عن الطاقة والبيئة والموارد المالية.. حديث لا ينتهى

25 سبتمبر 2017

فى الوقت الذى تتجه فيه أنظار أغلب بلدان العالم إلى السعى نحو الطاقة المتجددة أو ما يطلق عليه الطاقة النظيفة، والتى تمثل نوعا من أنواع الطاقة التى لا تنضب ولا تنفد، وتشير تسميتها إلى أنها كلما شارفت على الانتهاء تتواجد مجددا، ويكون مصدرها أحد الموارد الطبيعية، كالرياح، والمياه، والشمس، وأهم ما يميزها أنها طاقة نظيفة وصديقة للبيئة، لكونها لا تخلّف غازات ضارة كثانى أكسيد الكربون، ولا تؤثر سلبا على البيئة المحيطة بها، كما أنها لا تلعب دورا ذا أثر فى مستوى درجات الحرارة ــ فإن مصر تتجه إلى استخدام الطاقة النووية، وهو المشروع الضخم الذى تعاقدت فيه مصر مع دولة روسيا بموجب قرار رئيس الجمهورية رقم 484 لسنة 2015 بالموافقة على الاتفاقية الموقعة بين حكومتى مصر وروسيا الاتحادية بشأن تقديم قرض تصدير حكومى من روسيا، لإنشاء هذه المحطة النووية، والبالغ قيمته 25 مليار دولار ويهدف إلى إنشاء محطة الطاقة النووية بالضبعة بشمال مصر، والذى يتم الترويج له على أساس كونه أول وأكبر محطة للطاقة النووية فى إفريقيا والوطن العربى كله.

تعتبر الطاقة النووية واحدة من أنواع الطاقة المستخدمة فى توليد الكهرباء، وتُعرف بأنها تلك الطاقة المُنتَجة بواسطة السيطرة على تفاعلات انشطار أو اندماج الأنوية الذرية، وتعتبر هذه الطاقة ــ من وجهة نظر العلماء ــ مصدرا حقيقيا لا ينفد، وتمتاز باستهلاكها المنخفض للوقود بالمقارنة مع محطات الوقود الأحفورى الذى يعتبر مصدرا نظيفا نظرا لعدم إطلاقه مواد كيميائية وملوثة خلال استخدامه، كما أنها تنتج كميات ضخمة من الطاقة، وتعتبر نسبة الانبعاث الإشعاعى التى تطلقها محطات الطاقة النووية منخفضة نسبيا، كما يعتبر طول أمد تشغيل المحطات إلى فترة زمنية تصل إلى 40 سنة ميزة إيجابية بالطاقة النووية. أما عن سلبيات الطاقة النووية فتتمثل فى التكلفة باهظة الثمن خاصة لتلك المحطات طويلة الأمد، والحاجة الماسة إلى كميات ضخمة من الماء لتشغيل المفاعلات النووية، وتخزين النفايات المشعة فى المناطق الخالية من الأخطار الزلزالية، وصعوبة التخلص من النفايات المشعة، هذا بالإضافة إلى وجود مخاوف كبيرة تتمحور حول السلامة العامة لسكان الأرض.
***

فى عالم اليوم بالذات باتت موضوعات السلامة من أخطار الإشعاعات النووية ومشاكل التخلص من النفايات وبقايا التحولات النووية من الأمور ذات الخطورة التى تشغل بال الكثير من الناس مختصين وغير مختصين. وأغلب هذه المشكلات لم يزل دون حل مرض ونهائى يستجيب لمتطلبات وشروط ومقاييس السلامة العامة. جعل هذا الموضوعُ بالذات كلفةَ بناء محطة نووية لإنتاج الطاقة الكهربائية أكبر بكثير من تصورات المخططين والمهندسين ومن يهمهم الأمر، وخاصة حكومات البلدان الفقيرة، هذا فضلا عن الديون وفوائدها الباهظة التى تثقل كاهل هذه الحكومات والبلدان وتكاد أن تقصم ظهور البعض منها. 

وقد ارتبط استخدام الطاقة النووية فى أذهان الكثيرين بالحوادث المؤلمة، ومن بين تلك الحوادث المؤلمة ما حدث فى أوكرانيا حينما تعرض أحد المفاعلات النووية إلى حادث تسرب إشعاعى، والذى كان نتيجته مقتل (31) شخصا، إضافة إلى تعرض الآلاف من البشر إلى خطر الإصابة بالإشعاعات النووية، وما تسببه تلك التسريبات الإشعاعية من إعاقات، وتشوهات مؤلمة للغاية للبشر، علاوة على الأضرار الخاصة بالبيئة، ومن تلك الآثار البيئية الانبعاث الإشعاعى بمستوى منخفض حيث تطلق محطات الطاقة النووية باستمرار انبعاثات إشعاعية بنسبة منخفضة فى البيئة، ويختلف العلماء فى تقدير الآثار الناجمة عن النسبة المنخفضة للإشعاعات المستمرة. وربطت الدراسات التى تناولها أكبر الحقول العالمية فى كارنفيل ومايوكلينك وأوكسفورد وهارفارد، وحتى مراكز منظمات الصحة العالمية والبيئة ــ بين زيادة معدل الإصابة بالسرطان وبين الذين يعيشون بالقرب من محطات الطاقة النووية، كما اتضح علميا أن التعرض للإشعاع على المدى الطويل ولو لكمية قليلة يصيب الأفراد بتلف فى الحمض النووى الخاص بهم، كما تعتبر النفايات الإشعاعية مصدر قلق كبيرا على مستوى عالمى؛ حيث إن النفايات الناتجة عن محطات الطاقة النووية تبقى فاعلة ونشطة لمئات الآلاف من السنين، وحاليا يتم تخزين الكثير من النفايات المشعة من محطات توليد الكهرباء نظرا لضيق المساحة ولكن فى نهاية المطاف سيتعين على مستخدميها نقلها لمكان آخر، وقد اقترحت خطط دولية أن تدفن النفايات المشعة فى جبال بعيدة أو تلقى فى الفضاء.

ويرتبط موضوع دفن النفايات المشعة بالعديد من القضايا من حيث خطورة النقل والأثر المحتمل عن وقوع حوادث والضرر الناجم عنها، فوقوع حادث على سبيل المثال لشاحنة عملاقة تنقل النفايات المشعة يزيد من خطر تسربها، فضلا عن الخوف من تسربها بعد الدفن من البراميل المخزنة بها، ويبقى الخوف من امتلاء مواقع دفنها فى الأرض والحاجة لأماكن جديدة مستقبلا.

***
على جانب آخر فقد أعلنت حكومة إمارة دبى عن ترسية عقد تنفيذ مرحلة رابعة فى مشروعها للطاقة الشمسية على تحالف يضم شركتين سعودية وصينية وبتكلفة بلغت أكثر من 3.8 مليارات دولار، وقد نفذت المرحلة الأولى من هذا المشروع فى 2013 وشملت 152 ألفا من الألواح الشمسية الكهروضوئية بطاقة 13 ميجاواط، بينما افتتحت المرحلة الثانية فى مارس الماضى بقدرة تبلغ 200 ميجاواط.

وإن كان يُعاب علميا على مشروعات الطاقة المتجددة أو النظيفة الكلفة المالية العالية لإنشائها، ولكن بالمقارنة بالحال الذى نحن عليه، وخصوصا أننا فى حالة اقتراض طويل الأمد بخصوص محطة الضبعة النووية، ألم يكن أجدر بنا أن نتحاور فعليا مع الطاقة المتجددة على الأقل على مستوى الطاقة الشمسية، إذ إننا من البلدان المشمسة طوال العام، حتى ولو تم ذلك بطرق تدريجية، ربما كانت أوقع لحالنا الاقتصادى وتماشيا مع الظروف التى نمر بها من النواحى المالية، وأمر النواحى المالية فى حاجة إلى دراسات أطول من هذا المقال، فكم الدين الناتج عن إنشاء هذه المحطة النووية سوف تتحمله أجيال متتالية سواء من حيث قيمة القرض ذاته أو من حيث الفوائد المترتبة عليه، هذا بغض النظر عن صلاحية البيئة المصرية لأن تتماشى فعليا مع المفاعلات النووية وما سبق قوله عن آثارها البيئية التى نالت من دول أكثر منا حفاظا ومراعاة لحقوق البيئة، فأى خطر ناجم عن هذه المحطات تكون كلفته على المجتمع عالية، كما أن البيئة المصرية فى حالة من التردى العام التى قاربت على الانهيار، فنحن نتصدر قائمة الدول الأكثر تلويثا للبيئة، ولسنا فى حاجة لمزيد من المعاناة فى الشأن البيئى.

ومن هنا، فإننى أرى أنه كان من الأوقع أن تتجه تطلعات الحكومة المصرية إلى سبل أكثر أمنا وأمانا وهى فى سبيلها إلى اتخاذ خطوات فعلية نحو تحديثات الطاقة واللجوء إلى الأسلوب النووى متمثلا فى محطة الضبعة النووية، وهو أسلوب الطاقة النظيفة والتى تعد منها الطاقة الشمسية هى أفضل السبل المتماشية مع البيئة المصرية، حتى لو كان ذلك بشكل جزئى أو متسلسل، كما أننى أدعو الحكومة المصرية إلى احتذاء التجربة الإماراتية فى هذا الشأن ولو على سبيل التجريب الجزئى فى منطقة أو محافظة من المحافظات المصرية.

تم نشر هذا المقال عبر موقع جريدة الشروق الإلكتروني بتاريخ 25 سبتمبر 2017