الشعب يريد أشياء قبيحة أحيانا

الأحد 1 سبتمبر 2013

نشرت جريدة التحرير فى عددها الصادر فى 29 أغسطس 2013 بعض تفاصيل تحقيقات النيابة فى مجزرة سجن أبوزعبل حيث قتل 37 مواطنا محبوسين احتياطيا على خلفية أحداث مسجد الفتح إثر إلقاء الظابط المسئول بالسجن قنبلة غاز داخل السيارة وهم بداخلها حتى قضوا جميعا عدا سبعة أفراد. ووردت شهادة هؤلاء بالجريدة كما يلى: «استمعت النيابة إلى أقوال المتهمين السبعة الناجين من المجزرة الذين أكدوا فى أقوالهم بالتحقيقات أنهم تم نقلهم داخل سيارة واحدة وصل عددهم 44 متهما داخلها، وفوجئوا عقب وصولهم سجن أبوزعبل تنفيذا لقرار النيابة العامة بحبسهم 15 يوما بقوات الشرطة تعتدى على زملائهم بأول السيارة بجوار الباب بالضرب، ثم قام الضابط المسئول عن المأمورية بإلقاء قنبلة غاز داخل السيارة وإغلاق بابها وفى مشهد غير إنسانى رفض الاستجابة إلى توسلاتهم وصرخاتهم بفتح الباب واكتفى بالانتظار والفرجة بجوار زملائه من المسئولين عن المأمورية وضباط سجن أبوزعبل، الذين رفضوا التدخل وحماية السجناء وانتظروا حتى تأكدوا من مصرع كل الموجودين بالسيارة، ثم قام بفتح بابها وقاموا بفرز الجثث وتفاجأوا بأننا على قيد الحياة»

قتل هؤلاء المواطنون بطريقة بشعة ليس فقط تحت سمع وبصر الدولة وإنما بأيديها أيضا. لا هو الحادث الأول ولن يكون الأخير للأسف ما بقى جهاز الشرطة المتوحش هذا دون إصلاح ومحاسبة. إلا أن المؤسف بشكل خاص فى هذه القصة الحزينة أن المسئولية هنا يجب أن يتحملها ليس فقط الأيادى التى نفذت الجريمة وإنما قطاع عريض من المجتمع والذى وضعته الظروف الحالية وحالة التحريض الإعلامى المتواصلة فى حالة نفسية ربما غير متوازنة حتى بات يحلم بطريقة سريعة وناجزة يتخلص بها من عنف الإخوان ووحشية تصرفات الجماعة وآخرين ممن ينتسبون للتيار الإسلامى. المؤسف بالفعل أن مجزرة أبوزعبل هى تنفيذ حرفى للعبارات التى صارت اعتيادية ويتم ترديدها من قبل مصريين عاديين طيبين وتقديمها كحل فورى للمشكلة، عبارات من قبيل: «ما تلموهم كلهم فى حتة واحدة وتولعوا فيهم بجاز ونخلص بقى». كما أن المجزرة هى مد للخط على استقامته للاستهانة باعتبارات حقوق الإنسان بل وبالنظر إليها كالعقبة الرئيسة فى سبيل «تنظيف» مصر من بعض الشوائب حتى نحيا جميعا فى التبات و النبات إلى الأبد.

ظنى وأملى أن الناس ربما غير مقدرين تماما لما ينادون به أو ربما هو غير معبر عن مشاعر واتجاهات ربما تكون أعقد وأكثر تركيبا مما يمكن أن تترجمه لحظات انفعال وذعر. ربما يدرك البعض فداحة ما يقولونه لو تخيلنا مثلا أن الداخلية توجهت للشعب قائلة: طلباتك أوامر يا شعبى العزيز ــ ها قد جمعنا لك عددا لا بأس به ممن هم فى الغالب أعداء الوطن فى مكان واحد وخلصناك منهم. قد يكون البعض منهم برىء؟ لا يهم التضحية بكام ألف أو كام مليون فى سبيل أن تحيا مصر فى سلام كما تقول أنت يا شعبى العزيز.

 

للحق لم أصادف أحدا دافع عن جريمة أبوزعبل وإن صادفت عديدا ممن سارعوا عند ذكرها بترديد سؤال يفترض أنه مفحم: ما رأيك فى الجنود الذين قتلوا فى رفح بدم بارد وبطريقة بشعة؟ تمام. ما أقوله هو بالتحديد من منطلق الحرص على ألا يلقى مواطنون آخرون جنودا كانوا أو غير ذلك مصيرا مشابها جراء تعميم العنف واعتياده وخلق عداوات ثأرية يتم خلالها الانتقام ممن لا ذنب لهم. رجائى لك يا شعبى العزيز: حاسب على كلامك وحافظ على الذكرى الطيبة لهتاف «الشعب يريد».

 

باحثة مصرية

 عضو مجلس امناء المبادرة المصرية

 


منشور بجريدة     الشروق بتاريخ 1 سبتمبر  2013