نمط استهلاك الفقراء وأزمة مصر الاقتصادية

أسامة دياب

الأمر الوحيد الذي قد يبعث على التفاؤل في ظل الأزمة الحالية، هو أن الأزمات مثلما تؤدي لكوارث في كثير من الأحيان، فإنها في أحيان أقل تفسح المجال لحلول إبداعية جديدة بعد إثبات عدم جدوى الحلول التقليدية التي أدت إلى الأزمة.وقد تؤدي الأزمات كذلك للإسراع بإحداث تغييرات جذرية في المجتمع، قد تكون إيجابية، لكن شرط حدوث ذلك في مصر هو أن يتم السماح لتلك التغييرات بالتبلور، وتخلي الطبقات الاجتماعية النافذة (المتوسطة فما فوق) عن رؤيتها الضيقة جدا والسطحية وقصيرة النظر لمصالحها، لأن الأزمات قد تؤدي أيضا لخروج الأمور عن السيطرة، أو إلى تغيير جذري باتجاه الأسوأ، كما علمتنا تجارب التاريخ والحاضر القاسية.

ففي أمريكا على سبيل المثال، في ثلاثينات القرن الماضي خلال الأزمة الاقتصادية الطاحنة المعروفة بالكساد الكبير، قامت مجموعة من كبار الرأسماليين بتبني إصلاحات عرفت بـ"الصفقة الجديدة" تبدو في ظاهرها إصلاحات "اشتراكية" تضر بمصالح رأس المال.واستنفرت هذه الإصلاحات مجموعات أخرى من الرأسمالية لتهاجمها بشدة.

لم تكن تلك الإصلاحات "اشتراكية" ولكن الهدف منها كان في الحقيقة هو تنشيط الأسواق والطلب، بما يعود على الصناعات وعلى رأس المال بالنفع.

ومن ضمن تلك الإصلاحات، الرامية لزيادة القدرة الشرائية للعمال وللفقراء، كان فرض حد أدنى للأجور وعدد أقصى لساعات العمل، وتعزيز حرية التنظيم النقابي وتوفير إعانات للعاطلين عن العمل وهي كلها إصلاحات طالما ارتبطت باليسار والفكر الاشتراكي، لكن المفارقة أن تم دفعها في الولايات المتحدة في تلك الفترة من قبل نخبة الأعمال والصناعة.

وقد حان الوقت في مصر لأن يخرج خطاب العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة من دوائر الثورة واليسار ومجالات التناول الأخلاقي، إلى أروقة صناعة القرار الاقتصادي التي طالما كانت مدفوعة بانحيازات اجتماعية لا علاقة لها بالعدالة، كوسيلة للخروج الآمن والشامل والعادل من المأزق الاقتصادي الحالي.

 فتبني سياسات تساعد على تخلي الطبقات الأغنى عن جزء من قدرتها الشرائية وأنماط إنفاقها واستهلاكها، ونقل تلك القدرة الشرائية للطبقات الأفقر قد يحمل الحل أو على الأقل جزءا من حل أزمة مصر الاقتصادية، من منظور أكثر جذرية، بعد الفشل المتتالي لسياسة المسكنات التي تفاقم من الأزمة وتعمقها، حتى وإن كانت تؤجل انفجارها.

وبعد الفشل المتتالي لنظريات تساقط الثمار التي تعتمد في جوهرها على وجود نمو لا نهائي في مجمل الثروة، يسمح بتحسين أوضاع الجميع حتى لو لم يتم أي نوع من أنواع التوزيع لهذه الثروة. فما الضرر لو أصبح الأثرياء أكثر ثراءً، طالما أصبح الفقراء أقل فقرا؟

أغلب السياسات التي سنتناولها تتبناها الدول الغنية والناجحة اقتصاديا، مثل تشجيع استخدام المواصلات العامة عن طريق رفع تكلفة تملك وقيادة السيارة، وتشجيع استهلاك الأغذية المصنعة محليا في مقابل الأغذية المستوردة، بل وتم تغيير الثقافة الاجتماعية بنجاح في تلك الدول بحيث لم يعد تملك سيارة واجهة اجتماعية ضرورية، وفي الكثير من الأحيان أصبح تملك دراجة والتنقل بها من مظاهر الانتماء للطبقة الوسطى المتعلمة الواعية بإشكاليات البيئة وتحدياتها.

كذلك الاعتماد على الطعام المزروع محليا وأشكال التغذية والسكن الأكثر استدامة.

في مصر للأسف مازال التنقل منفردا في سيارة، وأنماط استهلاك الطاقة المنزلية المرتفعة والاعتماد على المأكولات والملابس المستوردة القادمة من مسافات بعيدة، وبالتالي يزداد مكون الطاقة فيها، من أهم مظاهر الترقي الاجتماعي، وتعد كل تلك الأنشطة الاستهلاكية بشكل مفرط محددات للوضع الاجتماعي، فلم يعد يتبنى أنماط الاستهلاك المستدامة التي تعتمد على المنتج المحلي والاستخدام المنخفض للطاقة إلا الفقراء (مجبرين وليسوا مخيرين بالطبع).

تغيير أنماط استهلاك الأغنياء

جزء كبير من الأزمة الاقتصادية المصرية قائم على زيادة عجز الميزان التجاري، وبالتالي الضغط على العملة الصعبة، والزيادة المطردة في استهلاك الطاقة وما يشكله ذلك أيضا من ضغط على العملة. ويمكن حل جزء من المشكلة عن طريق نهجين؛  النهج الأول هو تبني القادرين لأنماط استهلاك تقلل الضغط على الموارد، وهو ما يمكنهم فعله طوعا وجزئيا الآن لتفادي فعله مجبرين وبشكل أعنف في المستقبل.

تلقائيا، يميل الفقراء لاستهلاك المنتجات المصنعة والأغذية المزروعة بالقرب منهم، لانخفاض تكلفتها مقابل المنتجات المستوردة التي تأتي من بعيد (يستثنى من ذلك المنتجات الصينية الرخيصة). فبدلا من استهلاك الفواكه القادمة من أمريكا اللاتينية التي تعادل ضعف ثمن الفاكهة المحلية، وتضع ضغطا على الدولار وتساهم في تلوث البيئة، يستهلك الفقراء عادة الفواكة والخضروات والأغذية المزروعة والمصنعة محليا، مما يدعم العملية الصناعية ويخلق فرص عمل محلية ويقلل من الضغط على الدولار وعلى الموارد الطبيعية على حد سواء.

"استهلك المنتج المصنوع بالقرب منك"، يجب على القادرين والأغنياء تبني هذا المفهوم الأكثر استدامة عن الاستهلاك.

ومع زيادة الوعي بهذه المسألة والاتجاه إلى استهلاك تلك المنتجات، سوف تسعى المحال التجارية لعرض نفسها ككيان يحافظ على البيئة ويدعم الاقتصاد المحلي، كما هو حادث في دول كثيرة غنية تواجه أزمات بيئية بسبب الاستهلاك الزائد للموارد الطبيعية والطاقة.

الفقراء أيضا يستهلكون طاقة أقل لعدم قدرتهم على تملك أجهزة تبريد وتسخين كثيرة- وهي الأجهزة مرتفعة الاستهلاك للطاقة- فضلا عن عدم قدرتهم على تحمل فواتير طاقة مرتفعة الثمن. هذا بالإضافة إلى اعتمادهم على منتجات وأغذية محلية رخيصة يتم نقلها لمسافات قصيرة، بعكس الأغنياء الذين يعتمدون أكثر على البضائع المستوردة.

الحل في أن يصبح القادرون والأغنياء أكثر وعيا باستهلاكهم للطاقة، ويخفف هذا أيضا من الطلب على الدولار والضغط على الموارد الطبيعية الشحيحة والبيئة.

حان الوقت لأن يخرج خطاب العدالة الاجتماعية من دوائر الثورة واليسار ومجالات التناول الأخلاقي، إلى أروقة صناعة القرار الاقتصادي، كوسيلة للخروج الآمن والشامل من المأزق الحالي

أما فيما يخص وسائل النقل، فيتنقل الفقراء بشكل جماعي في وسائل المواصلات العامة كالميكروباص والمترو والأتوبيسات والقطارات، أو بشكل فردي على الدراجات البخارية والدراجات العادية، في حين يعتمد الأغنياء أكثر على السيارات الخاصة المستوردة، مما يفاقم من أزمة التلوث السمعي والبصري وطبعا التلوث الهوائي والزحام المروري، وكل ما يحمله ذلك من تكلفة اقتصادية واضحة، واحتقان اجتماعي وضغط عصبي، فضلا طبعا عن زيادة الطلب على الدولار.

الفقراء عادة أيضا ما يسكنون بالقرب من محل عملهم، فأغلب الفقراء يعملون في القطاع غير الرسمي أو العمل الحر الذي يتميز بمرونة اختيار مكان العمل مقارنة بالعمل المكتبي في القطاع الرسمي، بالإضافة إلى أن استخدامهم المواصلات العامة يجعل تأثيرهم على الزحام والتلوث البيئي أقل بكثير من نظرائهم القادرين والأغنياء خاصة وأنهم أكثر اعتمادا على وسائل النقل الخفيفة كالعجل والدراجات البخارية للتحرك بين تلك المسافات القصيرة.

الفائدة العظمى من هذا الأمر بجانب الحد من الزحام والتلوث والضغط على الموارد الدولارية المحدودة، هو القضاء على فكرة السيارة كمظهر للوجاهة الاجتماعية والتخلص من هذه العادة البالية التي ندفع ثمنها من أعصابنا ورئتنا وجيوبنا. طبعا على الحكومة أن توفر وسائل نقل مريحة ونظيفة تساعد على إحداث هذه النقلة، فمن حق الجميع ألا تهدر كرامتهم في المواصلات العامة يوميا وهم في طريقهم لمحل عملهم أو مكان دراستهم.

كذلك فكلما زاد الدخل ذهب الأشخاص بعيدا للتنزه أو السياحة، مما يعني أن جزء من دخل الأغنياء، يذهب للسياحة الخارجية، أما أصحاب الدخول الأدنى فإنهم يتنزهون بالقرب من أماكن سكنهم، وعندما يسافرون للسياحة فمن المؤكد إنهم سيسافرون إلى مكان داخل مصر، مما يدعم الاقتصادات المحلية ويخلق فرص عمل.

يعني هذا أن زيادة القدرة الشرائية لدى الأغنياء ستؤدي إلى المزيد من الهدر الدولاري، وضياع فرص عمل سواء عن طريق الإنفاق المباشر على السياحة والتسوق في الخارج، أو بشكل غير مباشر عن طريق استهلاك الطاقة، المعتمدة على الموارد الدولارية، في الذهاب بعيدا.

رفع القدرة الشرائية للفقراء

النهج  الثاني هو ضرورة رفع القدرة الشرائية للفقراء، فبجانب الميل للإنفاق الداخلي في مقابل الخارجي، فإن الفقراء ينفقون أغلب أو كل دخلهم، لتدنيه وعدم كفايته أو كفايته بالكاد لتلبية متطلبات الحياة الأساسية.

تخيل معي أن الدولة تريد أن تنشط الاقتصاد والأسواق لتخرج من حالة ركود وتدعم النمو على المدى القصير، فخصصت مبلغ مليون جنيه لضخه في المجتمع بهدف تحريك وتنشيط الأسواق. إذا تم توزيع هذا المبلغ على ألف فقير، بمعدل ألف جنيه للفرد، فغالبا ما سيتم إنفاقه فورا في الأسواق المحلية.

أما إذا تم توزيع هذه الأموال على الأغنياء، فغالبا ما سيتم إدخارها لإنفاقها في وقت لاحق على سلع فاخرة مستوردة، أو ربما كجزء من رحلة للسياحة والتسوق في أوروبا، بما يؤدي لمزيد من الطلب على الدولار، ولا يحقق استفادة للاقتصاد المحلي.

بناء على هذه الأطروحة، فهناك ضرورة لرفع القدرة الشرائية للفقراء من أجل الخروج من الأزمة، لأن نمط إنفاقهم واستهلاكهم المستدام، للأسباب التي شرحناها، هو ما سيضمن نموا مستقرا للأسواق، وتخفيفا لحدة الطلب على الدولار، كما أن تبني الطبقات القادرة والغنية لبعض أنماط استهلاك الفقراء يؤدي أيضا لتخفيف حدة الطلب على الدولار ولاستهلاك أكثر استدامة للطاقة.

قامت الحكومة في العام الأخير، للأسف، بفعل كل شئ ممكن لتنتقص من القدرة الشرائية للفقراء. فضريبة القيمة المضافة المطبقة حديثا هي ضريبة على الاستهلاك، تؤثر سلبا بشكل رئيسي على استهلاك الفقراء، والتضخم العالي، الذي قارب 20% ومن المتوقع وصوله لأكثر من ذلك، يعد أيضا بمثابة ضريبة ضد الفقراء.

وعندما تمول الحكومة نفقاتها عن طريق طبع النقود، تقل قيمة النقود التي بحوزة الناس وينعكس ذلك على أسعار المنتجات، وأكبر المتضررين هم الفئات التي لا تدخر أو الفئات التي تدخر مبالغ قليلة بالعملة المحلية خارج الجهاز المصرفي، لا تحسب عليها فوائد.

الفئات التي ينطبق عليها هذا الوصف هم الفقراء وأصحاب الدخول المتدنية، وبعض الشرائح الأدنى من الطبقة الوسطى، فكلما تزيد ثروة الفرد كلما يقل نصيب النقود السائلة بالعملة المحلية من ثروته في مقابل أنواع أخرى من الأصول، كالأصول العقارية والأموال السائلة بالعملة الصعبة والتي غالبا ما تزيد قيمتها مع زيادة التضخم، أو على أقل تقدير تبقى قيمتها الحقيقة مستقرة.

في فترات التضخم المرتفعة كالتي تشهدها مصر حاليا يزيد وعي القادرين بتحويل الأموال السائلة إلى مخزن آخر للقيمة في شكل ذهب أو عقار أو عملة صعبة، أو حتى وديعة وشهادات ادخارية بفوائد تساوي أو تزيد على معدل التضخم، وطبعا كلما قلت الأموال السائلة أو انعدمت، كلما قلت فرص تحويلها إلى مخزن آخر للقيمة قادر على مواجهة التضخم أو الاستفادة منه.

باختصار، فإن التضخم هو نوع من أنواع ضرائب الاستهلاك التي تؤثر سلبا على القدرة الشرائية للفقراء، وبالتالي تضع جزءا أكبر من الاستهلاك والطلب العام في يد الفئات الأغنى التي كما أوردنا تتميز أنماط استهلاكها بتعميق الأزمة الركودية والتضخمية، فضلا عن الأزمات البيئية والمرورية والاجتماعية.

تم نشر هذا المقال عبر موقع أصوات مصرية بتاريخ 19 ديسمبر 2016