مشروع قانون حماية الشهود المصري - رؤية نقدية

السبت 1 يونيو 2013

مقدمة

تعي منظمات المجتمع المدني أهمية الشهادة بالنسبة لتحقيق العدالة. فلا يمكن أن تكتمل منظومة العدالة بدون توفير مناخ آمن وحماية كاملة للشهود باعتبارهم مفتاح الحقيقة المنشودة في القضايا المختلفة.

بناء على ذلك تتبنى منظمات المجتمع المدني الموقعة على هذا البيان موقفا منحازا للشاهد، خصوصا في هذه الفترة الحساسة التي تكثر فيها الانتهاكات ومحاكمات رموز النظام السابق ويتطلع فيها الكثير من المصريين إلى تحقيق العدالة التي كانت ومازالت غائبة.

لذلك نأمل أن يكون مشروع قانون حماية الشهود والمبلغين والخبراء الذي يناقش حاليا في مجلس الشورى ليس مجرد محاولة شكلية للالتزام باتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي صدّقت عليها مصر، والتي تنظّم، من ضمن ما تنظم، إجراءات حماية الشهود والمبلّغين.

تُلزم اتفاقية مكافحة الفساد كل دولة طرف (مادة 25) أن تعتمد ما يلزم من تدابير تشريعية وغير تشريعية ضد استخدام القوة البدنية أو التهديد أو الترهيب أو الوعد بمزية للتحريض على الإدلاء بشهادة زور أو للتدخل في الإدلاء بالشهادة أو في تقديم الأدلة في إجراءات تتعلق بارتكاب جرائم تشملها الاتفاقية.

وتنص المادة 32 من الاتفاقية على اتخاذ كل دولة طرف تدابير مناسبة وفقا لنظامها القانوني الداخلي، وضمن حدود إمكانياتها، لتوفير حماية فعّالة للشهود والخبراء الذين يُدْلون بشهادة تتعلق بأفعال مجرّمة وفقا للاتفاقية، وكذلك لأقاربهم وسائر الأشخاص وثيقي الصلة بهم عند الاقتضاء، من أي انتقام أو ترهيب محتمل.

ومن الملاحظ، بعد الإطلاع على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي وقعت عليها مصر في 2003 وصدّقت عليها في 2005،  وعلى مشروع قانون حماية الشهود والمبلغين والخبراء المصري الذي يتكون من 10 مواد قصيرة، أن المشروع المصري المقتضب لا يمثل الحد الأدنى المطلوب للوفاء بالتزامات مصر الدولية ولا يعكس إرادة سياسية حقيقية وجادة لمكافحة الفساد عن طريق تشجيع الشهود وحمايتهم.

ويُعتَبر وجود نظام فعّال لحماية الشهود من أهم وسائل تضييق الخناق على الفساد وكافة الجرائم والانتهاكات. حيث أنه يوّفر مناخا آمنا ويبث جوا من الثقة يعد ضروريا للتشجيع على الإبلاغ عن كافة أشكال الجرائم.

وتعد قدرة الدولة على حماية الشهود من أهم مكونات أي خطة لمكافحة الفساد خاصة وتفعيل سيادة القانون عامة. ولكن من الواضح أن القانون المقترح، كما ذكرنا، لا يلبي الطموحات المرجوّة منه في دولة عانت من الفساد والانتهاكات عقودا طويلة.

فبعد تأكيد وزارة العدل على طرح القانون للحوار المجتمعي والاستفادة من جميع الاقتراحات المقدمة بشأنه، خاصة من منظمات المجتمع المدني، فوجئنا بموافقة مجلس الشورى من حيث المبدأ على تقرير لجنة الشؤون التشريعية والدستورية بشأن قانون حماية الشهود والمبلّغين والخبراء.

ولذلك تهيب المنظمات الموقعة بالسلطة التشريعية عدم التعجل في إقرار القانون نهائيا قبل النقاش المجتمعي ليكون أداة قوية لمكافحة انتهاكات حقوق الإنسان والجرائم الاقتصادية.

وفيما يلي بعض الملاحظات على القانون:

تعريف الشاهد

يُغفل مشروع القانون المصري تقديم تعريف للشاهد يتضمن تحديدا دقيقا لفئات الشهود والمبلغين والخبراء، ويُغفل كذلك تحديد نوعية الجرائم التي تتطلب حماية الشاهد من التهديد، وذلك في إطار إغفاله بوجه عام لتعريف وتدقيق المصطلحات المستخدمة فيه.

فتعريف الشاهد في بعض الدول يشمل كل شخص يتلقى تهديدا بسبب علاقته بقضية جنائية، وهو ما يتضمن القضاة والمخبرين وأعضاء النيابة العامة والمترجمين. وفي المقابل تتبنى دولا أخرى تعريفا ضيقا للشاهد يحصر الشاهد فقط في كل من يدلي بشهادته أمام المحكمة أو يشارك في إجراءات المحاكمة.

يؤثر هذا التباين في تعريف الشاهد تأثيرا حاسما على الفئات المشمولة بالحماية. ومن المستقر أن التعريف الأوسع للشاهد هو الأفضل والأقدر على ضمان العدالة.

بالإضافة إلى ذلك فإنه حتى فيما يتعلق بالشاهد بمعناه الضيق (من يدلون بشهادتهم أمام المحكمة)، فإن مشروع القانون المصري يفشل في إسباغ الحماية على الأشخاص المقرّبين للشاهد الذين قد يتعرضون للتهديد جراء إدلاء الشاهد بشهادته. ذلك أن المشروع يقصر الحماية على الأقارب حتى الدرجة الثانية فقط، وذلك بالمخالفة لقوانين بلدان مثل كينيا والتشيك وكندا التي تّوسع من دائرة المقرّبين للشاهد لتضم أشخاصا قد لا يكونوا بالضرورة ذوي روابط دم به.

والأكيد أن الاختيار الأمثل، خاصة في حالة بلدان يعم فيها الفساد، هو وضع تعريف واسع للأشخاص المعرضين للخطر جراء الإدلاء بالشهادة يشمل كل من يتعرض للخطر أو التهديد من جراء إدلاء أحد الأشخاص بشهادته حتى ولو لم يكن من ذويه، مثل الأصدقاء وشركاء العمل.

تفعيل القانون

أحد وسائل بث الثقة في برنامج حماية الشهود، وهو أمر ضروري لتعزيز إجراءات العدالة، خاصة الانتقالية، أن يذكر القانون صراحة ضمن نصوصه وسائل تفعيله، ومن أهمها مصادر وحجم تمويل برامج حماية الشهود.

في العديد من الدول التي لديها قوانين جيدة لحماية الشهود، مثل كرواتيا، كانت المشكلة في التطبيق. عانت كرواتيا من ضعف الموارد والتدريب والإمكانيات التكنولوجية، مما أدى إلى فشل البرنامج في النهاية برغم جودة القانون.

تجلى فشل النموذج الكرواتي في سبتمبر 2005 عندما واجهت هيئة المحكمة صعوبات بالغة في الحصول على شهادات ضد ميركو نوراك ورحيم أديمي المتهمين بجرائم حرب لتخوّف الشهود المحتملين على سلامتهم رغم أن القانون، شكليا، يقدم لهم حماية كافية.

هذا، للأسف، هو المتوقع في الحالة المصرية، حتى لو كان القانون المزمع جيدا. ولذلك فإنه من الضروري أن يتطرق مشروع القانون إلى التمويل والتدريب والتواصل المجتمعي كأدوات ضامنة لعدم اتساع الفجوة بين جودة وشمولية القانون من جانب وجودة تفعيله من جانب آخر.

إدارة الحماية

ينص المشروع المصري على أن إدارة حماية الشهود تتبع وزارة الداخلية رغم أن هذه الوزارة بالذات طرف في كثير من النزاعات التي تتطلب حماية خاصة للشهود، ورغم أن الشرطة تقوم أحيانا ليست بالقليلة بتهديد الشهود، خاصة في قضايا التعذيب.لذا فليس من المنطقي إعطاء وزارة الداخلية الولاية على عملية حماية الشهود.

نقترح، في المقابل، خضوع إدارة الحماية للجهاز القضائي المصري أو على الأقل لفرعه المتمثل في النيابة العامة خاصة وأن هذا هو المسلك المتبع في العديد من البلدان مثل كولومبيا وهولندا والولايات المتحدة، وخاصة كذلك أن وزارة العدل انتهت مؤخرا من إعداد مشروع قانون الشرطة القضائية الذي سيتيح للسلطة القضائية إمكانية توفير الحماية للشاهد.

كذلك فمن الممكن إخضاع إدارة الحماية لإشراف وإدارة المفوضية الوطنية لمكافحة الفساد المنصوص عليها في الدستور والمزمع إنشاؤها تطبيقا له.

التحفيز والترهيب

تقوم فلسفة قوانين حماية الشهود على تحفيز الشهود للإدلاء بالشهادة. لكننا نجد أن المادة التاسعة من مشروع القانون المصري تنص على السجن المشدد كعقوبة إذا ثبت كذب المشمول بالحماية.

برغم المنطقية الشكلية لهذه المادة، إلا أنها ستلعب عمليا دورا مثبطا للشهود ومانعا لهم من الإدلاء بالشهادة. فالواقع أن الشهود في القضايا التي تتطلب حماية خاصة للشاهد يكونون في أغلب الأحيان غير مطلعين إلا على بعض المعلومات الناقصة أو المعارف غير المكتملة. ولذا فإن تهديدهم بالسجن المشدد إذا لم تثبت صحة ما يدّعون ستدفعهم بالضرورة إلى إيثار السلامة وعدم التقدم للإدلاء بالشهادة، خاصة في ضوء واقع أن المادة المذكورة لا تحدد ما المقصود بالكذب.

الأمر الأكثر غرابة هو المطالبة المتزايدة في الآونة الأخيرة بتغليظ العقوبة على رفض الإدلاء بالشهادة (العقوبة الحالية هي الغرامة التي تتراوح ما بين عشر جنيهات وخمسين جنيها كما تنص المادة 279 من قانون الإجراءات الجنائية التي لم يتم تحديثها منذ زمن بعيد). فتغليظ العقوبة على رفض الإدلاء بالشهادة في حالة احتمال تهديد الشهادة لسلامة الشاهد ليس من العدل في شيء، والأهم أن هذا يتناقض مع فلسفة التحفيز التي ينبغي أن يقوم عليها نظام حماية الشهود.

كذلك فإن المادة الثانية من مشروع القانون تنص على التزام الدولة بتعويض الشاهد إذا تعرض لاعتداء، لكن بشرط التزامه بنظام الحماية. المشكلة هنا أن هذا الشرط يفتح الباب لتأويلات، ومن ثم ثغرات، لا تنتهي لمدى التزام الشاهد بنظام الحماية، وبذلك تتملص الدولة من التزامها بتعويض شاهد خاطر بحياته، فعلا، من أجل قول الحقيقة وإقرار العدالة.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن هذه المادة لا تنص صراحة على وجوب تعويض المتعرضين للاعتداء من صلات، أو أقارب، الشاهد، إذا ما كان الاعتداء عليهم ذو صلة بالقضية موضوع النزاع.

ومن ناحية أخرى، ورغم أن المادة الرابعة من مشروع القانون تشدد على سرية بيانات الشاهد المشمول بالحماية، إلا أنها تفتح ثغرة بإضافة عبارة "إلا في الأحوال المبينة في القانون"، بدون توضيح ما هي بالضبط تلك الأحوال.

وأخيرا، فإنه من الملاحظ أن القانون أغفل إجراءً هاما يعد عنصرا من عناصر تأمين، ومن ثم ترغيب، الشاهد، نعني بذلك فرض حظر على وسائل الإعلام فيما يتعلق بنشر أي بيانات تكشف هوية الشهود الخاضعين لبرنامج الحماية لما قد يتضمنه النشر من تهديد لسلامتهم.

مؤسسات العدالة الانتقالية

يغفل القانون المصري الطبيعة الخاصة للظرف التي تمر به البلاد من حيث حاجتها إلى إقرار نظام للعدالة الانتقالية. فالقانون ينص على وجوب حماية الشهود فقط أمام المحاكم، في حين أن نظام العدالة الانتقالية المأمول سيتضمن بالضرورة أنواعا أخرى من المؤسسات والجهات التي تتطلب الإدلاء بالشهادة، كلجان تقصي الحقائق ولجان الحقيقة وغيرها من جهات جمع المعلومات وتحقيق العدالة. وهذا يقتضى تغيير في نص القانون لينص صراحة على حماية الشهود أمام المحاكم أو أي جهات تحقيق أو قضاء تنشأ في المستقبل.

وبالإضافة إلى ذلك، فإنه من الملاحظ أن القانون قد قصر الحماية على الدعاوى الجنائية فقط دون الدعاوى التأديبية التي تختص بها النيابة الإدارية، وذلك رغم أن الكثير من قضايا الفساد الكبرى في الجهاز الحكومي تبدأ في النيابة الإدارية ثم تنتقل، إذا تم كشف شق جنائي بها، إلى النيابة العامة، وهو ما يتطلب مد نطاق حماية الشهود ليشمل الدعاوى التأديبية أيضا.

من هنا فالمقترح هو تغيير تعبير "الدعوة الجنائية" في نص القانون ليصبح "الدعوة العقابية" بحيث يشمل كل من الدعاوى الجنائية والتأديبية.
كذلك، وفي صلة وثيقة بالنقطة السابقة، فإن القانون قد قصر مفهومه لـ"سلطات التحقيق" في النيابة العامة فقط دون سلطات التحقيق الأخرى كالنيابة الإدارية مما يضيق من مظلة الحماية، خاصة وأن النيابة الإدارية تتولى التحقيق بالأساس في شكاوى المواطنين بشأن حالات الفساد والانحراف المالي والإداري لدى أرباب السلطة والنفوذ بالدولة، وهو في الأصل الغرض الأساسي من إصدار القانون.

تغيير الهوية

تتجاهل المادة السادسة في مشروع القانون، والخاصة بتحديد إجراءات حماية الشهود، تغيير الهوية بالرغم من كونه أحد أهم وسائل حماية الشهود، إن لم يكن أهمها على الإطلاق. فأغلب قوانين حماية الشهود تأتي على ذكر تغيير الهوية بوصفه أداة رئيسية لحماية الشاهد، وذلك باتباع إجراءات مثل التنكر وتغيير محل الإقامة وتغيير بيانات الشخص في الأوراق الرسمية، دون أن يؤدي ذلك بالطبع إلى المساس بحقوق أي أطراف ثالثة يلتزم الشاهد تجاهها بأي التزامات مادية أو قانونية.

المنظمات الموقعة (بالترتيب الأبجدي)

المبادرة المصرية للحقوق الشخصية
مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان
منظمة الكرامة لحقوق الإنسان