حتى لا يتكرر تفجير الكنيسة قبل الأعياد

Ishak Ibrahim

واهم من يعتقد أن كشف أسماء المتورطين في تفجير الكنيسة البطرسية أو حتى محاكمتهم وحده سيمنع تكرار هذه المذبحة.

واهم من يتصور أن حفلات الدعم الإعلامي والجنازات الرسمية والشعبية كافية لاحتواء الغضب المتنامي في قلوب الأقباط وعموم المصريين.

واهم من يلعب على عامل الوقت لنسيان حجم المأساة وكأن شيئًا لم يحدث.

نعم، هذه الخطوات مهمة إذا اردنا البدء في التعامل مع غول التطرف ومحاربة الإرهاب لكنها قطعًا غير كافية، وستتحول إلى نوع من الرقص على جثث الضحايا إذا اكتفينا بها فقط، دون سلسلة من الإجراءات لإصلاح الخلل في علاقة المواطنين بعضهم البعض، وعلاقة الدولة بهم.

تعيدنا هذه المذبحة إلى أجواء الثمانينيات والتسعينيات، حين كان الأقباط وممتلكاتهم مطمعًا للجماعات الإسلامية، خصوصًا في صعيد مصر، حيث فرض الجزية والقتل على الهوية الدينية، فقد وقعت عشرات الأحداث التي جرى فيها الاعتداء على الأقباط، ومن بينها حوادث اقتحام كنائس وإطلاق نار على مصلين، وهو النمط السائد وقتها، ولم تتحرك الدولة إلا بعد تحول الإرهاب إلى استهداف الشرطة والسياح، والتي كان من أبرزها مذبحة الأقصر، وعلى أثرها أقيل وزير الداخلية حسن الألفي.

استمر التوتر والعنف الطائفي خلال السنوات التالية، لكن الاستهداف المباشر للكنائس تراجع، إلى أن وقعت مذبحة كنيسة القديسين مطلع العام 2011، والتي راح ضحيتها نحو 25 شهيدًا، ومنذ ذلك التاريخ وقعت عدة حوادث استُهدفت فيها الكنائس، من أبرزها إطلاق النار على تجمع من الأقباط أمام كنسية السيدة العذراء بالوراق نوفمبر 2013، انتهاءً بتفجير الكنيسة البطرسية.

خلال هذه السنوات، أصبح نمط الاعتداءات أكثر رعبًا وخطورة، وأصبح الإرهابيون أكثر جرأة وثقة. في الحالات السابقة كانت الاعتداءات خارج الكنائس، أما في التفجير الأخير، فالاعتداء وقع داخل الكنيسة، بما يكشفه هذا من خلل أمنى سمح للشخص الذي فجر نفسه بدخول الكنيسة رغم الحراسة الأمنية المشددة، وهو ما يطرح تساؤلات عدة حول دور الأمن المكلف بحراسة الكنائس، هل هو لحراستها أم مراقبتها ومضايقة المصلين؟ هل الأمن مؤهل بدرجة كافية للتعامل مع مسألة دخول المواطنين للمباني المهمة أم أن العملية مجرد وجود أفراد شرطة لإظهار أن هناك أمنًا وفقط؟ هل هناك مراجعات لأداء أفراد الحراسة، لاسيما مع وقوع حالات اعتداءات من قبل على الكنائس في ظل وجود قوات أمن، وهل حوسب المقصرون أم لا؟

في أبريل عام 2013، وقعت اعتداءات على الكاتدرائية المرقسية بالعباسية في ظل حراسة رجال الأمن، واتُهم وقتها الرئيس المعزول محمد مرسي بالتهاون مع حجم كارثة الاعتداءات على المقر الرئيسي لبابا الكنيسة بما يمثله هذا من رمزية للمكان، ويفترض أن أجهزة الأمن شدّدت حراستها على الكاتدرائية بعدها، خصوصًا بعد موجة الاعتداءات وحرق الكنائس التي شهدتها مصر عقب عزل مرسي في أغسطس 2013، فكيف تكون الحراسة بهذا الأداء الضعيف على كنيسة ملاصقة بالكاتدرائية وداخل سورها؟ يعني هذا أنه كان يمكن لهذا الإرهابي أو غيره اختراق الحوائز الأمنية للكاتدرائية وتفجيرها!

استهداف الكنيسة البطرسية في قلب القاهرة بهذه السهولة، وبالحراسة التي يُفترض أن تكون مشددة على مقر البابا، يعطى مؤشرًا واضحًا على قدرة الإرهابيين على استهداف أي كنيسة في أي بقعة من أرض الوطن، وهو تهديد يجب أن تدرك مؤسسات الدولة حجم خطورته. الرسالة الموجهة إلى الأقباط هي أن النظام الحاكم غير قادر على حمايتهم، إضافة إلى زرع الرعب في نفوسهم، لا سيما لو صح الكلام عن أن نظام بيت المقدس (داعش فرع سيناء) هو المتورط في هذه العمليات، لأن هذا يعتبر نقلة نوعية خطيرة. صحيح أن التنظيم، وحتى لم لو يعلن بشكل رسمي، استهدف أقباطًا في العريش بسيناء، ومن بينهم كاهنان للكنيسة الأرثوذكسية، اغتيل أحدهما في 2013 والثاني في منتصف العام الجاري، لكن نقل عملياته داخل القاهرة سيناريو مرعب ويحتاج خطوات سريعة للتعامل معه، لاسيما مع تخيل حجم الضحايا الذي قد تطوله يد الإرهاب.

كما أن التعويل على اتهام جماعة الإخوان المسلمين أو أحد المنتمين إليها بالقيام بالتفجير هو تحليل قاصر وغير دقيق لمعطيات الواقع الاجتماعي وطبيعة العلاقات بين المسلمين والمسيحيين التي شهدت كثيرًا من التوترات والاعتداءات الطائفية والفرز الديني.

بطبيعة الحال، يحمّل قطاعٌ واسعٌ من الإسلاميين وأنصارهم الأقباطَ مسؤولية عزل محمد مرسي، وهو تدليس وتضليل قامت بهما جماعة الإخوان نفسها أثناء وجودها في الحكم، حيث عملت على خلق مزيدًا من الاستقطاب السياسي على أرضية دينية، ولعبت على الاستقطاب الديني وتصوير نفسها بوصفها الممثل الحصري للإسلام، في محاولة منها للحصول على شعبية لتعويض فشلها السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وبمرور الوقت، وبدلًا من إجراء مراجعات وتقييم لفترة حكمها وما قبلها، استمرت الجماعة في اللعب على وتر الدين. وقد تحمل الأقباط تكلفة باهظة عقب فض اعتصامي رابعة والنهضة عندما حُرقت عشرات الكنائس والمباني الدينية وممتلكات الأقباط نتيجة هذا التحريض المباشر وعدم قيام الدولة بدورها في حماية أمن مواطنيها وممتلكاتهم.

رغم هذا، فهناك أيضًا سياق عام يساعد في تفسير العوامل التي أدت لتفجير الكنيسة البطرسية، أبرز ملامحه هو أن مؤسسات الدولة نفسها لا تملك الإرادة السياسية الجادة لحل ملف التوترات الطائفية ومنع التمييز، مع اتجاه المجتمع بشكل عام نحو المزيد من التشدد والتطرف والعنف.

هل يعقل أنه بالرغم من مرور نحو ست سنوات على تفجير كنيسة القديسين بالإسكندرية لا نعرف الجناة؟! هل من المنطقي ألا تجرى الجهات المعنية التحقيقات اللازمة حول المذبحة؟!

عقب التفجيرات، أعلن وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي، وبحضور رئيس الجمهورية الأسبق مبارك احتفالات الشرطة بعيدها السنوي، أن أحد التنظيمات الفلسطينية الإرهابية هو من قام بالتفجير. وبعد الثورة وعودة أجهزة الدولة للعمل، تساءل أهالي المجني عليهم عن مصير التحقيقات، وكانت النتيجة ألا تحقيقات ولا تحريات قدمتها وزارة الداخلية للنيابة العامة، وهو ما دعا الأهالي لرفع قضية أمام القضاء الإداري ضد وزارة الداخلية مطالبة إياها بتقديم تحرياتها، وبالفعل حصل أهالي الضحايا في سبتمبر 2016 على حكم يلزم وزارة الداخلية بتقديم التحريات إلى نيابة أمن الدولة العليا، واتهم الحكم في حيثياته الوزارة بإساءة استعمال السلطة ووجود إهمال من جهة الإدارة.

هذه الواقعة تضاف إلى قضايا أخرى لم تنته التحقيقات فيها، والرسالة التي تصل للمواطنين أن الدولة غير جادة في الكشف عن حقيقة الجناة والمتورطين، بل تقدم لهم الحماية القانونية، لا سيما أنها فشلت في التنبؤ بوقوع الاعتداءات وفي منعها، ثم تعمدت عدم استكمال التحريات وعدم تقديم المتهمين للمحاكمة. هذه الرسالة يتلقاها مواطنٌ فيفهم أنه فوق القانون والمحاسبة ولن تطوله يد العدالة مهما فعل، ومواطن أخر فيفهم أن حياته مهددة وأن الدولة لا تقوم بواجبها لحمايته.

وحتى نكون منصفين، فالأمر ليس مقصورًا على التدخلات والجهات الأمنية فقط، فالمؤسسات السياسية تساهم هي الأخرى في استمرار هذا المناخ بعدم تدخلها ورعايتها لأوجه التمييز على أساس الدين، وبرعاية حلول عرفية تنتهك الدستور والقانون، هذه المؤسسات ترضخ لضغوط المتشددين بعدم السماح للأقباط بالصلاة معًا، أو بتهجير أسر معينة تحت زعم تهدئة الخواطر والمساهمة في حل التوترات، وتساهم في استمرار هذا المناخ المشحون بالتعصب والتطرف.

في نفس الوقت، سواء اعترفنا بذلك أو لم نعترف، فهناك قطاع معتبر من المصريين أصبح متشددًا دينيًا، ويرى أنه فقط من يملك حقوق المواطنة، وأن الأقباط ليسوا شركاء وطن أو على أقل تقدير هم أقلية لا تمتلك نفس حقوق الأغلبية، هؤلاء يستقبلون رسالة الدولة التمييزية من جانب، ومن جانب أخرى يتأثرون بخطاب ديني مناهض لحقوق الآخر ورافض للتعددية ويستبدل برابطة المواطنة عهد الذمية.

وبالتزامن مع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وغلق المجال العام، تكسب التيارات المتطرفة أنصارًا جدد، وهو ما يزيد من الأعداد التي قد تتحول يومًا ما إلى العنف والإرهاب. لذلك، فالوصول إلى الإرهابيين الذين خططوا ونفذوا تفجير الكنيسة البطرسية ومحاكمتهم مهم، لكنه غير كاف ولن يحمينا في المستقبل من عدم تكرار هذه الاعتداءات. الدولة مطالبة باتخاذ إجراءات سريعة أولًا لمراجعة خطط حراسة الكنائس ومحاسبة المقصرين بالتزامن مع كشف تفاصيل المذبحة وتقديم المتهمين للمحاكمة، وكذلك باتخاذ خطوات سريعة لتصحيح الخلل في فهم علاقات المواطنين بعضهم البعض، سواء بتغيير التشريعات التمييزية التي تعطي الفرصة للمتشددين لبسط نفوذهم، أو بإعطاء رسالة بأن الدولة ستقوم بحماية حقوق مواطنيها، كل مواطنيها. وعلى المدى المتوسط والطويل، فهناك أدوار لمؤسسات التعليم والثقافة والشباب، بعيدًا عن مؤتمرات الأنصار والمحاسيب، لترسيخ قيم التعايش والتعددية واحترام حقوق الإنسان، مع تجريم خطاب التحريض على الكراهية والعنف والتمييز.

ساعتها فقط نقول إن الدولة بدأت تستوعب حجم الكارثة وإنها جادة في التعامل معها.

تم نشر هذا المقال عبر موقع مدى مصر بتاريخ 13 ديسمبر 2016