللازمة لتطوير السكك الحديدية قد أعدت بعد.

فما هي التحديات والإصلاحات العاجلة من وجهة نظر هيئة سكك حديد مصر؟

*** 

كلمات ومعاني

إذا كنت قد سافرت إلى الخارج، فلعلك دخلت إلى موقع السكك الحديد، لتحجز إلكترونيا تذكرة قطار. وبالتأكيد قد ألقيت نظرة على قسم "العروض"، حيث يمكنك أن تجد تذاكر مخفضة. ولكن في مصر، فقسم "العروض" هو حيث وجدت المعلومة الوحيدة عن مشروعات تطوير السكك الحديدية، محشورة بين نتائج المتقدمين لمسابقة التوظيف لعام ٢٠١٥، ومواعيد قطارات الوجه القبلي.

وتنطبق نفس "اللخبطة" المترتبة على سوء استخدام كلمة العروض على كلمة "التحديات".

ترك العرض الرسمي كل ما سبق ذكره من تحديات، وكان من أوائل التحديات المذكورة هي: نقاط العبور "غير القانونية" التي يضطر أن يستخدمها المواطنون، لغياب دور المحليات ووزارة الري في تمهيد نقاط رسمية آمنة.

كما تأتي على رأس التحديات أيضا مجموعة من الاتهامات المبطنة للمواطنين، مثل انتشار القمامة، والباعة الجائلين في حرم السكك الحديدية (وهو ما يمكن علاجه بتعيين جامعي قمامة، أو الاتفاق مع رؤساء الأحياء، إلى جانب تعيين مديرين محطة ونظافة أكفاء). كما جاء أيضا سرقة بعض الخطوط (قليلة الاستخدام) وعدم التزام السيارات والسائرين بتعليمات العبور عند المزلقانات (أين دور الشرطة؟ ولماذا لا يعاد توزيع العمالة الإدارية الزائدة بحيث تقوم بالإشراف على المزلقانات؟).

وللإجابة على تلك التحديات، احزر ماذا يذكر العرض الرسمي كأول العلاجات العاجلة؟

"شراء عربات وجرارات جديدة"، على غرار خطة إصلاح عام ٢٠٠٥-٢٠٠٧، حين تم إنفاق ٨ مليار جنيه لشراء ٤٠ جرار جديد، ثبت أنها غير مجدية اقتصاديا، بالنظر إلى استمرار، بل تفاقم الفرق بين إيرادات الهيئة والمصروفات، ناهيك عن الشكوك التي لم يتم البت فيها بعد عن مدى نزاهة عملية الشراء.

ولا يمكن بعد هذا العرض السريع المحزن لأحوال السكة الحديد، أن نتجاهل الفيل القابع في الغرفة، أي الحل المزمع اتباعه للإجابة على كل التحديات، الظريف منها والمخيف: خطة خصخصة السكك الحديدية التي أعطت لها الحكومة المصرية الضوء الأخضر منذ أيام.

***

التجارب العالمية: فشل أم نجاح؟

بدأت خطط الخصخصة في كل دول العالم المتقدم ثم النامي جراء أزمات مالية: الحكومات تريد أموالا سريعة ومتدفقة كي تعالج عجزا في ميزانياتها. وهو ما يفسر ما تفعله مصر حاليا. 

وللرد على هذا الاعتبار، يكفي أن نذكر أهم تجربة في تاريخ خصخصة القطارات والتي كانت صاحبتها إنجلترا.

ورغم أن التجربة في عيون كثيرين إيجابية (بعد فشل مرة واثنتين، ورقابة برلمانية عريقة وعنيفة)، يكفي أن نذكر أن الدعم الذي توجهه الدولة إلى هيئة السكك الحديدية زاد ستة أضعاف إلى ٦ مليار إسترليني سنويا عام ٢٠٠٧، مقارنة بأيام كانت هيئة حكومية، بحسب تقرير مقدم إلى مجلس العموم البريطاني. أي ينتفي الهدف الأهم لدى الحكومة المصرية وهو توفير الموارد الحكومية.

وللمفارقة، صار الدعم الذي يتكبده دافع الضرائب البريطاني، يذهب إلى خزائن مجموعة من الشركات الأجنبية العملاقة (ألمانية وفرنسية غيرها)، والتي بدورها تحول أرباحها خارج بريطانيا.

ولن نتكلم عن أسعار التذاكر التي زادت، ولا عن الوظائف التي فقدت في هيئة السكك الحديد، وتدهور ظروف العمل، ولا عن الخطوط التي أغلقت رغم أهميتها لساكني الأماكن البعيدة عن المراكز الحضرية حيث الوظائف، ولكنها غير مربحة بالنسبة لتلك الشركات. أما عن قلة الانضباط والحوادث، فأخبارها صارت تملأ نشرات الأخبار العالمية. أي أن الخصخصة أفادت فقط الشركات العالمية الكبرى على حساب موازنات الحكومة ودافعي الضرائب والفقراء من المواطنين.

وما يعتبر تجربة ناجحة في بريطانيا، أو فرنسا أو ألمانيا أو أمريكا أو اليابان -وكلها بها ما بالتجربة البريطانية من عيوب- لا يقارن بالتجارب الفاشلة في الدول النامية.

ففي الأرجنتين مثلا، انتهى الأمر بأن أعيدت خطوط السكة الحديد في ٢٠١٥ بعد عقدين من الفشل إلى أحضان الحكومة، بعد أن فشل القطاع الخاص (نفس الشركات الدولية العملاقة المدعومة من ميزانيات الدول المتقدمة). وفي أفريقيا جنوب الصحراء حيث بدأ مشوار الخصخصة قبلنا بعشرين عاما أيضا، باءت الأمور بالفشل، فلم تتحسن الخدمة ولا زادت الخطوط.

ولعل الحكومة تستمع إلى قصة مستثمر مصري عملاق، فتعتبر. أراد صاحبنا أن يستثمر مئات الملايين من الدولارات في خطوط السكة الحديد الأفريقية، ولم يوفق. حيث اشترت مجموعة القلعة القابضة حق استغلال خطوط سكك حديد في شرق إفريقيا، تحديدا في أوغندا وكينيا. وهو ما يمثل امتدادا للأمن القومي المصري، وتعميقا لأواصر التجارة مع جيراننا الجنوبيين، وشركاء التجارة الأهم في أفريقيا. ولكن فشل المشروع، رغم نية الحكومات الصادقة في الخصخصة، ورغم قرب المجموعة المصرية من المستثمرين المصريين الراغبين في التصدير والاستيراد مع الدولتين. وانتهى الأمر بعرض حق الاستغلال للبيع، وانهاء القلعة لهذا الاستثمار.

وحين تقرأ دليل البنك الدولي لإصلاح السكك الحديدية، تلمح تغيرا في موقفه. فقد صار أكثر تواضعا في توصيته بالخصخصة كطريق وحيد لإصلاح السكك الحديدية، بعد أن دقت على رأسه الطبول.

نعم، يصر البنك على أن التنافسية التي يخلقها دخول القطاع الخاص في نشاط تشغيل الخطوط والصيانة تجب مشكلات أخرى. إلا أنه أولا، يضع عدة مقترحات (درجات من الخصخصة والشراكة، مع ذكر عيوب كل نوع).

والأهم، صار البنك الدولي أكثر إدراكا لأهمية دور الدولة والذي أفرد له ثلاثة أبواب في الدليل.  ويشدد على أن هذا الدور هو مفتاح النجاح في إصلاح السكك الحديدية. وهو إدراك حري بأن ينتقل إلى الدولة المصرية قبل أن تفكر في بيع سريع لهذه الأرض أو حق استغلال لهذا الخط أو ذاك.

من تلك الأدوار الضرورية للدولة وضع القوانين، والرقابة على حساب التكلفة والتسعير، ويد قوية ضد الممارسات الاحتكارية، وضد التجنب الضريبي) وحين تقرأ تفاصيل تلك الأدوار في ضوء واقع السكة الحديد الحالي، تدرك أننا في مصر بعيدين كل البعد كمؤسسات عن القيام بالأدوار المنشودة.

فإذا كان هدف التوفير غير متحقق، وإذا كان التوسع في الخطوط غير مفيد للفقراء وغير ذي جدوى لنقل البضائع، والدور المطلوب من شبه الدولة أصعب من أن تقوم به في الوقت الحالي. وإذا كانت عشرات التجارب حول العالم باءت بالفشل، حتى استقرت معظم الدول على إبقائها في يدها، فلماذا تصر الحكومة على تكراره؟

لا أعرف لماذا يطرأ على البال نكتة عن الصعايدة: حين قال أحدهم، اسكت مش حسنين داسه القطر؟ فرد بلدياته مستغربا: تاااااني؟

تم نشر هذا المقال عبر بوابة الشروق الإلكترونية بتاريخ 29 سبتمبر 2017