2. أحداث فرشوط، نوفمبر 2009

بعد ساعات قليلة من وقوع اعتداءات نجع حمادي، أصدرت وزارة الداخلية بياناً مقتضباً بشأن الاعتداءات، جاءت فيه العبارة التالية: "هناك مؤشرات مبدئية لارتباط الحادث بتداعيات اتهام شاب مسيحى باغتصاب فتاة مسلمة بإحدى قرى المحافظة." 7 ولم تفصح وزارة الداخلية في أي وقت عن مصدر هذه المؤشرات المبدئية التي ظهرت قبل تحديد المشتبه بهم أو تسليمهم لأنفسهم ـ وهو ما حدث في 8 يناير 2010 ـ أو بدء تحقيقات النيابة العامة معهم. 


وفي البيان الصادر عن مكتب النائب العام في 16 يناير 2010 بشأن إحالة المتهمين إلى المحاكمة جاء أن التحقيقات التي أجرتها النيابة العامة توصلت إلى أن الاعتداءات ارتكبتها "مجموعة من الخارجين على القانون الذين تجردوا من أية قيم أخلاقية ودينية واجتماعية بزعم تأثرهم بواقعة اغتصاب طفلة مسلمة بدائرة أحد المراكز المجاورة ومشاهدتهم للقطات مصورة لفتيات مسلمات في أوضاع مخلة وخادشة للحياء."


وبينما لم تتضح حتى الآن أي معلومات بشأن مصدر وطبيعة اللقطات المصورة التي أشار إليها بيان النائب العام، فإن الرواية الأمنية والقضائية حتى الآن تربطان بين ارتكاب الاعتداءات وبين جريمة اغتصاب لطفلة في مركز فرشوط المجاور لنجع حمادي بمحافظة قنا (والتابع كنسياً لمطرانية نجع حمادي) وقعت في شهر نوفمبر 2009. كما أن مسئولي الحزب الحاكم وغيرهم من التنفيذيين يؤكدون على وجود نفس الصلة. وقد شكك عدد من أهالي نجع حمادي من الأقباط والمسلمين في هذه الرواية الرسمية، معتبرين أنها تهدف في الأساس إلى المساواة بين فاعلي الجريمتين، وتصوير حادث نجع حمادي على أنه جريمة فردية ـ وليس اعتداءً طائفياً ـ ارتكبها مجرم مسلم في مواجهة جريمة فردية أخرى ارتكبها مجرم قبطي.


وفي حين لا تتوفر لدى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية المعلومات والأدلة الكافية لتحديد دوافع ارتكاب جريمة نجع حمادي ـ خاصة وأن محاكمة المتهمين فيها لم تبدأ حتى وقت صدور هذا التقرير ـ فمن المؤكد أن الأحداث التي شهدتها فرشوط في نوفمبر 2009 واستجابة الأجهزة الأمنية والقانونية لتلك الأحداث لعبت دوراً في تصعيد أجواء التوتر الطائفي الذي انفجر ليلة عيد الميلاد.


كما أن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية ترى أن إطلاق النار الجماعي على الأقباط بهدف قتلهم لمجرد كونهم مسيحيين يجب أن يتم توصيفه والتعامل معه بوصفه اعتداءاً طائفياً في أسبابه وطبيعته، بصرف النظر عن المبرر الذي قد يسوقه مرتكبو هذه الجريمة لتبرير ارتكابها.


وتعود أحداث فرشوط إلى يوم 18 نوفمبر 2009، حين اتهمت أسرة مسلمة من قرية الشقيفي التابعة لمركز أبو تشت بمحافظة قنا شاباً مسيحياً يدعى جرجس بارومي جرجس (21 عاماً)، ويقطن بقرية الكوم الأحمر التابعة لمركز فرشوط، باغتصاب طفلتهم البالغة من العمر 12 عاماً، بعد إجبارها على الذهاب معه إلى أحد الحقول الزراعية المجاورة. وقد ألقت قوات الأمن القبض على المتهم في نفس اليوم، وتم التحقيق معه وحبسه أربعة أيام على ذمة التحقيق.


في اليوم التالي لتلقي بلاغ الأسرة المسلمة بشأن جريمة الاغتصاب شهد مركز فرشوط والقرى التابعة له، وبعض القرى التابعة لمركز أبو تشت المجاور له نذر توترات طائفية بدأت يوم الخميس 19 نوفمبر وتكثفت بحدة حتى انفجرت في الفترة ما بين 21 - 23 من الشهر ذاته.


ففي يوم 19 نوفمبر 2009، وأثناء عودة القس بنيامين نصحي، راعي كنيسة الملاك والأبناء شنودة ـ الواقعة بقرية الخوالد بمركز أبو تشت ـ إلى منزله بقرية القلاعية مستقلاً سيارته الخاصة وبصحبته أحد شمامسة الكنيسة ويدعى مرتضى جابر رزق الله، قامت مجموعة من الشباب يحملون عصياً وأسلحة بيضاء ونارية بإيقاف السيارة أمام قرية الشقيفى، التي تنتمي إليها أسرة الطفلة المسلمة. ووفقاً لرواية القس بنيامين لباحثي المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، فإن المهاجمين اعتدوا بالضرب على القس والشماس وهشموا زجاج السيارة رغم أن سيارة شرطة كانت تقف بجوار الشباب وأنه حاول الاستغاثة بها إلا أن قوات الشرطة لم تتحرك لنجدته. وأضاف القس أن الشماس تلقى بعدها العلاج بمستشفى أبو تشت من إصابة في الرأس وكدمة خلف الأذن، وأنه قام بتحرير محضر بالواقعة، وتم سحب السيارة إلى قسم الشرطة لمعاينتها وإثبات حالتها، إلا أنه قرر التنازل عن الشكوى صباح يوم 21 نوفمبر "خوفاً من البهدلة"، على حد قوله.8 


وفي يوم الجمعة الموافق 20 نوفمبر طلبت أجهزة الأمن من أفراد 15 أسرة مسيحية من قرية الكوم الأحمر ـ محل إقامة المتهم بالاغتصاب ـ مغادرة القرية فوراً خوفاً على حياتهم. وأكدت مصادر كنسية للمبادرة المصرية أن بعض أفراد هذه الأسر توجه إلى دير الأنبا بضابا بنجع حمادي للمبيت فيه، بينما لجأ آخرون للإقامة عند أقاربهم في قرى ومدن أخرى. وأشارت المصادر أن عدداً من الأسر عاد إلى القرية مع هدوء الأوضاع في بداية ديسمبر، ليس من بينهم أسرة المتهم.


وفي فجر يوم السبت 21 نوفمبر، نشبت حرائق في ثلاثة محال مملوكة لمسيحيين في مدينة فرشوط قرابة الساعة الثانية والنصف صباحاً. وقام كهنة الكنيسة ـ صباح السبت ـ بإرسال تحذيرات للمسيحيين بعدم فتح المحال التجارية والصيدليات لتخوفهم من قيام بعض المسلمين بالتحرش بهم والاعتداء على ممتلكاتهم.


وفي صباح نفس اليوم تجمع عدد كبير من المسلمين، خاصة من قبيلة الهوارة التي تنتمي إليها أسرة الطفلة المغتصبة أمام مركز الشرطة في مدينة فرشوط لمطالبة الجهات الأمنية بتسليم الشاب المسيحي لهم لقتله، وهو ما رفضته الجهات الأمنية التي أكدت أنها ما زالت في انتظار تقرير الطب الشرعي. ونتيجة للتجمهر خارج المركز، قرر قاضي المعارضات بمحكمة جنايات فرشوط تحويل التحقيقات إلى محكمة جنايات قنا، والتي حددت في وقت لاحق جلسة 17 يناير 2010 موعداً لبدء نظر القضية، وتم تأجيلها إلي جلسة 17 فبراير القادم لمناقشة المجني عليها ووالديها والأطباء الشرعيين.


 ووفقاً لروايات الشهود، فقد تزايد عدد المتجمهرين أمام مركز الشرطة يوم 21 نوفمبر ليصل إلى عدة آلاف من المسلمين من قرية الشقيفي والقرى المجاورة لها، إضافة إلى عدد كبير من طلبة المعهد الأزهري بفرشوط. ثم تحرك المتجمهرون في مجموعات قامت بالاعتداء على ممتلكات المسيحيين وتكسير الأبواب المغلقة للمحال التجارية وحرقها بعد نهب محتويتها. وقد بدأت هذه الاعتداءات في حوالي الساعة الحادية عشرة صباحاً واستمرت حتى العاشرة مساء دون توقف، حيث كانت المجموعات تنتقل من منطقة إلى أخرى. وأكد عدد من الضحايا وشهود العيان أن الأجهزة الأمنية التي وصلت بعد حوالي ساعة ونصف من بدء الاعتداءات لم تشتبك مع القائمين بها طيلة عدة ساعات. كما تلقت المبادرة المصرية صوراً ومقاطع فيديو من مطرانية نجع حمادي وبعض المواقع الإلكترونية القبطية تصور اعتداءات تمت بالرغم من تواجد بعض القوات الأمنية بالقرب من منطقة الأحداث.


وفرضت قوات الأمن سيطرتها مساء يوم السبت، بعد الاستعانة بقوات إضافية من محافظات سوهاج وأسيوط. وأفاد عدد من المصادر لباحثي المبادرة المصرية أن قوات الأمن ألقت القبض على قرابة 70 من المعتدين وإحالتهم إلى النيابة التي أمرت بتسليم 15 قاصراً منهم لذويهم وإخلاء سبيل ثلاثة وحبس 52 آخرين لمدة 15 يوم على ذمة التحقيقات، ووجهت إليهم تهم إثارة الشغب والتجمهر والحرق العمد وإتلاف منشآت خاصة. وخلال شهري ديسمبر ويناير تم إخلاء سبيل عدد من المحتجزين في دفعات متفرقة بينما لا يزال عدد غير محدد منهم رهن الاحتجاز حتى وقت صدور هذا التقرير، في غياب قرار بإحالتهم للمحاكمة. 


وقد قام الضحايا من مدينة فرشوط بتقديم بلاغ إلى المحامي العام بقنا، الذي أرسل فريقاً من النيابة العامة والبحث الجنائي ومجلس المدينة لمعاينة المحلات التي تضررت من الاعتداءات.


كما شهدت عدة قرى أخرى تتبع مركز فرشوط اعتداءات على ممتلكات الأقباط، تضمنت حرق واجهة صيدلية بقرية القارة في فجر الأحد 22 نوفمبر، واشتباكات بين مسلمين وأقباط في قرية العراكي في مساء نفس اليوم، بعد أن قام بعض المسلمين بإشعال النيران في أراضي زراعية يملكها قبطي. وشهدت قرية القبيبي إشعال النار في حوش لمواطن مسيحي لم يسفر عن خسائر.
وانتقلت حمى الاعتداءات إلى قرية أبو شوشة التابعة لمركز أبو تشت المجاور، والتي تبعد نحو 30 كيلومتر عن قرية الشقيفي. فقد نشب حريق في صيدلية وثلاث محال تجارية مملوكة للأقباط هناك في فجر يوم 23 نوفمبر، وفقاً لإفادة القس بولس نظير، كاهن كنيسة أبو شوشة. وفى ظهر اليوم نفسه قامت مجموعات من المسلمين بحرق منازل ومحلات وممتلكات مملوكة لمسيحيين بقرية الكوم الأحمر.


وفي مقابلة تليفونية مع باحثي المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في نهاية نوفمبر2009، أكد الأنبا كيرلس أسقف نجع حمادي أنه كان قد حذر الجهات الأمنية قبل وقوع اعتداءات 21 نوفمبر، وطالبهم بتكثيف التواجد الأمني في المنطقة خشية وقوع أعمال انتقامية، خاصة في ظل وجود مؤشرات للتصاعد والانفجار. وأضاف الأسقف أن الكنيسة قامت بالاتصال باللواء مجدي أيوب محافظ قنا في أعقاب الاعتداءات لطلب دفع تعويضات للمضارين، إلا أنه رفض وأحال المسألة إلى مدير الأمن الذي لم يبد أية استجابة. وقدرت مصادر كنسية قيمة الخسائر في مركزي فرشوط وأبو تشت بما يزيد على أربعة ملايين و390 ألف جنيه، حيث تم الاعتداء على خمس صيدليات وحافلة رحلات وسيارة نقل وأكثر من خمسين متجراً ومقر جمعية قبطية. وقد حصلت المبادرة المصرية على كشف تفصيلي أعدته الكنيسة عن حجم الخسائر.


وفي الأيام التالية للاعتداءات عقدت الأجهزة الأمنية جلسات مصغرة بين العائلات في قرى مركزي فرشوط وأبو تشت للتنبيه عليهم بالتزام الهدوء وعدم الاعتداء على أرواح وممتلكات المسيحيين، وعدم الإنصات إلى أي فكر تخريبي، على حد تعبير أحد المشاركين في هذه الجلسات لباحثي المبادرة المصرية. وطلبت الأجهزة الأمنية من الكنيسة والضحايا عقد جلسة صلح موسعة ورسمية على مستوى مركز فرشوط بأكمله، وهو ما رفضته الكنيسة التي طالبت بتعويض المتضررين أولاً قبل تنظيم جلسة الصلح.


وأكدت مصادر لباحثي المبادرة المصرية خلال شهر ديسمبر 2009 على أن الأنبا كيرلس تلقى وعوداً عن طريق المقر البابوي بالقاهرة بصرف التعويضات قبل عيد الميلاد. إلا أن التعويضات لم تصرف إلا في يوم 11 يناير 2010، بعد وقوع اعتداءات نجع حمادي ليلة عيد الميلاد، حيث قامت لجنة من وزارة التنمية المحلية بصرف تعويضات للمضارين من أحداث فرشوط وأبو تشت بلغت قيمتها 335 ألف جنيه، منها 250 ألف جنيه من وزارة التنمية المحلية، و85 ألفاً من نقابة الصيادلة. وتراوحت المبالغ المستحقة ما بين 1200 جنيه حتى 30 ألفاً وفقاً لقيمة التلفيات، حيث بلغت المحال المضارة حسب تقديرات النيابة العامة 42 محلاً وصيدلية ومكتبة، وبلغ عدد المضارين 42 شخصاً.

---

7- بيان أمني بشأن حادث إطلاق النار على بعض المسيحيين بمدينة نجع حمادي، وزارة الداخلية، 7 يناير 2010. 

8- مقابلة تليفونية للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع القس بنيامين نصحي، ديسمبر 2009.