خمسة تحديات تنتظر وزيرة الإسكان الجديدة
مضى شهر على تولي راندة المنشاوي وزارة الإسكان ضمن تعديل الحكومة في فبراير 2026. وللوهلة الأولى، لا تبدو الوزيرة الجديدة غريبة عن أروقة الوزارة، حيث عملت فيها من تخرجها من قسم العمارة بكلية الفنون الجميلة عام 1985، قبل أن تنتقل إلى الكويت عام 1986 للعمل في مكاتب استشارية هندسية، حيث شاركت في تصميم مشروعات سكنية وإدارية وخدمية. ثم عادت إلى مصر مرة أخرى عام 1998 لاستكمال عملها بالوزارة. تدرجت في مناصب فنية وإدارية متعددة، وشاركت في متابعة عدد من المشروعات في مصر، منها المنطقة الاقتصادية بشمال غرب خليج السويس ومشروع تنمية الأقصر، ثم انضمت عام 2009 إلى جهاز البحوث ودراسات التعمير وتولت رئاسته لاحقًا. كما شغلت منصب وكيل أول الوزارة بين عامي 2011 و2017، وأشرفت على مكتب الوزير، حيث عملت عن قرب مع الدكتور مصطفى مدبولي، الذي كان حينها وزيرًا لنفس الوزارة. وشاركت في متابعة مبادرة "حياة كريمة" وتمثيل الوزارة في عدد من المجالس. هذا التدرج، وخاصة قربها من رئيس الوزراء الحالي حينما كان وزيرًا للإسكان مهد طريقها بشكل واضح نحو تولي الوزارة.
لكن السؤال الأهم والذي يجب أن يطرح، في ظل تعدد الملفات الشائكة تتعلق بالسياسات الإسكانية في مصر: ما الذي ينتظر وزيرة الإسكان الجديدة؟
أولاً: تبدأ الملفات الشائكة في العاصمة نفسها؛ فالقاهرة تشهد منذ سنوات موجة متصاعدة من مشروعات إعادة التطوير وإعادة التخطيط، يصاحبها نطاق واسع من الإخلاءات في عدد من المناطق المصنّفة باعتبارها "غير مخططة" أو "غير آمنة". وما ينتظر وزيرة الإسكان تحديدًا هو التعامل مع ملف الإخلاءات القسرية في هذه المناطق المستهدفة، وهو ملف معقد تراكمت إشكالياته عبر سنوات طويلة، خاصة منذ طرح مشروع "القاهرة 2050" بوصفه مشروعًا لإعادة تشكيل الخريطة العمرانية للعاصمة. فقد ارتبطت هذه المشروعات بإزالة أحياء كاملة أو أجزاء منها، الأمر الذي أثار تساؤلات جوهرية حول العدالة الاجتماعية والحق في البقاء داخل المجال الحضري. يعاني السكان في هذا السياق من أزمات تتعلق بمدى عدالة التعويضات المالية، وملاءمة وحدات السكن البديل من حيث الموقع وفرص العمل والخدمات، فضلاً عن صعوبة إجراءات التظلم القضائي وغياب آليات مشاركة حقيقية في اتخاذ القرار وانعدام الشفافية الذي يؤثر على رؤية السكان لمستقبلهم. كما يثور جدل واسع حول الجدوى الفعلية لبعض مشروعات إعادة التطوير داخل أحياء القاهرة، وهل تخدم احتياجات السكان أم تعيد توجيه المجال العمراني لصالح أنشطة استثمارية أو فئات اجتماعية أكثر قدرة. ومن ثم، لا يقتصر التحدي أمام الوزارة على إدارة مشروع عمراني، بل يمتد إلى إعادة التفكير حول جدوى وفعالية تلك المشاريع.
ثانيًا: تتبع هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة سياسات التوسع العمراني التي ركزت على إنشاء مدن جديدة تخدم في الغالب الشرائح القادرة على الشراء. من منظور الحق في السكن، الأولوية ليست إنتاج وحدات جديدة في الصحراء، بل لمعالجة أوضاع السكن غير الآمن، والمباني الآيلة للسقوط في المدن القائمة؛ خاصة أن تلك المشاريع التي ترعاها هيئة المجتمعات العمرانية تؤثر بالسلب على جودة الإسكان داخل تلك الأحياء القائمة بالفعل، خاصة فيما يتعلق بمسائل خدمة البنية التحتية وغيرها.
ثالثًا: تمثل أزمة الإيجار القديم أحد أكثر الملفات تعقيدًا في سياسات الإسكان، نظرًا لتداخل أبعادها القانونية والاجتماعية والاقتصادية؛ إذ زادت الأمور تعقيدًا منذ أن أقر مجلس النواب القانون الأخير بشأن إنهاء إشكالية الإيجار القديم. تواجه المجتمع بأكملة الآن أزمة تتعلق بالسكان ومصيرهم، وهو أمر يحتاج إلى تدخل عاجل يراعي العدالة الاجتماعية وفي الوقت نفسه حقوق الملاك. إن هذه المشكلة اليوم لا تقتصر على إعادة تنظيم العلاقة القانونية بين الطرفين، بل تمتد إلى مصير مئات الآلاف من الأسر التي قد تجد نفسها أمام تحدي البحث عن سكن بديل في سوق يعاني أصلاً من ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
رابعًا: تواجه وزارة الإسكان إشكالية متصاعدة فيما يتعلق بشريحة السكن فوق المتوسط، تتمثل في اتساع الفجوة بين المعروض من هذا النوع من الوحدات والطلب الفعلي القادر على استيعابه. فقد أدت الطفرة العمرانية خلال السنوات الماضية، إلى جانب ارتفاع أسعار مواد البناء، وتذبذب سعر الصرف، وتنامي الطلب الاستثماري على العقار بوصفه ملاذًا آمنًا، إلى دفع أسعار هذه الفئة إلى مستويات تفوق القدرة الشرائية الحقيقية للطبقة الوسطى العليا، وهي الشريحة المفترض أن تمثل جمهورها الأساسي. ويضع هذا الواقع الوزارة أمام معضلة مزدوجة: فمن ناحية، يتزايد المعروض من هذه الفئة في المدن الجديدة والمجتمعات العمرانية في إطار سياسات التوسع والتنمية، ومن ناحية أخرى، تتراجع قدرة الأسر على تملكها إلا عبر التزامات تمويلية طويلة الأجل تؤثر على دخلهم.
خامسًا: تواجه وزارة الإسكان أزمة مركبة تتعلق بارتفاع أسعار العقارات في الآونة الأخيرة، في ظل مؤشرات متزايدة على احتمال دخول السوق في حالة ركود عقاري ناتج عن تضخم الأسعار بصورة تفوق القدرة الشرائية الحقيقية. فالمفارقة القائمة تتمثل في استمرار صعود الأسعار رغم تراجع معدلات الطلب الفعلي، وهو ما يعكس اختلالاً في السوق؛ حيث بات العقار يستخدم كوسيلة ادخار، أكثر من كونه خدمة استهلاكية لتلبية الاحتياجات السكنية.
ما بين كل هذه الأزمات التي يعاني منها قطاع الإسكان في مصر، هل ستركز وزارة الإسكان -بدورها وزارة خدمية في المقام الأول- على حلها قبل أن تتفاقم أكثر؟ أم أنها تستمر في سياسة تنتجها منذ سنوات طويلة بالشراكة مع شركات العقارات في التعامل مع ملف الإسكان كمصدر لزيادة دخل الدولة على حساب المواطن؟




