الملخص التنفيذي لتقرير لجنة تقصي الحقائق: دون التوقعات

الخميس 4 ديسمبر 2014

ترحب المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بنشر ما توصلت إليه لجنة تقصي حقائق 30 يونيو من نتائج وتوصيات، وتدعو الحكومة إلى إنشاء آليات المتابعة الكفيلة بتنفيذ توصياتها، بما فيها الشروع في الإصلاحات التشريعية والمؤسساتية اللازمة لمنع تكرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. كما ترحب المبادرة بوجه خاص بتوصيات اللجنة التي تقضي بمراجعة قانون التظاهر (107 لسنة 2013)، تعزيزًا للحق في التجمع السلمي، وبتقييد استخدام الحبس الاحتياطي.

ورغم بعض الخطوات الإيجابية إلا أن المبادرة تظل تشعر بالقلق من أوجه القصور العديدة في نتائج اللجنة، وصلاحياتها وتوصياتها.

في الأسبوع الماضي أصدرت لجنة تقصي الحقائق، المشَكَّلة بمرسوم رئاسي في ديسمبر 2013، ملخصًا تنفيذيًّا لتقريرها بشأن الجرائم المرتكبة في أعقاب أحداث 30 يونيو 2013. ورغم أن صلاحية اللجنة لم تنص صراحة على نشر نتائجها إلا أن المبادرة ترى ضرورة حتمية في إِطْلاع الجمهور العام على التقرير الكامل، بهدف ضمان حق الضحايا والمجتمع في معرفة الحقيقة. في أثناء المؤتمر الصحفي، قال الأمين العام للجنة: إن نشر التقرير الكامل غير ممكن بغرض حماية الشهود. ومن الممكن مراعاة هذا العامل عن طريق حجب المعلومات الحساسة وهويات الشهود، مع نشر نتائج أكثرشمولًا من تلك الواردة في الملخص التنفيذي. أما نشر الملخص التنفيذي وحده فهو يلقي بظلال الشك على شفافية العملية ومصداقيتها، وعلى فحوى التقرير.

وقد احتوى ملخص اللجنة التنفيذي على أقل القليل من المعلومات الجوهرية بشأن قضايا مثل: "العنف في الجامعات" و"سيناء"، مما يبرز الحاجة إلى إصدار التقرير برمته.

وكانت المبادرة قد رحبت بإنشاء اللجنة، لكنها انتقدت عددًا من أوجه القصور في صلاحياتها، فعلى سبيل المثال أخفقت الصلاحيات في إنشاء آليات للإنفاذ والمحاسبة بحيث تُلزم مؤسسات الدولة بالتعاون مع اللجنة. كما لم توضح الصلاحيات ما إذا كانت اللجنة تملك سلطات الاستدعاء والتفتيش والمصادرة. وقد أخفق المرسوم أيضًا في أن يبين أيَّ الانتهاكات الحقوقية تخضع لصلاحية اللجنة، والإطار الزمني الذي يحكم تحقيقاتها.

وأشارت تحقيقات اللجنة إلى عقبات إضافية من خلال محدودية تواصلها مع أصحاب المصالح الرئيسيين وضحايا الانتهاكات الحقوقية في أعقاب أحداث 30 يونيو. وقد اشتكت اللجنة في الملخص التنفيذي من قلة تعاون أعضاء الإخوان المسلمين، ومعاناتها من تردد ضحايا الانتهاكات في الإدلاء بشهاداتهم مخافة التنكيل. علاوة على هذا فإن اللجنة عجزت عن القيام بأعمال ميدانية كافية في منطقة سيناء المضطربة بسبب بواعث القلق الأمنية. وكانت المبادرة وغيرها من المنظمات الحقوقية قد دعت اللجنة إلى بذل جهود أكبر للتواصل مع الضحايا وغيرهم من أصحاب المصلحة عبر الأطياف السياسية، والتحلي بالشفافية في عملها، مع التحذير من أن الإخفاق في هذا من شأنه تقويض حيدة أعمالها.

وقد التقت المبادرة أعضاء اللجنة في عدد من المناسبات للتشارك في النتائج وبواعث القلق والتوصيات، وقدمت تقريرًا شاملًا من 113 صفحة يتعلق بما أجرته المنظمة نفسها من تقصٍّ للحقائق في العنف الذي اجتاح مصر في أثناء "أحداث 30 يونيو" وما بعدها. واستنادًا إلى الملخص التنفيذي، فيبدو أن اللجنة لم تنظر بعين الاعتبار إلى معظم نتائج المبادرة وتوصياتها.

استخدام القوة المميتة المفرطة في تفريق المتظاهرين:

لقد حمّلت لجنة تقصي الحقائق المسؤولية الرئيسية عن حصيلة الخسائر المرتفعة، في أثناء فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، وغير ذلك من أحداث العنف السياسي في صيف 2013، لقيادة الإخوان المسلمين والمتظاهرين أنفسهم. وفي رابعة العدوية، التي شكلت أكثر الوقائع التي تم التحقيق فيها دموية، خلصت اللجنة إلى استخدام قوات الأمن للقوة المتدرجة واضطرارها إلى استخدام القوة المميتة فقط للرد على استخدام المتظاهرين أسلحة نارية. ودفع التقرير بأن قوات الأمن اتخذت خطوات كافية لتقليل الخسائر وتوفير مخرج آمن للمتظاهرين، كما لم تخطِّئ اللجنة قوات الأمن إلا في عدم استهداف العناصر المسلحة وسط الاعتصام بفاعلية، مما رفع أعداد الخسائر. ومع ذلك فقد ألقت أيضًا باللوم على المتظاهرين غير المسلحين لإصرارهم على البقاء في موقع العنف والقيام بدور "الدروع البشرية" لمن يستخدمون العنف.

أما تحقيق المبادرة وما جمعته من شهادات الشهود فقد خلص إلى أن قوات الأمن استخدمت القوة المميتة المفرطة، وأظهرت استهانة صارخة بالحق في الحياة، وأخفقت في معظم الأوقات في توفير مخرج آمن للمتظاهرين. وتوحي الأدلة التي جمعتها المبادرة بأن بعض المتظاهرين قتلوا في أثناء فرارهم، وبأن قوات الأمن دأبت على اللجوء إلى القوة المميتة بينما لم تكن ضرورية لحماية الأرواح ومنع الإصابات الجسيمة. ورغم إشارة تقرير اللجنة إلى وفاة 8 من أفراد قوات الأمن في أثناء الفض، مقارنة بـ 607 من المدنيين بحسب نتائج اللجنة، إلا أنها توصلت مع ذلك إلى أن استخدام القوة المميتة من جانب قوات الأمن كان مشروعًا ومتناسبًا مع المخاطر القائمة.

وتوصلت اللجنة إلى استنتاجات مشابهة في سائر وقائع العنف، ففي واقعة الحرس الجمهوري، التي أدت إلى مقتل اثنين من أفراد قوات الأمن و59 "فردًا" بحسب تقرير اللجنة، تم إلقاء اللوم أيضًا على المتظاهرين لأنهم "هاجموا" منشأة عسكرية واستخدموا العنف، بما فيه زجاجات المولوتوف [العبوات الحارقة] والأسلحة النارية ـ مما اضطر قوات الأمن للرد باستخدام السلاح الناري.

وفي التوصيات أخفقت اللجنة في دعوة السلطات القضائية المعنية لضمان التحقيق الكامل والمستقل والمحايد في جميع أحداث العنف انطلاقًا من نتائج تقريرها، وفي الدعوة إلى محاسبة المسؤولين عنها. كما لم تدعُ اللجنة إلى مراجعة وتعديل التشريعات المنظِّمة لاستخدام القوة والأسلحة النارية من جانب قوات الأمن، ولا إلى إنشاء آليات إشرافية للتحقيق في مزاعم الانتهاكات الجسيمة من جانب الشرطة، كما أوصت المبادرة في مراسلاتها مع اللجنة. ورغم سكوت اللجنة عن استخدام الذخيرة الحية إلا أنها أوصت بإعادة النظر في استخدام "الخرطوش". ودارت معظم التوصيات الأخرى المتعلقة بقوات الأمن حول الحاجة إلى تعزيز القدرات والتدريب المناسب على معايير حقوق الإنسان.

الاعتداءات الطائفية:

لم يقدم ملخص اللجنة التنفيذي أية معلومات تحليلية أو تفصيلية عن الموجة المثيرة للانزعاج من الاعتداءات الطائفية في أعقاب فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة في 14 أغسطس 2014، "بأيدي الإخوان المسلمين ومؤيديهم" بحسب التقرير. وتقرر اللجنة أنها وثَّقت التدمير التام والإحراق لنحو 52 كنيسة، والاعتداء على 12 أخرى، إضافة إلى تدمير واسع النطاق لممتلكات الأقباط. ويشير التقرير أيضًا إلى 29 حالة وفاة في سياق العنف الطائفي بدون تقديم تفاصيل عن إطارها الزمني أو ظروف القتل. وبينما يشير التقرير إلى تصاعد خطاب إلهاب المشاعر والتحريض الطائفي على الأقباط من جانب قادة إخوانيين بارزين ومؤيدين لهم داخل "تحالف الشرعية" ـ وهو ما وثقته المبادرة بدورها ـ إلا أن اللجنة تسكت عن إخفاق قوات الأمن في التدخل لمنع العنف أو وقفه.

وتدعو اللجنة في توصياتها إلى حظر التمييز، وإلى تعديلات تشريعية تتيح بناء الكنائس وفق دستور 2014، وإلى رفع الوعي ضد خطاب الكراهية. ومع ذلك فإنها سكتت عن الحاجة إلى تنفيذ إستراتيجية شاملة للتصدي للعنف والتمييز الطائفيين بالتشاور مع أصحاب المصلحة المعنيين. كما لم تتطرق اللجنة إلى قضية إعادة بناء وترميم الكنائس المدمرة والمتلفة، وتقديم تعويضات كافية عن ضياع الممتلكات. وقد قرر رئيس اللجنة، عند سؤاله عن مسؤولية الحكومة عن إعادة بناء الكنائس في المؤتمر الصحفي خلال الأسبوع الماضي، أن المسؤولية تقع على عاتق المواطنين المصريين، بما أن تدمير الممتلكات تم بأيدي "مواطنين مصريين".

المحتجزون والسجناء:

خلص تقرير اللجنة إلى أنه، رغم تواتر التقارير عن مزاعم التعذيب وإساءة المعاملة في السجون، بما فيها تقارير المبادرة، فإنها لم تستطع التحقق من تلك المزاعم بعد زيارة سجون تشمل سجن القناطر، وسجن وادي النطرون، ومجمع سجون طرة. لم توضح اللجنة منهجية الزيارة، وبالتحديد ما إذا كانت قد استطاعت الالتقاء بمحتجزين طوعًا وعلى انفراد، والتجول في مرافق السجن كلها، بما فيها زنازين الحبس الانفرادي. وقد عثرت اللجنة على أدلة تفيد بتعرض محتجزين للضرب وغيره من أشكال العنف عند الاعتقال وفي أثناء الاحتجاز في أقسام الشرطة، ولكن ليس في السجون على حد زعمها.

كما نشرت اللجنة معلومات تلقتها من إدارة السجون في يوليو 2014، تزعم أن عدد المحتجزين قيد الحبس الاحتياطي يصل إلى 7389، بينما يصل عدد السجناء المدانين إلى 1697. لم يحدد التقرير ما إذا كانت تلك الأعداد تعكس العدد الإجمالي لنزلاء السجون المصرية، أم المحتجزين المعتقلين في سياق القضايا السياسية منذ 30 يونيو 2013 وحدهم. وتقل هذه الأعداد كثيرًا عن تقديرات قدمها مسؤولو وزارة الداخلية لوكالة "أسوشيتد بريس" في يوليو 2014 ـ وتصل إلى 22 ألفًا من المعتقلين منذ أحداث 30 يونيو. فنَّدت اللجنة أيضًا مزاعم الاحتجاز غير المشروع، رغم تقارير قدمتها المبادرة ضمن آخرين بشأن وجود ضحايا للاعتقال التعسفي والإخفاء القسري في سجن العزولي الحربي، الذي لم تزره اللجنة.

وترحب المبادرة بتوصيات اللجنة بقصر الحبس الاحتياطي على الظروف الاستثنائية والمبررة، وبتعديل تعريف التعذيب في قانون العقوبات المصري بحيث يتفق مع اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وبتشجيع النيابة العامة على زيارة أماكن الاحتجاز، وبحماية جميع المحتجزين من التعذيب وغيره من أشكال إساءة المعاملة.

العنف ضد المرأة:

في القسم المخصص للعنف ضد المرأة، لم يعطِ التقرير قضية العنف الجنسي في أثناء المظاهرات حقها من الأهمية، حيث أن توثيقات الجمعيات الأهلية والمنظمات الحقوقية ـ ومنها المبادرة ـ تبين وقوع 186 حادثة من حوادث الاعتداء الجنسي الغوغائي في ميدان التحرير ومحيطه في أثناء أسبوع 30 يونيو. علاوة على هذا فإن التقرير برمته سكت عن حالات الاعتداء الجنسي والبدني واللفظي على سيداتٍ في سياق فض اعتصام رابعة العدوية وما تلاه من جانب أطراف حكومية وغير حكومية. وقد وقعت تلك اﻻعتداءات في حالات كثيرة على خلفية الاعتداءات الطائفية السابق ذكرها. وقد وثقت المبادرة، وجمعية نظرة للدراسات النسوية، عددًا من تلك الاعتداءات في تقريرهما المشترك الذي قُدِّم بدوره إلى اللجنة في وقت سابق من هذا العام.

إن المبادرة تثمن توصيات اللجنة المتعلقة بالمحاكمات العادلة في وقائع العنف ضد المرأة، إلا أن هذا ينبغي أن يتم في إطار العدالة الانتقالية، حيث يحق للمتضررات من تلك الحوادث الحصول على الجبر والتعويض. علاوة على هذا فإن التعديل القانوني في المادة الخاصة بالتحرش الجنسي، الذي اعترفت به اللجنة، ليس سوى خطوة أولى على طريق إصلاح قانون الجرائم الجنسية، وعلى الدولة أن تُعدِّل بقية مواد القانون الخاصة بالاعتداء الجنسي والاغتصاب.

الختام والتوصيات:

في الختام جاء التقرير قاصرًا ودون توقعات المبادرة التي رحبت بتشكيل اللجنة، واشتبكت معها في حوار وتعاون بَنَّاء كلما دُعيت إليه للمساهمة في أعمالها. وتؤكد المبادرة على أن أية خطوات يحتمل اتخاذها في اتجاه العدالة الانتقالية تتعرض للتقويض، بفعل إخفاق اللجنة، وغيرها من لجان تقصي الحقائق المماثلة، منذ 2011 في التصدي للمفاهيم الأساسية، مفاهيم الجبر والانتصاف والتعويض.

وللتصدي لأوجه القصور في عملية تقصي الحقائق ونتائجها، يتعين على اللجنة أن تنشر تقريرها الكامل تلبية لحق أساسي من حقوق الجمهور في معرفة الحقيقة، وتحقيقًا للشفافية اللازمة في أية محاولة جادة لإيجاد عدالة انتقالية بنَّاءة. وعلى اللجنة أيضًا أن تُطْلِع السلطات القضائية المعنية على كافة الأدلة التي جمعتها، والتي تشير إلى مسؤولية جنائية فردية، لإجراء المزيد من التحقيقات، وبهدف تقديم جميع المسؤولين إلى العدالة.

علاوة على هذا فإن على الحكومة المصرية إنشاء آليات متابعة لرصد وتنفيذ توصيات لجنة تقصي الحقائق، وعليها أيضًا إلغاء القانون 107 لسنة 2013 بشأن التجمعات العامة، غير المتفق مع الدستور المصري ولا مع التزامات مصر الدولية بتعزيز الحق في التجمع السلمي. كما ينبغي للحكومة تفويض هيئة مستقلة ومحايدة للتحقيق في حالات الوفيات أو الإصابة الجسيمة بأيدي الشرطة وغيرها من القوات الأمنية، بما في ذلك في مرافق الاحتجاز. وعلى الحكومة أن تضمن حصول ضحايا الانتهاكات الحقوقية والناجين منها، بمن فيهم هؤلاء الذين أجرت معهم لجنة تقصي الحقائق مقابلاتها، على تعويضات كاملة، تشمل التعويض المالي. كما ينبغي منح الأولوية لإعادة بناء الكنائس المخربة أو المتلفة في صيف 2013.

للاطلاع على قائمة كاملة بتوصيات المبادرة لضمان منع تكرار العنف والانتهاكات التي شوهدت في صيف 2013، يرجى زيارة:

http://eipr.org/sites/default/files/reports/pdf/weeks_of_killing_en.pdf