كيف يحمي القانون الإسلام في مصر .. ويعيد إنتاجه؟

1 أغسطس 2018

"هنا في مصر الإسلام هو النظام العام".

هذه العبارة التي قالها نائب رئيس مجلس الدولة المصري، في مؤتمر "دور مجلس الدولة في حماية الحقوق والحريات في الفترة الانتقالية" في الجامعة الأميركية بالقاهرة في إبريل 2017، تصلح تلخيصا لهدف هذا المقال حول الممارسات القانونية التي تستهدف حماية ورعاية الإسلام، كدين رسمي للدولة ودين أغلبية سكانها. ولكن هذه الممارسات تسهم بأشكال متفاوتة في تشكيل الإسلام وإعادة إنتاجه كممارسة اجتماعية معاصرة.

سياق هذه العبارة كان جلسة "دور مجلس الدولة في حماية حرية العقيدة وممارسة الشعائر الدينية"، وتحديدا عند مناقشة ممارسة "الردة"، التي عرض المستشار محمد حسن، نائب رئيس مجلس الدولة، الموقف المستمر لمجلس الدولة منها وهو "عدم إقرار المرتد على ردته". وقد عزا ذلك إلى أن الردة جريمة في الشريعة الإسلامية ولأنه "هنا في مصر الإسلام هو النظام العام"، ولذلك فإن مجلس الدولة لا يقر تغيير ديانة مواطن من الإسلام إلى ديانة أخرى. ورغم رفض تغيير الديانة في الأوراق الرسمية من "مسلم" إلى غير ذلك، فإن ثبوت الردة عند المحكمة تجعلها تقضي بما يترتب على ذلك من إسقاط أهلية المرتد فيما يخص الزواج والميراث وجوانب أخرى من الأحوال الشخصية، فيحكم القضاء بالتفريق بين الزوجين إذا ارتد أحدهما. ولا يرث المرتد من أقاربه المسلمين، وخلافه من تبعات نزع الأهلية.

الربط التام بين الإسلام وبين مفهوم "النظام العام"، ربما يكون مثار جدل فقهي قانوني، نظرا للغموض الذي يكتنف مفهوم "النظام العام" والجدل القانوني الكبير بشأنه، وكذلك بسبب اتساع دلالات ما يمكن أن نعنيه عندما نستخدم كلمة "الإسلام". ولكن تكمن أهمية دلالة العبارة رغم ذلك، في أن مفهوم "النظام العام" في الاستخدام القضائي يشير بشكل فضفاض إلى جملة من الشروط الاجتماعية التي لا غنى عنها لضمان استقرار الحياة داخل الدولة. ويجب على الدولة أن تضمن استمرار هذه الشروط الاجتماعية وتمنع الخروج عليها. هذه الشروط ليست بالضرورة محددة أو محدودة بالنص الدستوري أو التشريعات، ولكنها متروكة لتقدير القضاة، وفي الوقت نفسه فإن مفهوم النظام العام هو "مفهوم آمر" كما في التعبير الفقهي، أي يمثل حدود ممارسة الحريات والحقوق. وأي تعاقد أو ممارسة أو وضع يمثل -وفق تقدير القضاء - إخلالا بالنظام العام فإنه يعد باطلا أو مجرما.

واقتران "حماية الإسلام" بمفهوم "النظام العام" دالّ أيضاً على اعتبار أن هذه الحماية، يتم استدعاؤها كقيد على الحريات والحقوق بأشكال مختلفة، وبأشكال تتعدى نصوص الدستور والقانون. وكما يحصل بشأن مفهوم النظام العام، تخضع "حماية الإسلام" لتقديرات رجال القضاء والنيابة أو أحيانا وفق تقديرات رجال الشرطة أو مسؤولين في الدولة. وأحيانا ما تكون هذه التقديرات مخالفة للدستور والقانون وأحيانا الشريعة أيضا، كما سيأتي تفصيله. تفتح هذه الدلالة أيضا باب التساؤلات حول كون الإسلام، بشكل عام مثل النظام العام، يمثل سلطة غير محددة الملامح بالضرورة، ولكن يتم استحضارها عبر ممارسات قانونية أو مرتبطة بإنفاذ القانون. هذه الممارسات تدافع عن الإسلام أو تمثلاته باعتبارها شرطا اجتماعيا لقيام الدولة أو انتظام الحياة في المجتمع، إلى حد تبني أحد أساتذة القانون لتعبير "النظام العام الإيماني"[1].

يهتم هذا المقال بالأساس بالتأثيرات التي تلعبها جملة هذه الممارسات ذات الطابع القانوني التي تدعي "حماية الإسلام ورعايته" على تشكيل حالة الإسلام، بالأساس كممارسة اجتماعية وبالتبعية على الأفكار والتوجهات التي يتم تعزيزها ودعمها وإعادة إنتاجها عبر الممارسة.

مصير إجباري؟

تشترك السلطة التنفيذية ممثلة في "مصلحة الأحوال المدنية" بوزارة الداخلية، مع الهيئات القضائية في رفض إثبات أي تحول عن الإسلام إلى ديانة أخرى أو إلى الإلحاد أو اللادينية أو لاختيار رفض الإفصاح عن الديانة.

ويقدم حكم محكمة النقض في قضية التفريق بين نصر حامد أبو زيد وزوجته ابتهال يونس تبريرا لاستحضار أحكام الردة بأن "الإسلام دين الدولة ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، وكل النظم الوضعية تقر عقوبات وتدابير إزاء الأفعال التي تتعارض مع أسس قيامها" و"دخول الشخص في الإسلام مفاده التزامه بأحكامه ومنها أحكام الردة".[2]
ومؤدى هذا الموقف المستقر - مع استثناء وحيد وهو قبول المحكمة الإدارية العليا لعودة بعض المسيحيين إلى المسيحية بعد إسلامهم[3] - أن غالبية السكان ممن يولدون لأبوين مسلمين وتوثق ديانتهم في شهادات الميلاد بكونهم مسلمين، ليس لهم خيار منذ الميلاد ومدى حياتهم ولا لأولادهم من بعدهم. وهو ما يجعل الإسلام مصيرا إجباريا بحكم القانون لأغلبية السكان على مدى الأجيال وإلى الأبد.

مظلة إكراه؟

هناك شواهد عديدة لتحول العديد ممن تعدهم الدولة في أوراقها الرسمية مسلمين إلى غير ذلك. هناك حالات معلنة للتنصر، وهناك ظاهرة تحذر منها الدولة ووسائل الإعلام الرسمية والمؤسسات الدينية وهي التحول إلى الإلحاد أو اللادينية.

الرفض الرسمي لتوثيق ذلك في الأوراق الرسمية أو الاعتداد بآثاره يعني أن هناك عددا من المواطنين يتم إكراهه على اتباع ترتيبات قانونية في حياته الشخصية باعتباره لا يزال مسلما. وهنا يمثل موقف القضاء "الحامي للإسلام" تناقضا كبيرا، حيث ينخرط شخص غير مسلم في علاقات وعقود باعتباره مسلما. وهكذا يتم حماية الإسلام بما هو "مخالف للشريعة".

المظهر الوحيد للإعتداد بموقف قانوني جديد للمرتد، إن قضت المحكمة بإثبات ردته، هو نزع الأهلية القانونية عنه وحرمانه من الزواج والميراث وربما حتى من إصدار بطاقة هوية. وهو ما يعني تعليق حقوقه كمواطن. وهو ما يدفع قطاعات أخرى لكتمان موقفها الديني خوفا من هذه الآثار التي تعلق مواطنتهم تماما.

هذه الممارسات القانونية التي تعلن أحيانا وتستبطن أحيانا حماية الإسلام أو حماية "مجتمع إسلامي" من آثار الردة تدفع هؤلاء المواطنين باستمرار لاعتبار الإسلام مظلة إكراه، لا يمكنهم الخروج من ظلها إلا بالتخلي عن مواطنتهم. وهو ما يحدث فعلا في بعض الحالات عبر الهجرة أو تقديم طلبات اللجوء الديني.

احتكار رسمي

ترعى الدولة رسميا تقديم خدمات دينية تتمثل في الإرشاد والفتوى والتعليم الديني ونشر الثقافة الإسلامية وبناء المساجد وتسهيل أداء الشعائر الدينية المختلفة، وذلك عبر الهيئات الإسلامية الرسمية، الأزهر ووزارة الأوقاف ودار الإفتاء.

إلا أن تطور القوانين المنظمة لعمل هذه الهيئات ومعه أحكام القضاء اتجهت بشكل تدريجي إلى توسيع نطاق سيطرة الدولة على الخدمات الدينية لمواجهة "التطرف والأفكار المغلوطة والمنحرفة والتي تسيء إلى الإسلام"، إلى أن انتهى الأمر إلى جعل التوجيه الديني مهمة مقتصرة على الدولة بشكل مطلق، وأي ممارسة للإسلام خارج عمل هذه الهيئات هو مجرم بحكم القانون أو مهدد بالملاحقة الأمنية.

عبر تاريخ الإسلام، كان للسلطة السياسية دور كبير في دعم توجه أو مذهب بعينه. يتمثل ذلك في السيطرة على المساجد الجامعة وأحيانا على الاشتغال بالقضاء. وحتى مع بداية التنظيم القانوني للهيئات الدينية الذي بدأ مع الدولة العثمانية، فقد جرى ترك هوامش لممارسة الإسلام عبر مذاهب أخرى مختلفة أو خارج الهيئة الدينية الرسمية، وهو الأمر المستمر حتى الآن، غير أن التطور القانوني يتجه أكثر فأكثر لتجريم هذه الهوامش من حيث المبدأ وليس لارتباطها بفكر أو ممارسة بعينها.
فقد استمرت الدولة في مصر منذ حكم محمد علي وأولاده في السيطرة على المساجد الكبرى وعلى اختيار شيخ الأزهر. وقد تمّ تقنين هذا الأمر في قانون السلطات الدينية للملك عام 1927، وترك ذلك هامشا للممارسة والتعليم الديني بعيدا عن هيمنة السلطة. ثم نص قانون تنظيم وزارة الأوقاف عام 1960 بعد تأسيس الجمهورية على مسؤولية الوزارة في "إدارة جميع المساجد وكل ما تراه من الزوايا" وصولا إلى قانون الخطابة الصادر عام 2014، والذي يجرم أي خطابة أو تدريس ديني إلا لخريجي الأزهر وفق تصريح محدّد من وزارة الأوقاف، مع استثناءات محدودة لغير الأزهريين، ويرتب على مخالفة ذلك عقوبة بالحبس والغرامة.[4]

يتم تبرير هذه السياسات أحيانا بضرورة "التخصص". ولكنه بالتوازي مع ذلك لا يسمح بإنشاء معاهد دينية وفق توجهات أخرى غير مذهب أهل السنة. وقد قررت الدولة في 2015 وقف عمل المعاهد الدينية المستقلة التابعة للجمعيات الدينية، رغم أن الأزهريين يشغلون معظم هيئات تدريسها. كما قررت أن كل مناهج المعاهد الدينية يجب أن تمر بمراجعة للتأكد إنها وفق منهج الأزهر ولا يجب أن يقوم بالتدريس فيها غير رجال الأزهر، وهو ما يعني إغلاق أي منافذ لتخريج "متخصصين" خارج الأزهر.[5]
الأزهر نفسه قادته التحولات من معهد ديني مفتوح إلى حد كبير، كانت تدرس فيه علوم الشريعة وفق مذاهب السنة والشيعة في العهد الفاطمي، إلى معهد ديني سني فقط في العهد الأيوبي. ثم بدأ تنظيمه القانوني وتطور إلى جامعة حكومية في العهد الناصري تقودها مشيخة الأزهر. والمشيخة هنا تقوم بأدوار مرجعية وسياسية وديبلوماسية مرتبطة بالدولة (يكرر مسؤولو الدولة أن الأزهر هو جزء من قوة مصر الناعمة)، مما جعلها عمليا."مرجعا" وذراعا للتوجيه الرسمي الاحتكاري من قبل الدولة. ولذلك فإن وقائع استبعاد الأكاديميين من جامعة الأزهر بسبب اجتهاداتهم المختلفة عن السائد والتقليدي، أو على الأقل وقفهم عن العمل والتحقيق معهم، هو أمر متكرر. كما سجلت حالات طرد فوري من سلك الجامعة أو سلك التدريس في المعاهد التعليمية الابتدائية والإعدادية والثانوية لمن يثبت اعتناقه للمذهب الشيعي.

إرث غير متجدد؟

التنظيم القانوني للأزهر والأوقاف إذن يشكل دائرة مغلقة: تعليم ديني يعيد إنتاج الأفكار التقليدية السائدة المتوافقة مع الميل السياسي العام للدولة، ولا يسمح بممارسة الدعوة والخطابة لغير خريجيه وفق متابعة أمنية تزداد صرامة. كل ما هو خارج هذه الدائرة يعمل تحت التهديد وخارج القانون.
الهوامش والحيوية المجتمعة التي أنتجت طوال تاريخ الإسلام أطيافا متباينة ومتصارعة من التوجهات الفقهية والعقائدية والتقاليد الصوفية صارت واقعة تحت مراجعة وإقرار الهيئات الدينية الرسمية أو الملاحقة الأمنية أو المحاكمات وفق "قانون ازدراء الأديان" أو "الردة".
فمن أين يمكن أن يأتي التجديد؟

وعليه، يتحول الإسلام في الممارسة إلى إرث محدود بعدد من التوجهات الفقهية والعقدية والطرق الصوفية المرخص لها التي يتم إعادة إنتاجها في أحسن الأحوال أو تصاب بالتكلس والجمود. والمؤشرات العامة تشهد منذ عقود ذبول الطرق الصوفية التي كانت جماهيرية وضعف التأثير الدعوي والفكري لخريجي الأزهر وأساتذته - رغم خلو الساحة لهم - أمام الرموز الدعوية المنتمية لأطياف التيارات الإسلامية السياسية والتجمعات السلفية إن سمحت لهم الظروف السياسية ببعض الهوامش التي تظل غير قانونية وفي مهب تحولات مزاج السلطة.

أساس لسيادة اجتماعية

شهدت ممارسات التاريخ الإسلامي محاولات الحكام والفقهاء توسيع مفهوم "أهل الذمة" أو "أهل الكتاب" لتشمل أحيانا عقائد وعبادات بخلاف المسيحية واليهودية. وتمّ ذلك بهدف إدماجهم في إطار للتعايش داخل دولة مسلمة تتسم بشكل واضح بالسيادة الدينية والاجتماعية للمسلمين على غيرهم. ورغم النص على المواطنة والمساواة وتجريم التمييز الديني في دساتير الدول الحديثة التي يدين أغلب سكانها بالإسلام، ومنها مصر، فإن الممارسة التشريعية والقضائية لا تزال تستحضر هذه "السيادة الدينية والاجتماعية" ولكنها هذه المرة لا تتبنى توسيع مفهوم "أهل الذمة" ليشمل عقائد وعبادات أخرى، بل تتبنى تضييق هذا المفهوم بحجة الحفاظ على النظام العام، وبحجة أن البهائية والأحمدية هم عقائد منشقة عن الإسلام وتستهدف تقويضه.

حماية الإسلام والحفاظ على النظام العام يستخدمان كذريعة لتقويض المساواة التي نص عليها الدستور. ورغم تضييق الدستور على حرية ممارسة الشعائر الدينية بما يسميه "الديانات السماوية"، التي تستخدم لتقتصر على الإسلام والمسيحية واليهودية، إلا أن ممارسة السلطة التنفيذية والقضائية ومعها الهيئات الإسلامية الرسمية، تذهب إلى ما هو أبعد في حرمان المنتمين لعقائد أخرى من حقوق أصيلة وأبسطها الإقرار بوجودهم، أو ممارسة أحوالهم الشخصية وفق عقائدهم أو وفق نظام مدني غير ديني، فلا تزال أزمة الاعتداد بزواج البهائيين عالقة حتى الآن.

ورغم الحماية الدستورية لممارسة الشعائر واتخاذ دور العبادة للمسيحيين واليهود، إلا إن محاولة طرح تشريع يتضمن مساواة بين اجراءات بناء المساجد والكنائس عام 2011 قوبلت برفض قاطع من الهيئات الإسلامية الرسمية[6] مع اعتراض حاد من التيار السلفي قبلته سلطة المجلس العسكري الانتقالية آنذاك. وتم إقرار قانون لتنظيم بناء الكنائس لم يغير كثيرا من الوضع القائم وأصبح إقرارا قانونيا للتمييز بين المسلمين والمسيحيين في هذا الشأن.[7]

عذر للعدوان الطائفي؟

الاعتداءات على بيوت ومقرات جمعيات مسيحية تم استخدامها للعبادة هو أحد أبرز أنماط الاعتداءات الطائفية المتكررة التي تشهدها مصر بإيقاع متفاوت. ورغم التكرار واتساع نطاق الظاهرة، فإن التعامل معها من قبل الشرطة والأجهزة القضائية يفتح الباب أمام تساؤلات أخرى حول مدى الصرامة في التصدي لهذه الاعتداءات.

التهاون مع التجمعات والتظاهرات التي يقوم بها بعض المسلمين اعتراضا على تحويل مبنى إلى كنيسة سمة ملحوظة. ورغم التشدد الواضح في التعامل مع التجمعات والتظاهرات بعد 2013 التي تهدد الأمن العام، فإن هذا الشكل من التجمعات الطائفية الذي يتسم بالخطورة البالغة والمتضمن غالبا للعنف والعدوان المادي على الأشخاص والممتلكات، فإن تعامل قوات الأمن والأجهزة القضائية اتسم بالتراخي ولم يسجل أنه تم إحالة مشاركين في مثل هذه التجمعات متهمين وفق قانون التظاهر.
في حالات أخرى للتوترات ذات الطابع الطائفي بين مسلمين ومسيحيين، ترصد الدراسات وجود طابع غالب على تعامل قوات الشرطة والنيابة معها، حيث يتم كثيرا القبض على عدد مماثل من المسلمين والمسيحيين. ويمكن تبرير ذلك بأنه يسهل اعتبار الواقعة نزاعا بين طرفين يجب حله بالصلح والتنازل عن البلاغات والاتهامات. وتتدخّل قيادات سياسية ودينية لمحاولة إتمام ذلك عبر "جلسات صلح عرفية" تكون توصياتها في كثير من الأحيان معبرة عن تلك "السيادة الاجتماعية" للمسلمين، وتشهد كثيرا الضغط على المسيحيين المتضررين للتنازل عن أي بلاغات وتتضمن أحيانا ترحيل مسيحيين من قريتهم أو حيهم إذا كانوا متهمين بإثارة مشاعر المسلمين سواء عبر الانخراط في علاقة عاطفية مع مسلمة أو اتهامه بإهانة مسلم في مشاجرة عادية أو غير ذلك.

ورغم التكرار شبه الدوري والدعوة المتكررة لضرورة إنفاذ القانون، فإن رد فعل السلطة التنفيذية والأجهزة القضائية بمشاركة القيادات السياسية والشعبية ورموز الهيئات الدينية الإسلامية ورموز الكنيسة يدعم بشكل مستمر استمرار الحلول العرفية وإفلات المتهمين بالاعتداءات من المحاسبة القانونية.[8]
هناك حوادث أقل تكرارا، مثل الاعتداء على شيعي داخل مسجد[9]، أو التجمهر ومحاصرة منزل مدون متهم بالإلحاد ونقد الإسلام[10]. وفي كل هذه الحالات التي تضمنت متجمهرين "غيورين على الدين" بعضهم يحملون السلاح واعتدوا على حرمة دور العبادة وفق القانون أو حرمة المنزل الخاص والتهديد بالضرب أو القتل، فإن هذه القضايا لم تتضمن اتهام متجمهر واحد وتمت إدانة من تم العدوان عليهم بسبب تعبيراتهم الدينية المختلفة بتهم "تدنيس دور العبادة" و"ازدراء الأديان".
هذه الحالات المتنوعة تكرس بوضوح ممارسة قانونية تعفي سلوك بعض المسلمين المتهمين بالاشتراك في مثل هذه الاعتداءات بدافع مما يظنونه "الدفاع عن الإسلام".

تجديد ديني أم تغيير سياسي وقانوني؟

هذه الملامح السابق توضيحها التي تحيل الإسلام المعاصر، ممتزجا باعتبارات القانون، إلى مصير إجباري للمسلمين لا خيار فيه، ومظلة إكراه لمن يودون الخروج منه، وإرث غير متجدد تحتكر التعبير عنه هيئات رسمية ويتم مطاردة المختلفين عن هذه الهيئات وتوجهاتها، وأداة تمييز وترسيخ سيادة اجتماعية ضد غير المسلمين، وبعض الغضب في سبيله عذر للعدوان معفي من المحاسبة، ليست قدرا لا فكاك منه للدولة المصرية، وما شابهها من الدول، ولا للمسلمين المعاصرين بشكل عام.
الممارسات السياسية والقانونية التي تم تناولها في هذا المقال، المتورطة في إعادة الإنتاج، بعضها متأثر بالفقه أو بالممارسات التاريخية للسلطة الإسلامية، بعد مزجها وصياغتها في قوالب من أفكار فقهية قانونية معاصرة محافظة كما في التبني المفرط والسلطوي لمفهوم "النظام العام".
عملية إعادة الإنتاج ربما تزايد أيضا على الممارسة التاريخية والفقهية، كما في حالة تضييق حدود "أهل الذمة"، وربما تخالف أحكام الفقه الإسلامي تماما، كما في استمرار التعامل مع المتحول عن الإسلام باعتباره مسلما رغما عنه في بعض الحالات.

الممارسة السياسية والقانونية المعاصرة التي سارت في اتجاه آخر، نجحت في تجاوز ممارسات ذات جذور في الفقه والتاريخ مثل العبودية والاسترقاق، وجوانب من حقوق المرأة وبعض جوانب الحريات العامة والشخصية وبعض أحكام المعاملات الاقتصادية وغير ذلك، وتجاوبت تشكلات الإسلام المعاصر بشكل كبير مع هذه التغيرات على مستوى عملي وأيضا على مستوى نظري وفقهي.

يرى البعض أن حالة الإسلام المعاصر المأزومة في انتظار "تجديد ديني" أو "ثورة دينية" من مؤسسات دينية هي جزء من الأزمة. ولكن هذا المقال يفترض أن الممارسة السياسية والقانونية إن اتجهت وجهة ديمقراطية منحازة للمساواة وتأكيد الحقوق والحريات، ربما كان لها العامل الأبرز في وقف هذه العملية من إعادة الإنتاج وربما المساهمة في تشكل جديد لإسلام معاصر وإتاحة المجال لمحاولات الاجتهاد الديني الأكثر أصالة وحيوية ومعاصرة، والتي لا يمكنها أن تجد مناخا مساعدا وهي تحاول نقد وتجديد ما يتم اعتباره مصيرا إجباريا واحتكارا وإرثا لا يمس بقوة القانون.

تم نشر هذه المقال عبر موقع المفكرة القانونية بتاريخ 28 مايو 2018