فرص الشمس الضائعة

راجية الجرزاوي

تناقلت بعض وسائط الإعلام أخيرًا أنباءً حول قيام الهند بإلغاء خطط لتوليد 14ألف ميجاوات من الكهرباء من الفحم، وهو الإلغاء الذي جاء متزامنًا مع انخفاض أسعار الكهرباء من الطاقة الشمسية، بشكل لم يسبق له مثيل، حيث شهدت الأسعار انخفاضًا متسارعًا منذ بداية العام الحالي حتى أصبحت أسعار الطاقة الشمسية أقل من سعر الكهرباء من الفحم ﻷول مرة، وبفارق حوالي 30%. وصرح وزير الطاقة الهندي أن بناء محطة تعمل بالفحم أصبح أكثر تكلفة من بناء محطة للطاقة الشمسية في الهند، التي من المتوقع أن تصبح أكبر سوق للطاقة الشمسية في العالم بحلول العام القادم.

تحفزنا مثل هذه الأخبار على القياس والتدبر في الأوضاع في مصر، فالهند صاحبة ثالث أكبر إنتاج واحتياطي للفحم في العالم، والتي تحت ضغط مُلحٍّ لزيادة إنتاج الكهرباء لتنتشل حوالي 240 مليونًا من مواطنيها يعيشون في الظلام، تُلغي محطات للفحم لصالح المحطات الشمسية، بينما مصر، تسعى جاهدة من أجل التوسع في استخدام الفحم لتوليد الكهرباء، وتغض البصر عن كافة المستجدات والاعتبارات التي تشير إلى خطأ هذا التصرف.

منذ حوالي 3أعوام فقط لم يكن الفحم معروفًا كوقود في مصر. لكن تم إدراج الفحم ضمن مزيج الطاقة عام 2014رغم المعارضة القوية له، بسبب أضراره البيئية والصحية، من جهات شعبية وحكومية. وخلال العامين الماضيين أعلنت الحكومة أنها تستهدف بناء محطات لتوليد الكهرباء من الفحم، باستثمارات تتعدى 20مليار دولار، في مناطق الحمراوين وعيون موسى على ساحل البحر الأحمر وقرب مطروح على ساحل المتوسط. ورغم إعلان الحكومة لاحقًا، عن تأجيل هذه المشروعات إلى الخطة القادمة، فلا تزال الخطط قائمة ولم يتم إلغاؤها، وما زالت الحكومة تعتزم المضي فيها، حيث تم الإعلان لاحقًا عن التعاقد مع شركة استشارية عالمية لتقييم العروض من الأطراف المتنافسة.

الفحم أسوأ أنواع الوقود الأحفوري على البيئة والصحة، ولكنه الأرخص سعرًا، بحساب الطن أو الكيلو وات، مقارنة بمصادر توليد الكهرباء الأخرى، خصوصًا المصادر المتجددة مثل الشمس والرياح. وها هو الفحم الآن يفقد ميزة انخفاض سعره، ولكنه ما زال يحتفظ بضرره البليغ على البيئة والصحة. ومصر التي لا تمتلك أي فحم تقريبًا في أرضها، وستعتمد على الاستيراد بشكل كامل، تنعم بموارد هائلة من مصادر الطاقة المتجددة التي يمكن أن تولد الكهرباء بدلًا منه.

لا يقتصر التحول نحو الطاقة المتجددة على الهند وحدها، ولكنه يشمل العالم كله وبخطًى سريعة جدًّا. وتظهر البيانات التي أعدتها مؤسسة بلومبرغ أن تكلفة الطاقة الشمسية في 58بلدًا من البلدان النامية، بما في ذلك الصين والبرازيل والهند، قد انخفضت إلى نحو ثلث المستويات عن عام 2010، وأن أسعار الخلايا الفوتوفولتية انخفضت بحوالي 29% في السنة الماضية بمفردها، وأن الطاقة الشمسية أصبحت أرخص وسيلة لتوليد الكهرباء.لم يقتصر التحسن في الطاقة الشمسية على الأسعار، لكنه امتد أيضًا ليشمل التحسن في الكفاءة وفي القدرة على التخزين وهما من أهم أوجه الضعف في الطاقة الشمسية والطاقات المتجددة عمومًا.

لقد عبَرَ العالمُ فعلًا، هذا العام على وجه التحديد، نقطة التحول الكبرى نحو الطاقة المتجددة، وتخطت كمية الطاقة المتجددة الإضافية العام الماضي الكميات المضافة من الفحم والغاز مجتمعين، وتُظهِر التحليلات أن الطاقة المتجددة سوف تتغلب على أي تكنولوجيا أخرى في معظم أنحاء العالم دون أي دعم لأسعارها.

مصر من الدول الغنية بالطاقة الشمسية وأيضًا بطاقة الرياح، حيث تقع مصر في منطقة «الحزام الشمسي«ما يعني جغرافيًّا أن مصر تتمتع بإشعاع شمسي عالي الكثافة، مع فترة سطوع يومية من 9إلى 11ساعة، والصحارى الشاسعة فيها تجعلها مناسبة أيضًا لتوليد الطاقة الشمسية المركزة. كما تعتبر موارد الرياح حول البحر الأحمر وخصوصًا في خليج السويس من أفضل الموارد في العالم بسبب سرعة الرياح المرتفعة. وأكدت دراسة عملية أجراها معهد فراونهوفر في مصر للتنبؤ بأسعار الطاقة المولدة من مصادر متعددة، على أن أسعار الطاقة الشمسية ستنافس قريبًا جدًّا الطاقة المولدة من المصادر الأخرى بما في ذلك الطاقة المولدة من الرياح، وهي أرخص أنواع الطاقة حاليًّا.

حددت «استراتيجية مصر للطاقة «2030، التي صدرت في 2016، نسبة الفحم المستهدفة في مزيج الكهرباء بمقدار 29%، وهي نسبة هائلة، الأمر الذي يعني، إلى جانب الخسائر في البيئة والصحة، الاستئثار بمقادير ضخمة من الاستثمارات والموارد، التي ستصبح على الأغلب معرضة للركود والخسارة مثلما يحدث في الهند لمحطات الفحم، ولعل الضرر الأسوأ أن هذه الاستثمارات ستعوق التوسع نحو الطاقة المتجددة. فالدلائل العالمية تشير إلى أن الاستثمارات الكثيفة في الفحم تعوق السياسات التي تدفع نحو الطاقة المتجددة وتجعلها أكثر تكلفة، كما هو الحال في الدول الغنية، حيث تتنافس الطاقة الشمسية الجديدة مع محطات الفحم والغاز القائمة بالفعل والتي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات، بينما فرصة المنافسة أفضل في البلدان النامية التي بحاجة إلى زيادة سريعة في قدرتها على توليد الكهرباء، كما هو في مصر، حيث تتفوق الطاقة المتجددة في رخص تكلفتها على أي مصادر أخرى.

سيؤدي الاستمرار في مشاريع توليد الكهرباء من الفحم، إلى خسارة مصر فرصة سانحة في أن تكون ضمن الدول المتصدرة لأسواق الطاقات المتجددة الناشئة في العالم. ورغم أن الإستراتيجية الوطنية للطاقة تتضمن استهداف زيادة الطاقة المتجددة إلى 30% بحلول عام 2030، لا يبدو أن الأمور تسير جيدًا في هذا الاتجاه. كانت مصر ضمن الدول المرشحة عام 2016 لقيادة الأسواق الانتقالية ضمن دول أخرى نامية مثل: باكستان وإندونيسيا والإمارات العربية المتحدة، ولكنها لم تحقق هذا الهدف، ونخشى أنه لن يتحقق بالاستثمار في الفحم.

لن يحمل الإصرار على السير في خطط توليد الكهرباء من الفحم سوى الخسائر على كافة المستويات، ومن واجب الحكومة، في ضوء وضع مصر وفي ضوء المتغيرات العالمية، مراجعة وإلغاء هذه الخطط.

تم نشر هذا المقال عبر منصة المصري اليوم بتاريخ 18 يونيو 2017