يجب على الحكومة الامتناع فورًا عن ممارسات الإخفاء القسري والتعذيب التي تجري في سجن العزولي العسكري

الخميس 22 مايو 2014

يعرب كل من المبادرة المصرية للحقوق الشخصية ومركز النديم لتأهيل ضحايا العنف عن قلقهما الشديد إزاء تصاعد عدد حالات الاختفاء القسري والتعذيب الذي تمارسه السلطات ضد أفراد تشتبه في قيامهم بأعمال ذات صلة بجرائم عنف سياسي. وتدين على وجه الخصوص استمرار احتجاز السلطة مدنيين داخل سجن العزولي العسكري في الإسماعيلية، لمدد طويلة وفي ظروف تصل إلى حدود الاختفاء القسري، بلغت أربعة أشهر في بعض الحالات. وتطالب المنظمات الحكومة المصرية بفتح تحقيق عاجل ومحايد في هذه الادعاءات، وأن تتخذ تدابير فورية تضمن الاحترام الكامل للحق في المحاكمة العادلة للمحتجزين كافة، من المتهمين بالقيام بأعمال عنف. كما تطالب السلطات القضائية، بما في ذلك المدعي العام العسكري، بالقيام بمسئولياتهم في التفتيش على سجن العزولي العسكري لضمان عدم وجود أشخاص مدنيين محتجزين به بالمخالفة للقانون.

إن ما يتوثق لدينا من حالات الاختطاف في منتصف الليل، بواسطة رجال يرتدون ملابس مدنية، واختفاء المتعرضين للاختطاف دون أثر، وتلك "الاعترافات" المنتزعة تحت التعذيب والتي تستخدم سندًا لتحويل الأفراد إلى المحاكمة، إنما تذكرنا بالممارسات التي سادت في أسوأ سنوات حكم الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، حين استخدمت السلطات التبريرات ذاتها الخاصة بـ"مكافحة الإرهاب" لتنقضَّ بها على كافة أشكال الاحتجاج السلمي.

إن المعلومات التي قامت المنظمات الموقعة بتجميعها وتحليلها، بما في ذلك شهادات أقارب ضحايا الاختفاء القسري ومحامييهم، ونشطاء مجموعة "الحرية للجدعان"، ومعتقلين سابقين، قد بينت بجلاء وجود نمط واضح من سوء المعاملة، يتكرر فيه اختطاف الأفراد من منازلهم، أو من الشوارع ومقار عملهم في مختلف أنحاء البلاد، بواسطة فرق أمنية عالية التسليح، تتكون عادة من رجال يرتدون ملابس سوداء ـ بعضهم ملثم ـ إضافة إلى رجال في ملابس مدنية. وقد شهد أقارب الضحايا المتواجدون في المكان لحظة الاعتقال بأن القوات المهاجمة ـ دائمًا ـ تقتحم المنازل عنوة في منتصف الليل،  وأنها تستخدم العنف وتروع الموجودين، في كثير من الحالات، هذا بالإضافة إلى قيامها بالتحفظ على الهواتف وأجهزة الكومبيوتر المحمولة، والاستيلاء على الأموال وكل ما له قيمة في المنزل.  وفي كل الأحوال ترفض قوات الأمن الإفصاح سواء لذوي المعتقل أو محاميه عن مكان اعتقال الضحية أو تفصح عن سببه، علاوة على رفضهم إبراز أي أوامر قضائية بالتفتيش أو الاعتقال. وعلى سبيل المثال، قامت قوات أمن مسلحة بالأسلحة الآلية باقتحام منزل ومزرعة أسرة مالك أحمد محمد ـ 25 سنة ـ في الخامسة فجرًا، يوم 20 من أبريل 2014، وقاموا باختطافه، وحطموا خلال ذلك الأبواب، واستولوا على أشياء كثيرة من المنزل، دون تقديم أي تفسير لأقاربه بشان أسباب إلقاء القبض عليه. ولشهر كامل عجز أقاربه عن رؤيته أو معرفة مكانه، سوى يوم 19 من مايو يوم ترحيله إلى سجن استقبال طرة.

كذلك حرمت عائلات معتقلين أخرى عديدة من المعلومات عن مصير أو مكان احتجاز ذويهم من ضحايا الاختفاء القسري، وقد تراوحت فترات الاختفاء بين بضعة أسابيع وأكثر من أربع شهور. وقد تحدثت العائلات المعنية للمنظمات الموقعة عن محاولاتها المستميتة بغرض الوصول إلى أي معلومة تُجلي مصير ذويهم المختطفين، التي ذهبوا خلالها إلى مقار أمنية للاستفسار، ومنها أقسام الشرطة المحلية وفروع جهاز الأمن الوطني فضلًا عن السجون، بما في ذلك سجن العزولي العسكري الذي صار بؤرة لهذه الممارسات. وثمة أسر توجهت باستفساراتها ومناشدتها من أجل الحصول عن معلومات تجلي مصائر ذويهم، إلى قطاع السجون بوزارة الداخلية، كما تقدموا ببلاغات إلى النائب العام، والمجلس القومي لحقوق الإنسان، وجهات حكومية أخرى، وكان هذا الجهد الحثيث بلا طائل، إذ قوبلت محاولاتهم اليائسة بالصمت حينًا والإنكار حينًا آخر.، وهم في عذاب البحث المضني هذا، تحتجز السلطة ذويهم في سجن العزولي العسكري، في ظروف غير إنسانية، منقطعة الصلة تمامًا بالعالم الخارجي، حيث يتعرضون إلى صنوف من التعذيب وسوء المعاملة. وبحسب المعلومات التي تمكنت المنظمات الموقعة من الحصول عليها، فإن هؤلاء المختطفين يتكدسون في زنزانات بالغة الضيق، حيث يجري حشر ما بين 23 و25 منهم في زنزانة لا تتعدى مساحتها الستة أمتار مربعة. هذا المكان المروع يفتقر إلى الإضاءة والتهوية والمرافق الصحية، ومع وجود دلو واحد داخل الزنزانة لا يصرح باستخدام الحمام سوى مرة واحدة طوال اليوم لدقائق قليلة. كذلك يحرم المكدسون فيه من التغذية الملائمة والمياه الصالحة للشرب، ولا ينال أي منهم ـ فيهم مرضى ـ أدنى رعاية صحية.

إضافة إلى ذلك يمكث الضحايا في هذه الزنزانات غير الآدمية، لا يخرجون إلا حين يتم نقلهم إلى محل التحقيق، هذا بعد أن يقيدوا وتعصب أعينهم.

وبحسب الشهادات التي جمعتها المنظمتان، فإن التحقيقات تجري مع الضحايا في مكان آخر يبعد مسافة قصيرة عن السجن وينتقلون إليه بواسطة سيارات. وفي التحقيقات التي يجريها مسئولو أمن لا يُعرِّفون أنفسهم ـ وإن كان الضحايا يرجحون أنهم من جهاز الأمن الوطني أو المخابرات العسكرية ـ يكون المحتجزون عرضة للتعذيب طوال جلسات التحقيق، تلك التي يُجَرُّ إليها المعتقلون في أي ساعة من النهار أو الليل بحسب أهواء القائمين بالتحقيق.

وبحسب التقارير التي حصلت عليها المنظمات الموقعة، فإن أكثر أساليب التعذيب المستخدمة في هذه الأماكن هي  الضرب في مناطق مختلفة من الجسم، والصعق الكهربائي في المواضع الحساسة، وتعليق الضحايا في أوضاع تسبب الألم الشديد، منها أوضاع اشتهرت باسم "الدجاجة" و"الطبلية"، هذا بالإضافة إلى سكب ماء يغلي على أجساد الضحايا. ولا شك أن غاية هذا التعذيب هو انتزاع "اعترافات" تتضمن أسماء ومعلومات عن آخرين تدعي السلطات اشتراكهم في هجمات إرهابية.

كذلك يتعرض المحتجزون للضرب بالشوم والخراطيم بواسطة الحرس ـ جنود في القوات المسلحة ـ في أثناء تواجدهم داخل الزنزانات أو في أثناء نقلهم للتحقيقات. ذلك إضافة إلى استقبال المحتجزين لدى وصولهم السجن بما يسمى "حفلة التشريفة"، وهي جلسة تعذيب جماعي قوامها الضرب المبرح والعشوائي لجميع المحتجزين لدى وصولهم  مقر الاحتجاز وتستخدم فيها العصي والسياط علاوة على الصفع والسباب المقذع.

أما أوضاع السجن نفسها فهي ليست إلا التعذيب وسوء المعاملة. ونتيجة لهذه الظروف اللاإنسانية تدهورت الحالة الصحية للعديد من المحتجزين، وبخاصة من يعانون من أمراض مزمنة سابقة على احتجازهم، مثل ارتفاع ضغط الدم والسكر وأمراض القلب. كذلك أدى غياب إمكانيات النظافة العامة والغذاء الملائم والمياه الصالحة للشرب إلى انتشار الأمراض بين المحتجزين، أقلها الجرب والدوسنتاريا، هذا إضافة إلى الأمراض الكلوية. كما سجلنا تكرار حالات الإغماء بين المحتجزين نتيجة الاختناق جراء غياب التهوية وارتفاع الحرارة الشديد داخل الزنزانات المكدسة. وبحسب المعلومات التي تمكنت المنظمات من الحصول عليها لا يوجد طبيب مقيم دائمًا بهذا السجن، وإنما فقط يتواجد ممارسون طبيون مختلفون في أوقات قليلة، يصرفون علاجًا بدائيًّا دون توقيع الكشف على المحتجزين. كما أدلى بعضهم في هذا الخصوص بأن الأطباء يصرفون للمحتجزين مراهم تزيل أو تخفف من آثار الكدمات والعلامات الأخرى الناجمة عن التعذيب. في حين لا يتوفر أي علاج آخر للإصابات الناجمة عن التعذيب بما في ذلك الكسور والكدمات الشديدة.

جدير بالذكر أنه من بين المحتجزين في سجن العزولي العسكري رجال تخطوا الستين من العمر، وكذلك أطفال في السادسة عشر من عمرهم. وبحسب شهادات من الضحايا فإن رجلًا مسنًّا قد توفي داخل السجن بسبب سوء المعاملة وأوضاع الاحتجاز، الأمر الذي لم تتمكن المنظمات من التحقق منه بشكل مستقل.

وبحسب محاميي بعض الضحايا، فإن بعض المحتجزين - بعد فترة احتجاز في سجن العزولي العسكري – يجري نقلهم  إلى مقر جهاز الأمن الوطني في القاهرة للتحقيق، ومنه إلى نيابة أمن الدولية العليا، هذا دون وجود محامين. كذلك يتم تزوير تواريخ الاعتقال بحيث تُخفى الفترة التي أمضاها المعتقل في سجن العزولي العسكري. ومثالًا على ذلك، ما تشير إليه الوثائق الرسمية الخاصة بأحمد عبد السميع، إذ توضح أنه قد أُلقي القبض عليه يوم 17 من أبريل 2014، وهو اليوم الذي مثل فيه أمام نيابة أمن الدولة العليا، في حين أن شهادة أقاربه، تناقض ذلك، وتوضح أن المذكور قد اختطف من مدينة 6 أكتوبر قبل هذا بثلاثة أشهر، وتحديدًا يوم 14 من يناير 2014. وخلال هذه الفترة بحثت عنه أسرته في كل الأماكن المحتملة، كما أطلعت  المنظمات الموقعة على برقيات أرسلتها إلى النائب العام في اليوم التالي على اختطافه، وأفادت بتوجهها إلى سجن العزولي فور علمها بتردد أخبار عن تواجد أحمد عبد السميع به. وقد ظهر اسم أحمد عبد السميع في قرار اتهام شمل 200 شخص بالقيام بأعمال إرهابية، وتم تحويله بواسطة نيابة أمن الدولة يوم 10 من مايو 2014 إلى المحكمة الجنائية فيما عرف بقضية "أنصار بيت المقدس". وضم قرار الاتهام أسماء آخرين، وصفوا في القرار بأنهم "هاربين" رغم تعرضهم للاختفاء القسري بواسطة قوات الأمن، وقد ظهر بعضهم بالفعل في المحكمة .

 يتم نقل الضحايا، بعد مثولهم أمام نيابة أمن الدولة العليا، إلى سجن العقرب شديد الحراسة، أو إلى سجون أخرى ضمن مجمع سجون طرة. وقد رفضت طلبات الزيارة التي تقدم بها عدد من الأسر لنيابة أمن الدولة العليا بعد أن نقل ذووهم من سجن العزولي العسكري إلى سجن العقرب شديد الحراسة. هذا، وتطالب المنظمات الموقعة السلطات المعنية بالإتاحة الفورية لحق المحتجزين في رؤية أسرهم ومحامييهم.

ولعله من الضروري هاهنا أن نؤكد استمرار الاختفاء القسري في الشهور الأخيرة لمختطفين بنفس النمط المشار إليه، ولا زالوا مفقودين. منهم على سبيل محمد عبد التواب، الذي لا تتوافر أي معلومات رسمية بشأن مكان تواجده، وهو المختطف من مكان عمله في مطار القاهرة الدولي يوم 5 من أبريل 2014 بواسطة مسئول أمني يعتقد أنه يعمل في جهاز الأمن الوطني. ورغم إرسال البرقيات إلى النيابة العامة والبحث عنه في السجون وأقسام الشرطة وتقديم الشكاوى للسلطات، فما زالت أسرة محمد عبد التواب في انتظار الحصول على أي معلومات رسمية تجلي مصيره. بعد تلقي مكالمة تليفونية مجهولة تدَّعي أن محمد عبد التواب محتجز في سجن العزولي العسكري وقد توجهت أسرته إلى الإسماعيلية ولم تجد من مسئوليه إجابة إلا الصمت.

إن المنظمات الموقعة تدرك خطر استمرار الهجمات المميتة في مصر، خصوصًا تلك التي تستهدف قوات الأمن، بما في ذلك قتل ثلاثة مسئولين أمنيين يوم 19 من مايو 2014، وتدرك مسئولية الحكومة المصرية عن الوقاية من أعمال العنف، علاوة على تحقيق السلطات فيها ومعاقبة مقترفيها، وتؤكد على أنه يجب على الحكومة أن تلتزم بشكل كامل بالضمانات الدستورية والتزاماتها الدولية، التي توجب عدم اعتقال أي شخص بشكل غير قانوني، وعن منعها تعذيبه وإساءة معاملته. كما يجب على الحكومة المصرية أن تضمن الحق في المحاكمة العادلة لكل المتهمين بالمشاركة في أعمال ذات صلة بالإرهاب، بما يتضمن حقهم في المثول أمام جهات قضائية مستقلة، والحق في دفاع جيد وأن يكون لهم الحق في الطعن على قانونية احتجازهم. وعلى وجه الخصوص تطالب المنظمات الموقعة السلطات القضائية بتجاهل أية أدلة، بما في ذلك "الاعترافات" أو المعلومات التي تم الحصول عليها تحت التعذيب وسوء المعاملة.