ومازالت استراتيجية "مدن الأشباح" مستمرة...

يحيى شوكت

نشرت جريدة الأهرام في عددها الصادر يوم الأحد 12 مايو خبرا تحت عنوان "إنشاء ‏44‏ مدينة جديدة‏ فى مختلف المحافظات..‏ والتنفيذ فورا". في متن الخبر أعلن المهندس نبيل عباس، النائب الأول لهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، إستراتيجية الهيئة للأربعين عام القادمة، قائلا إنه قد تم الاتفاق على تخطيط 44 مدينة جديدة وإمدادها بالمرافق خلال الأعوام الأربعة القادمة، وذلك كخطوة أولى يبدأ بعدها السماح للمواطنين بالسكنى على مراحل من 2017 حتى 2052.

 

لو كان هذا الخبر قد نُشر عام 1977، لربما كنا اعتبرناه خبرا سعيدا وبشرة خير. ففي هذا العام بالتحديد انطلق المشروع القومي لبناء المدن الجديدة بالصحراء تحت دعاوى إستيعاب الزيادة السكانية والخروج من الوادى الضيق والحفاظ على الرقعة الزراعية.

بدأ المشروع بأربع مدن هى العاشر من رمضان والسادات والسادس من أكتوبر والخامس عشر من مايو. ثم توالت المدن الجديدة وزادت أحجامها لتصل إلى نحو 20 مدينة كان مقدرا لها استيعاب 3.5 مواطنا عام 2006 و8 مليون مواطنا عام 2017.

 

كل هذه الأحلام، أو الأوهام، تبددت على مدار الأعوام الخمسة وثلاثين الماضية. فقد تحولت غالبية المدن إلى "مدن أشباح"، بعد أن ارتفعت تكلفة المساكن والأرض[i] بها إلى حد طارد للمواطنين، وبعد أن غابت الخدمات الأساسية كوسائل المواصلات التي تربط مواقع العمل بأماكن السكنى.

 

أدى كل هذا إلى عزوف المواطنين عن التوجه إلى المدن الجديدة. حيث أثبت تعداد 2006 أن سكان جميع المدن الجديدة لم يتعد نحو 800 ألف نسمة، أى 20% فقط من الرقم المستهدف في الخطة الأصلية[ii].

 

والآن، بعد أكثر من ثلاثين عاما، مازالت السلطة الجديدة، المنتخبة بعد ثورة كبرى، تصر على استراتيجية ثبت فشلها نظرا لاعتمادها على منظومة للتخطيط الفوقي غير الديمقراطي الذي لا يراعي احتياجات المواطنين أو اختياراتهم الحرة.

 

تدير منظومة المدن الجديدة جهة مركزية غير منتخبة تتبع وزارة الإسكان هى هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة. ورغم أن "المجتمعات العمرانية الجديدة" بدأ إنشاؤها في عصر الانفتاح واقتصاديات السوق، فإن تخطيطها واختيار مواقعها ووظائفها العمرانية قد أقروا جميعا في إطار أساليب تخطيط تعود إلى عصر التخطيط المركزي.

 

كذلك فإن المدن الجديدة لا تخضع للنظام الإداري المحلي المصري. فبرغم عيوبه، يتيح هذا النظام قدرا من المشاركة من جانب السكان المحليين، من خلال ممثليهم المنتخبين، في إقرار ومراقبة السياسات العمرانية والتنموية المحلية.

 

على العكس من هذا، فإن المدن الجديدة تمثل، بعد إتمام إنشائها وسكناها، مجالا غير ديمقراطي. حيث مازالت أجهزتها تابعة لهيئة المجتمعات العمرانية رغم أن القانون 59 لسنة 1979 قد نص صراحة على نقل تبعيتها للإدارة المحلية.

 

وهكذا فإن مركزية التخطيط والإدارة في استراتيجية المدن الجديدة تعارض الفلسفة العمرانية الديمقراطية. فلكي يكون التخطيط صائبا ومبنيا على الاحتياجات الفعلية للمواطنين، يجب أن تكون هناك مساحة ملائمة لمشاركة المجتمع في عملية التخطيط، وهذا غير متوفر. كذلك فإن التخطيط الفعّال، خاصة في المجال العمراني، لابد أن يكون غير مركزي بحيث تتاح لكل إقليم الفرصة أن يوزع الموارد المخصصة له بشكل يتناسب مع تركيبته وخصائصه.

 

المفارقة الحقيقية هي أن هذه المركزية المفرطة، التي يدعي البعض أن لها منطقها الاقتصادي، لم تؤت أي ثمرة اقتصادية. فأصبحنا في واقع الحال نواجه لاديمقراطية في التخطيط تؤدي إلى إهدار اقتصادي هائل. فقد استهلكت المدن الجديدة منذ إنشائها ما بين 10% إلى 22% من إجمالي مخصصات البنية التحتية سنويا (حوالي 58 مليار جنيه)، ورغم ذلك فإن إجمالي سكانها لا يزيد على 1% من المواطنين.

 

وفي المقابل، فإن المواطنين العازفين عن السكنى في المدن الجديدة يواصلون التعدي على الأراضي الزراعية لبناء مساكن يرونها هم، من حيث الموقع والمواصفات، أكثرة ملائمة من مساكن أطراف الصحراء غير المؤهلة لجذب كتل سكانية المسماة بالمدن الجديدة. وهكذا خسرت مصر نحو مليوني فدان خلال العقود الأربعة الماضية رغم وعود مخططي المدن الجديدة بالحفاظ على الأراضي الزراعية.

 

التوسع المخطط للمجتمعات العمرانية القائمة وبناء مجتمعات جديدة شئ مطلوب. لكن حتى يصبح هذا التوسع قائما على سياسة تنطلق من هدف تحقيق العدالة الإجتماعية والإقتصادية ودعم الفئآت المستضعفة لابد من إيقاف جميع المشاريع الفاشلة والوهمية مثل بناء 44 مدينة جديدة، ولابد من إستبدال آلية تخطيط وإدارة المجتمعات العمرانية الحالية بأخرى قائمة على المشاركة المجتمعية تسعى لتلبية الإحتياجات الحقيقية للمواطن بدلا من خضوعها لمصالح القلة.


[i]  زادت أسعار الأراضي في المدن الواقعة في حزام القاهرة الكبرى بنسبة 1600% خلال الأعوام العشرة الماضية.

[ii] تستخدم هيئة المجتمعات العمرانية إحصآت خاصة بها والتى تظهر أضعاف عدد سكان إحصاء التعبئة العامة والإحصاء نظراً لإستشهادها بعدد الوحدات التى تم تنفيذها وليس عدد الأسر.