حين يعيد الوزير "تخيل التعليم"
تشابكت وتعقدت قضية التعليم في مصر على مدار السنوات السابقة، بدايةً من نقص التمويل وضعف جودة التعليم، لتسرب الطلاب والعنف داخل المدارس. ومنذ بضعة أسابيع كتب وزير التربية والتعليم الأستاذ محمد عبد اللطيف مقالًا على موقع المنتدى الاقتصادي العالمي عن تجربة مصر في التعليم تحت عنوان "كيف تعيد مصر تخيل التعليم من أجل مستقبل العمل"، اعتبر فيه أن مصر نجحت خلال عام 2025 في تحقيق تجربة تحول ناجحة في نظامها التعليمي، قابلة للاستلهام دوليًا. ركز الوزير في المقال على تغيير المناهج التعليمية ورفع نسب حضور الطلاب للمدارس والتعامل الناجح مع أزمة عجز المعلمين في المدارس، إلى جانب تعزيز الاستعداد الرقمي فيها.
تحدث الوزير عن زيادة نسب الحضور في المدارس إلى متوسط 80% في مراحل التعليم ما قبل الجامعي، وأضاف أنه تم تجاوز العجز في المعلمين من خلال التعيينات السريعة، وإعادة توزيع المعلمين، بالإضافة إلى إنشاء نظام البكالوريا موازيًا للثانوية العامة، وتحديث المناهج التعلمية.
-
أزمة الغياب من المدارس
في البداية، لا أحد ينكر أهمية حضور الطلاب إلى المدارس، حيث زاد تغيب الطلاب في الآونة الأخيرة بشكل كبير لصالح المراكز الخصوصية. ويرجع ذلك إلى فقدان الثقة في المدارس والعملية التعليمية فأصبح الحضور للمدرسة في أغلب الوقت لمجرد أداء الامتحانات خاصةً في سنوات الشهادات.
ورغم إشارة السيد عبداللطيف لتطبيق منظومة نسب الحضور والغياب في المدارس وتحذير الوزارة من الغياب، إلا أن هناك حاجة إلى الانتظار لبعض الوقت لقياس ما إذا كان هذا التغيير شكليًا -أي الحضور لمجرد الحضور- خوفًا من نقص درجات أعمال السنة؛ بينما يجب أن ينعكس فعليًا على جودة العملية التعليمية في الفصول. وما يعنينا أيضا هو تقليل الكثافات الطلابية داخل الفصول حتى يتسنى للمعلم أداء مهامه بكفاءة، وتمكينه بذلك من متابعة تقييمات كل طالب داخل فصله بشكل دقيق. ومازالت الكثافات مرتفعة داخل العديد من المدارس مع استمرار نظام الفترات الدراسية نظرًا لانخفاض وتيرة بناء الفصول سنويًا.
-
نقص المعلمين والمعلمات واختباراتهم العسكرية
في سياق المقال ذكر الوزير معالجة أزمة نقص المعلمين، لكنه يعلم جيدًا أنه يعتمد على عدد كبير من معلمي الحصة الذين وصل عددهم إلى 160 ألف معلم كما ذكر الوزير نفسه ذلك سابقًا. ويحصل المعلمون بالحصة على 50 جنيها للحصة الواحدة، تنتهي بعد الاقتطاعات إلى مبلغ صافٍ يتراوح بين 32 و37 جنيهًا، أي أن مقابل الحصة لا يصل إلى دولار واحد.
وانخفض عدد المعلمين خلال السنوات الخمس السابقة إلى 876 ألف معلم، يدرسون لـ 25 مليون طالب في جميع المراحل التعليمية؛ بينما يخرج على المعاش قرابة 30 ألف معلم كل عام، ما يعني أن مسابقة الـ30 ألف معلم/ة التي تطبقها الوزارة حاليًا لا تغطي النقص السنوي.
بالإضافة لذلك، يتغاضى الوزير عن الاختبارات التي تقام للمعلمين والمعلمات في الأكاديمية العسكرية أثناء المسابقة والتي تؤدي إلى استبعاد الآلاف منهم لأسباب تمييزية وتعسفية وغير منطقية تتضمن الوزن الزائد أو الرسوب في اختبارات اللياقة الرياضية والبدنية واختبارات الهيئة أو الحمل أو الولادة الحديثة. ويزيد الأمر غرابة بالنظر إلى أن كثيرين من المعلمين والمعلمات المستبعدين يعملون بالفعل في قطاع التعليم العام بالحصة أو من خلال التطوع.
-
التجاهل الدائم لمخصصات التعليم
حدد الدستور المصري الصادر في 2014 نسبة لا تقل عن 4٪ من الناتج المحلي الإجمالي للتعليم في الموازنة العامة، حيث جاء في المادة 19: "تلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومى للتعليم لا تقل عن 4٪ من الناتج القومى الإجمالى، تتصاعد تدريجيا حتى تتفق مع المعدلات العالمية". إلا أن الحكومة المصرية لم تلتزم بهذا الاستحقاق الدستوري أبدًا، بل ظلت النسبة تنخفض على مدار أكثر من عشر سنوات. ووفقاً للموازنة الحالية للسنة المالية 2026 /2025، بلغت نسبة الإنفاق 1.54% من الناتج المحلي الإجمالي. وكان الدستور أعطى مهلة ثلاث سنوات لتنفيذ هذا الاستحقاق الدستوري، حيث نصت المادة (238) على أن : "تضمن الدولة تنفيذ التزامها بتخصيص الحد الأدنى لمعدلات الإنفاق الحكومى على التعليم، والتعليم العالى، والصحة، والبحث العلمى المقررة فى هذا الدستور تدريجياً اعتباراً من تاريخ العمل به، على أن تلتزم به كاملاً فى موازنة الدولة للسنة المالية 2017/2016".
يتجاهل وزراء التعليم المتعاقبون هذه النقطة على الدوام، وغضوا البصر عن أهمية المطالبة بتطبيق النسب الدستورية الضرورية من أجل بناء منظومة تعليمية عالية الجودة وجذابة لجميع أطرافها؛ بما يشمل بناء فصول جديدة لتقليل الكثافات الطلابية العالية ونظام الفترات، وزيادة تعيين المعلمين لتعويض النقص في المدارس، وتطوير المهارات المهنية للمعلمين والمعلمات لضمان تقديم جودة تعليمية عالية، وتوفير رواتب ملائمة لضمان معيشتهم بشكل كريم.
-
"إعادة تخيل" رواتب المعلمين
لم يأتِ الوزير بذكر أهمية رفع رواتب المعلمين، أو أن ذلك سوف يحدث. لا يساعد هذا الرفع فقط في تحسين مكانتهم الاجتماعية والمهنية، بل كذلك في تحسين ظروفهم المعيشية، ما يساهم في خلق بيئة تعليمية إيجابية داخل المدارس والفصول، بالإضافة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة. كما أن زيادة الرواتب تجعل مهنة التعليم أكثر جذبًا للعناصر الموهوبة والمهنية من أصحاب المؤهلات العليا، بما يساهم في تحسين مخرجات العملية التعليمية. وحيث إن التعليم من أقل القطاعات أجرًا في سلم الرواتب في مصر، يضطر العديد من المعلمين والمعلمات إلى تقديم دروس خصوصية والعمل في "سناتر" تعليمية لتعويض النقص في المرتب الحكومي. بالإضافة أنه من الضروري زيادة أعداد المعلمين بما يتناسب مع الزيادة السكانية للطلاب كل عام، وتعويض عدد المعلمين المتعاقدين.
يتحدث وزير التعليم في بداية المقال عن أن "التعليم هو القصة التي تكتبها الأمة عن مستقبلها". وهذا حقيقي، حيث مازال ينُظر للتعليم كفرصة أساسية للترقي الاجتماعي. وإذا تأملنا حجم إنفاق الأسر على قطاع التعليم، سوف ندرك مدى مكانة وأهمية دور التعليم في حياة قطاع كبير من المصريين، رغم ما يواجهه من تحديات ومشكلات، وأن التعليم هو مفتاح للعديد من الأفراد للخروج من دائرة الفقر.
ولكن كل وزير يأتي بأولوياته دون الأخذ في الاعتبار أزمة التعليم الهيكلية والاحتياجات الأساسية، وهي الخطوة الأولى لأي عملية إصلاح حقيقي للعملية التعليمية، بوجود بنية أساسية قوية تخدم كافة أطراف المنظومة التعليمية.




