panoramio.com

إعدام ومؤبد وسجن مشدد في قضية "العائدون من ليبيا" و المبادرة المصرية: لا يمكن تجاهل معايير المحاكمة العادلة في قضايا تنتهي بأحكامٍ بالإعدام

بيان صحفي

الأحد, 6 نوفمبر, 2016

أعربت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية عن قلقها الشديد من إصدار محكمة جنايات القاهرة أمس برئاسة المستشار حسن فريد حكمًا في القضية رقم 25 لسنة 2014 جنايات أمن دولة عليا، والمعروفة إعلاميًّا باسم قضية "العائدون من ليبيا". وقضت المحكمة بإعدام اثنين من المتهمين الستة عشر، و بالسجن المؤبد على أربعة منهم، والسجن المشدد خمس عشرة سنة على متهم، والسجن المشدد ثلاث سنوات لسبعة، وبرأت اثنين آخرين.

يأتي هذا الحكم في سياق إحالة نيابة أمن الدولة العليا العديد من القضايا إلى محاكم الجنايات ودوائر الإرهاب مستندة إلى تحريات الأمن الوطني فقط، دون أدلة إدانة حقيقية. وتشكل تهمة "الانضمام إلى جماعة إرهابية" التهمة الرئيسية في أغلب تلك القضايا.

أكدت المبادرة المصرية أن إجراءات سير الدعوى في قضية "العائدون من ليبيا" افتقرت إلى أدنى معايير المحاكمة العادلة، بداية من القبض والاحتجاز، إلى إساءة المعاملة والتعذيب، حيث تعرض جميع المتهمين في تلك القضية بلا استثناء لفترات من الاختفاء القسري تتراوح من ثلاثة أيام إلى أكثر من مئة يوم، وذلك قبل أن تفصح وزارة الداخلية عن أماكن احتجازهم. كما تعرض أغلبهم للضرب والتعذيب كما هو ثابت بأقوالهم أمام نيابة أمن الدولة العليا، وأمام المحكمة، وهو ما أكده أهالي بعض المتهمين ومحاموهم لباحثي المبادرة المصرية.

قالت والدة عمر همام أحد المتهمين في القضية (وهو مصري-أمريكي، وبرأته المحكمة هو ووالده أمس): "في 12 مارس 2015 وأثناء استعداد عمر للسفر بعد قضائه إجازة طويلة مع أهله في مصر، قام بالاتصال بي حيث كنت أودعه خارج صالة مطار القاهرة الدولي وأخبرني بأنه يواجه مشكلة وأن اﻷمن استوقفه. وبعدها انقطع الاتصال معه، ولم أتوصل إلى مصيره وأين ذهب. وبعد 51 يومًا من محاولات التعرف على مصيره، أبلغتني السفارة اﻷمريكية أنهم تواصلوا مع مكتب النائب العام المصري بخصوص عمر، وكان رد النائب العام بأنه محبوس على ذمة القضية رقم 25 لسنة 2014 حصر أمن الدولة العليا".

ترجع وقائع القضية إلى10 يناير 2014، حيث قامت قوات من الشرطة بالقبض على 13 شخصًا، عن طريق مداهمة منازل خمسة منهم، والقبض على الآخرين من الشوارع في القاهرة الكبرى وعلى ثلاثة من مطروح، وذلك وفقًا لمحاضر اﻷمن الوطني التي تمكنت المبادرة المصرية من الإطلاع عليها. وقد تم إخفاؤهم قسريًّا واحتجازهم بمعزل عن العالم فترات تتراوح ما بين ثلاثة أيام إلى مئة يوم، واتهامهم حينها بالتخطيط لـ"عمليات إرهابية" أثناء إجراء الاستفتاء على الدستور في يناير 2014.

وبعد ما يزيد على عام من الحبس الاحتياطي للمتهمين قامت نيابة أمن الدولة العليا بإحالة 16 متهمًا إلى محكمة جنايات القاهرة في 1 فبراير 2015 أي بعد 13 شهرًا من وقائع القبض على المتهمين، وبدأت محكمة جنايات القاهرة في نظر القضية في أغسطس 2015، ليأتي حكمها اليوم بعد 34 شهرًا منذ بدء احتجاز أغلب المتهمين فيها. الذين تجاوزوا أقصى مدة حبس احتياطي مقررة بموجب المادة 143 من قانون الإجراءات الجنائية وهي سنتان في سائر مراحل الدعوى.

اعتمدت نيابة أمن الدولة العليا على تحريات اﻷمن الوطني التي جاءت استنادًا إلى مصادر سرية، كما هو مثبت في محاضر التحريات، لم تعتمد على أية أدلة سواها، والتي تعد "مجرد قرينة، ولا تصلح كدليل إدانة وحيد في حد ذاتها"، وفقًا للمبدأ الذي أرسته محكمة النقض المصرية، والمعايير الدولية الخاصة بالمحاكمة العادلة.

وجهت نيابة أمن الدولة العليا إلى المتهمين جميعهم تهمة الانضمام إلى "جماعة إرهابية" دون ذكر اسم تلك الجماعة في أمر الإحالة، والتي تم وصفها بأنها "تدعو لتكفير الحاكم وشرعية الخروج عليه وتغيير نظام الحكم بالقوة، والاعتداء على أفراد القوات المسلحة والشرطة ومنشآتهما، واستباحة دماء المسيحيين ودور عباداتهم واستحلال أموالهم وممتلكاتهم، واستهداف المنشآت العامة وكان الإرهاب من الوسائل التي تستخدمها". كما تم اتهام أول سبعة متهمين في أمر الإحالة بالالتحاق "بمنظمات وجماعات إرهابية مقرها خارج البلاد تتخذ من الإرهاب والتدريب العسكري وسائل لتحقيق أغراضها بأن التحقوا جميعًا بجماعات تابعة لتنظيم القاعدة الإرهابي بدولة ليبيا"، وأضاف أمر الإحالة أيضًا: "شارك المتهمون من الثاني حتى السابع في عمليات منظمة دولة الإسلام بالعراق والشام الإرهابية غير الموجهة إلى مصر". وذلك في الفترة من عام 2011 حتى 26 إبريل 2014، ومن الواضح أن الفترة من يناير وحتى 26 إبريل 2014 كان أغلب المتهمين (13 متهمًا من أصل 16) محتجزين وتم إخفاؤهم قسريًّا. ووفقًا لتحقيقات نيابة أمن الدولة عليا فقد أنكر المتهمون كل هذه الاتهامات.

من الجدير بالذكر أن أوراق القضية المسماة إعلاميًّا "العائدون من ليبيا" تخلو من أي دليل يُثبت دخول أو خروج أي من المتهمين من أو إلى ليبيا، إلا ما ذكره أحد ضباط اﻷمن الوطني، والذي قام بالتحريات، عن سفر المتهم مصطفى عبد الوهاب إلى ليبيا والانضمام إلى تنظيم القاعدة في ليبيا لقتال الجيش الليبي، ثم تنظيم القاعدة في مالي لقتال القوات الفرنسية مع آخرين مضيفًا أنه لم يستدل عليهم، وفقًا لتعبيره، وذلك بدون إضافة أي أدلة مادية سوى الاعترافات الأولية للمتهمين والتي أنكروها فيما بعد مؤكدين أن تلك الاعترافات انتزعت تحت التعذيب.

قال شريف محيى الدين الباحث بالمبادرة المصرية: "بالرغم من أن مصر تواجه تهديدًا حقيقيًّا يتمثل في قيام جماعات مسلحة باستهداف قوات الأمن، سواء من الجيش أو الشرطة، لكن تلفيق الاتهامات والقبض والاحتجاز دون سند قانوني لفترات طويلة، وتعذيب المحتجزين للإقرار باعترافات غير حقيقية، وإحالة القضايا إلى المحاكم بناء على تحريات اﻷمن الوطني دون أدلة إدانة حقيقية، ودون أية اعتبارات لمعايير المحكمة العادلة، ليست هي المواجهة الحقيقية للمجموعات التي تتبنى العنف المسلح. ولا تؤدي سوى إلى وقوع انتهاكات ضد مزيد من المواطنين.

وتؤكد المبادرة المصرية مرة أخرى أن الضمان الحقيقي لحماية أمن وسلامة المواطنين هو التزام الدولة بمعايير العدالة الجنائية والمحاكمة العادلة، ومعايير حقوق الإنسان بشكل عام المنصوص عليها في الدستور المصري والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، كخطوة أولى، ضمن خطوات أخرى، في مواجهة الجماعات التكفيرية المسلحة.