في اليوم الدولي لمساندة ضحايا التعذيب: عار اسمه "التعذيب المقبول"

يارا سلام

بقلم: يارا سلّام

في اليوم الدولي لمساندة ضحايا التعذيب  السادس عشر أتذكر الطريق الطويل الذي قطعه - ومازال يقطعه - العديد من المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان في مجال مناهضة التعذيب وأتأمل الطريق الطويل الذي مازال علينا أن نقطعه حتى نتخطى "التعذيب المقبول - ذاك الذي تكون ردود أفعال الناس إزائه تعليقات مثل: "يستاهل، ده مجرم!"، "ده إرهابي!"، "هي الأشكال دي ما بتجيش غير كدة، أمال حاجتك حترجع إزاي؟".

أحد آمالي هو ألا يسأل الشخص الذي يعلم بواقعة تعذيب عن التاريخ الجنائي لضحية التعذيب (أو غيره مما يعتقد البعض أنه قد يكون مبرر للتعذيب بمختلف أشكاله ودرجاته) وأن نكتفي بأن هناك إنسان تم تعذيبه أو تعذيبها. هناك فخين نقع فيهم مؤخرا بسبب خوفنا من غياب الدعم المجتمعي في بعض قضايا التعذيب، الأول هو تصوير ضحية التعذيب على أنه شخص سياسي أو ثوري (في حين أن من الممكن ألا يكون كذلك أو مدان في قضية جنائية ما) لحشد عدد أكبر. الفخ الثاني هو المبالغة وقائع الحادث أو نضعه في إطار حادث سياسي أو ثوري في حين أن واقع الأمر هو أن مثلا، وقع إهمال طبي من جانب قسم الشرطة مما أدي إلى وفاة الشخص (وهم مسؤولون عن ذلك بالطبع). وبالرغم من أن قضية الإهمال الطبي الذي يؤدي إلى الوفاة لا تقل أهمية عن التعذيب، والمقصرين فيها (سواء كان ذلك داخل سجن أو مكان احتجاز آخر) يجب أن يحاسبوا عليه كما يحاسب من يقوم بالتعذيب، إلا أن بسبب صعوبة حشد الدعم على هذه القضية يتم أحيانا تصويرها كقضية تعذيب، مما يضر أكثر مما يفيد لأن الحقيقة هو أن الوقائع هي إهمال طبي ولا يصعب على أجهزة الدولة إثبات ذلك.

أعتقد أن أحد الخطوات المهمة في مناهضة التعذيب - والتي لا تقل أهمية عن ملاحقة الجلادين - هي الرجوع إلى، والتأكيد على، أصل القضية وهي أن التعذيب كمسألة في حد ذاتها جريمة لا يمكن أن يتم قبولها، سواء وقعت ضد "فصيل غير ثوري" أو مجرمين (الأمر لا يقتصر فقط على الـ"العلقة" التي يأخذها السارق في الشارع بعد الإمساك به، بل وصل إلى ما يسميه البعض "تطبيق حد الحرابة" والذي يعذب خلاله الشخص حتى وفاته) أو أي شخص آخر لأي سبب كان. إن ثقافة قبول العنف، والذي يصل في كثير من الأحيان إلى حد التعذيب، يمكن لنا أن نلاحظها في قبول العنف الجسدي على الأطفال من قبل أبائهم أو مدرسيهم كنوع مقبول من التأديب والعقاب على ارتكاب خطأ ما.

لا يخفي على أحد الدور الكبير الذي تلعبه "الطبقة" في قضية التعذيب، فإلى جانب تعود رجال الشرطة على الاعتماد على التعذيب بدلا من استخدام الطرق القانونية للتحقيق الجنائي، الأشخاص الذين لا ينتمون إلى الطبقة المتوسطة أو إلى طبقة أعلى يصبح من الأسهل أن يمارس ضدهم كافة أشكال التعذيب، بخلاف من هو "دكتور" أو "مهندس" أو أي مهن أخرى يصنفها المجتمع على أنها "محترمة" (على عكس مهن أخرى تصنف كمهينة مثل الباعة الجائلين أو عاملي النظافة). ويستمر عامل "الطبقة" في التأثير على ملاحقة ضباط الشرطة مرتكبي التعذيب، فليس من المعتاد أن نرى النيابة العامة تتعامل بجدية في قضايا التعذيب التي يكون ضحيتها من طبقة يظن أنها أقل من أن تهدد مستقبل ضابط شرطة، والذي ينظر إليه بطبيعة الحال على إنه من طبقة عليا أو "ابن ناس" و"أهله صرفوا عليه علشان يبقى ضابط". (لمعرفة معلومات أكثر عن دور النيابة العامة في تحصين الشرطة من المساءلة والعقاب انظر هذا التقرير)

يتطلب العمل على تلك القضايا قدر عالي من الالتزام بالنزاهة والموضوعية للفصل بين قضايا التعذيب من ناحية والإهمال الطبي من ناحية أخرى (سواء في أماكن احتجاز كالسجون أو أقسام الشرطة أو خارجها)، والذي في بعض الأحيان يؤدي إلى إصابة الشخص بعاهة مستديمة أو وقوع وفاة لتأخر تقديم المساعدة الطبية للشخص. إلا أن في مقابل هذا الالتزام من ناحية النشطاء يقع على عاتق الدولة أيضا التزام - ليس فقط بالتوقف عن استخدام التعذيب بل وملاحقة مرتكبيه (سواء في حالة التعذيب أو الإهمال الطبي) والعمل على تأهيل ضحاياه - وهو الالتزام بالشفافية (فتح أماكن الاحتجاز للمراقبة المجتمعية، وإتاحة المعلومات، إلخ) حتى نتمكن جميعا من التفرقة بين الأحداث والخروج من إطار سياسة التعذيب المنهجي الذي استشري في العهد السابق ولا يظهر أية إشارات على انتهائه قريبا