تشريع إعدام الأسرى الفلسطينيين: جرائم حرب بقوة قانون الاحتلال وقضائه

بيان صحفي

4 أبريل 2026

تابعت الشبكة العربية لاستقلال القضاء بقلق بالغ مصادقة الكنيست الإسرائيلي، بتاريخ 30 آذار/مارس 2026، على قانون يتيح لدولة الاحتلال فرض عقوبة الإعدام على الأسرى الفلسطينيين الخاضعين لاختصاص المحاكم العسكرية في الضفة الغربية المحتلة، في خطوةٍ تمثّل تصعيدًا نوعيًّا وخطيرًا في سياسة التمييز والفصل العنصري، طالما أن القانون ينطبق حصرا على الفلسطينيين.

يخول هذا القانون وزير الداخلية الإسرائيلي إصدار توجيهاته للحاكم العسكري في الضفة الغربية لتعديل الأمر العسكري رقم 1651 بشأن تعليمات الأمن، في اتجاه فرض عقوبة الإعدام دون سواها - باستتثاء حالات خاصّة يمكن فيها استبدال عقوية الإعدام بالسجن المؤبد- على أي من سكان المنطقة (أي الضفة الغربية) الفلسطينيين، والذي تسبب في وفاة شخص آخر، عندما يكون الفعل من أفعال "الإرهاب" كما عرفها قانون مناهضة الإرهاب الإسرائيلي لعام 2016. ولا يشترط القانون أن يكون تنفيذ عقوبة الإعدام بناء على طلب من النيابة العامة العسكرية، أو أن يكون هناك إجماع بين قضاة المحكمة، حيث أن الأغلبية تكفي. كما ينصّ القانون على أنه ليس للحاكم العسكري سلطة تخفيف العقوبة أو تبديلها أو منح العفو، وأنه يتمّ تنفيذ العقوبة من قبل مصلحة السجون الإسرائيلية بموجب القانون الجديد، ونظام السجون لعام 1971. كما يلحظ أن القرار الصادر بعقوبة الإعدام في الحالات التي شملها القانون يكون نهائيا غير قابل للاستئناف.       


انتهاك لقواعد القانون الإنساني الدولي 

 

ترى الشبكة أن هذا التشريع يشكّل انتهاكا صارخا ومركبا لقواعد القانون الإنساني الدولي، الذي يفرض قيودا على صلاحيات الدولة القائمة بالاحتلال فيما يتعلق بتنفيذ عقوبة الإعدام بحق الأشخاص المحميين، حيث نصت المادة 68 من اتفاقية جنيف الرابعة على أنه "لا يجوز أن تقضي القوانين الجزائية التي تصدرها دولة الاحتلال وفقا للمادتين 64 و65 بعقوبة الإعدام على أشخاص محميين إلا في الحالات التي يدانون فيها بالجاسوسية أو أعمال التخريب الخطيرة للمنشآت العسكرية التابعة لدولة الاحتلال أو بمخالفات متعمدة سببت وفاة شخص أو أكثر، وبشرط أن يكون الإعدام هو عقوبة هذه الحالات بمقتضى التشريع الذي كان ساريا في الأراضي المحتلة قبل بدء الاحتلال".

كما تنص المادة ذاتها على أنه "لا يجوز إصدار حكم بإعدام شخص محميّ إلا بعد توجيه نظر المحكمة بصفة خاصة إلى أنّ المتهم ليس من رعايا دولة الاحتلال، وهو لذلك غير ملزم بأيّ واجب بالولاء نحوها"، هذا بالإضافة إلى أنه "لا يجوز بأي حال إصدار حكم بإعدام شخص محمي تقلّ سنّه عن ثمانية عشر عاما وقت اقتراف المخالفة".


انتهاك لأحكام القانون الدولي لحقوق الإنسان

 

كما يشكّل القانون الجديد انتهاكًا لأحكام القانون الدولي لحقوق الإنسان، وتحديدًا فيما يتعلق بالحقّ في الحياة، حيث نصّت المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أنّ "الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان. وعلى القانون أن يحمى هذا الحق. ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفيا". والتعسف هنا يأتي من الطبيعة التمييزية للقانون، وعدم مراعاته لضمانات المحاكمة العادلة بموجب القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان، كما تم النص عليه في المادة 14، ومبدأ عدم التمييز بموجب المادتين 2 و26 من العهد المدني والسياسي. فضلا عن مخالفته للالتزامات الدولية بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب، في ظلّ ما يحيط بإجراءات التحقيق والاحتجاز من توثيقات تتعلق باستخدام التعذيب وسوء المعاملة.


استخدام القانون كأداة ترهيب لإحكام الهيمنة والفصل العنصريّ 

 

وترى الشبكة أن القانون يكرّس نهجا قائما نحو استخدام التشريعات كأداة للسيطرة والعقاب السياسي، والتمييز والفصل العنصري، حيث ينص على تمكين المحاكم العسكرية الإسرائيلية من إصدار أحكام الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين فقط، المتّهمين بأفعال يُصنّفها الاحتلال كجرائم قتل أو أعمال مسلّحة ضد الإسرائيليين، من دون أي ضمانات قضائية فعّالة أو رقابة عليا حقيقية، ويجيز تنفيذ الأحكام خلال فترة زمنية قصيرة جدا. كما يفرض القانون تمييزا صريحا على أساس الهوية الوطنية، حيث يقتصر تطبيقه على الفلسطينيين في الضفة الغربية، مستثنيا المستوطنين الإسرائيليين اليهود الذين يرتكبون جرائم قتل ضد الفلسطينيين على سبيل المثال. بالإضافة إلى ذلك، يعتبر هذا القانون والقوانين التي يتمّ الاستناد إليها بموجبه لتنفيذ عقوبة الإعدام خروجا واضحا عن القيود التي يفرضها القانون الدولي على سلطة الاحتلال، التي لا تملك، بحكم طبيعتها المؤقتة، صلاحية فرض منظومة جزائية تمس الحقوق الأساسية للسكان الواقعين تحت الاحتلال، وعلى رأسها الحق في الحياة، ذلك أن هذا الفعل يعتبر مدًا لولاية القانون الإسرائيلي على السكان المدنيين في الضفة الغربية. ومن هذه الزاوية، يعدّ القانون بمثابة خطوة إضافية في اتجاه الضمّ القانونيّ للضفّة الغربية.


استكمال للإبادة الجماعية وجرائم الحرب بحقّ الشعب الفلسطيني

 

وإلى جانب مخاطره المذكورة أعلاه فإن هذا التشريع يندرج في سياق الانتهاكات الخطيرة والممنهجة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، بما في ذلك القتل والإيذاء الجسدي والمعنوي للأسرى داخل أماكن الاحتجاز، وجريمة الإبادة الجماعية التي ترتكبها دولة الاحتلال ضد الفلسطينيين في الأرض المحتلة. كما أن القانون جاء ليضفي المزيد من الشرعية على أفعال غير قانونية تمارسها دولة الاحتلال ضد المعتقلين الفلسطينيين، من تعذيب وإهمال طبّي وسوء ظروف الاحتجاز، في إطار ما يُعرف بسياسة "الإعدام البطيء"، التي أدّت إلى استشهاد أكثر من مائة أسير فلسطيني منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 في ظل غياب مساءلة دولية فعّالة.

وترى الشبكة أن هذا التطور لا يشكّل مجرد انتهاك منفرد، بل قد يرقى، في حال تطبيقه، إلى جريمة حرب تتمثل في إصدار وتنفيذ أحكام بالإعدام ضدّ أسرى فلسطينيين من دون محاكمة عادلة، وجريمة ضدّ الإنسانية متمثّلة بالاضطهاد وفق أحكام نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، ولا سيما في ضوء الولاية القائمة للمحكمة على الحالة في فلسطين.

 

وانطلاقا مما سبق، تدعو الشبكة إلى تحرك دوليّ عاجل يتجاوز حدود الإدانة، ويشمل:

 

1.    الإلغاء الفوري لتشريع إعدام الأسرى الفلسطينيين، ووقف أي إجراءات تهدف إلى تطبيقه.

2.    إلزام دولة الاحتلال باحترام قواعد القانون الدولي الإنساني والامتثال الكامل لاتفاقيات جنيف، وتطبيق جميع أحكام القانون الدولي لحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة.

3.    تحرك فعال من الأمم المتحدة، والدول الأطراف السامية المتعاقدة في اتفاقيات جنيف، والدول العربية الشقيقة لممارسة ضغط جاد من أجل وقف التشريع المذكور.

4.    تفعيل آليات المساءلة الدولية، بما في ذلك ملاحقة المسؤولين عن سنّ أو تطبيق هذا القانون أمام الجهات القضائية الدولية المختصة، وضمان عدم الإفلات من العقاب.

5.    دعوة الآليات الخاصة في الأمم المتحدة، ولا سيما المقررين الخاصين المعنيين بحالات الإعدام خارج نطاق القضاء واستقلال القضاء، إلى التدخل العاجل.

6.    مطالبة مجلس الأمن والأجهزة القضائية الدولية الأخرى باتخاذ إجراءات فورية لضمان حماية حقوق الأسرى، بما في ذلك توفير الحماية الدولية لهم من التعذيب وسوء المعاملة، وضمان تمتعهم بكافة حقوقهم الأساسية.

7. دعم منظمات المجتمع المدني الدولي والفلسطيني في مراقبة الانتهاكات وتوثيقها، لضمان متابعة الالتزام بالقانون الدولي وتقديم التقارير الدورية للجهات المعنية.