الإنتهاكات ضد المحامين

تتزايد الانتهاكات التي يتعرض لها السجناء السياسيون بمعدل يثير الانزعاج، وتتنوع من التعذيب وغيره من أشكال إساءة المعاملة في مراكز الاحتجاز، حتى الحرمان من الحقوق في سلامة الإجراءات وعدالة المحاكمات، بما فيها حق الدفاع الكافي. ولا تتوقف الانتهاكات عند المحتجزين، بل تتعداهم إلى المحامين المدافعين عنهم. وكما شوهد في عدد من الأمثلة التي سنوردها، لم ينج المحامون من الإساءات حتى عند تصديهم لقضايا القانون العام.

وعلى مدار العام الماضي حدث تصاعد كمي وكيفي في التقارير التي تفيد بالاعتداء على محامين، وبينهم أولئك الموكلون عن سجناء سياسيين ـ بما في هذا من افتئات إضافي على حق المتهمين في محاكمات عادلة. وقد قامت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بجمع عدد وافر من شهادات المحامين الذين تعرضوا لمثل هذه الإساءات. وتلقى نتائج الشهادات تأييدًا إضافيًّا من مشاهدات مستقلة أجراها محامو المبادرة، ومن خبراتهم الشخصية في التعرض لإساءات مماثلة.

لقد تعرض محامون، وخصوصًا أولئك المترافعين عن سجناء سياسيين، لاعتداءات بدنية، ولفظية، وتهديدات، وتخويف، على أيدي موظفي إنفاذ القانون، وأحيانًا في وجود ممثلي النيابة، الذين يخفقون في التحرك عند شهود تلك الانتهاكات أو عند تلقي شكاوى رسمية من المحامين. والأسوأ، أن هؤلاء المحامين كثيرًا ما يحرمون من فرصة الالتقاء بموكليهم حتى في وجود التصاريح المطلوبة، ويمنعون من الحصول على وثائق رسمية تتعلق بالقضايا التي يترافعون فيها. كما تعرض بعض هؤلاء المحامين للاحتجاز لمدد قصيرة أو للإحالة إلى تحقيقات جنائية بسبب مطالبتهم بحقوق موكليهم.

الإطار القانوني:

وتمثل الانتهاكات الموجهة إلى المحامين عند أداء عملهم خرقًا لتدابير الحماية في القانون المصري والمعايير الدولية على السواء.

  • فالتعدي على المحامين بأي شكل من أشكال القول أو الفعل يخالف الضمانات المنصوص عليها في القانون رقم 17 لسنة 1983 الخاص بمهنة المحاماة. وتنص المادة 49 من هذا القانون على أن:

"للمحامي الحق في أن يعامل من المحاكم وسائر الجهات التي يحضر أمامها بالاحترام الواجب للمهنة".

  • كما أن القانون 17 لسنة 1983 يجرم الاعتداء على محامٍ في أثناء أدائه لعمله، أو إهانته أو تهديده.
  • تشدد المادة الأولى من القانون 17 لسنة 1983 على أهمية دور المحامين في تحقيق العدالة وتوكيد سيادة القانون.
  • أما القيود غير المبررة المفروضة على تواصل المحامين مع موكليهم والوصول إلى الأوراق المتعلقة بقضاياهم فهي تنتهك القانون 17 لسنة 1983، الذي ينص في المادة 53 على أن:

"للمحامي المرخص له من النيابة بزيارة أحد المحبوسين في السجون العمومية حق زيارته في أي وقت والاجتماع به على انفراد، وفي مكان لائق داخل السجن".

  • وعلاوة على هذا تنص المادة 52 من نفس القانون على أن:

"للمحامي حق الإطلاع على الدعاوى والأوراق القضائية والحصول على البيانــات المتعلقـة بالدعـاوى والأوراق القضائية والحصول على البيانات المتعلقة بالدعاوى التي يباشرها. ويجب على جميع المحاكم والنيابــات ودوائـر الشرطة ومأمورية الشهر العقاري وغيرها من الجهات التي يمارس المحامي مهمته أمامها أن تقدم له التســهيلات التي يقتضيها القيام بواجبه".

  • أما المعايير الدولية المتعلقة بدور المحامين وعملهم فتجد تفصيلها في المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين ـ وهي الوثيقة التي تبناها مؤتمر الأمم المتحدة الثامن لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين المعقود في سبتمبر 1990. وتدعو الوثيقة الحكومات إلى أن تكفل:

"للمحامين، (أ) القدرة على أداء جميع وظائفهم المهنية بدون تخويف أو إعاقة أو مضايقة أو تدخل غير لائق".

وتنص، إضافة إلى هذا، على أنه:

"من واجب السلطات المختصة أن تضمن للمحامين إمكانية الاطلاع على المعلومات والملفات والوثائق المناسبة التي هي في حوزتها أو تحت تصرفها، وذلك لفترة تكفى لتمكينهم من تقديم مساعدة قانونية فعالة لموكليهم".

وكانت انتهاكات سابقة قد طالت محامين حقوقيين في معرض أستهداف أمني للمؤسسات التي يعملون بها، ولكن الأمر الآن يمتد ليطول المحامين أثناء آداء مهنة المحاماة في المحاكم وأقسام الشرطة، حتى أثناء تمثيلهم لمتهمين جنائيين في قضايا لا تشوبها السياسة. وقد تكفل عدد من الوقائع في الشهور الأخيرة بتسليط الضوء على البيئة المعادية التي يضطر محامو السجناء السياسيين للعمل فيها، بالمخالفة للضمانات القانونية المفصلة أعلاه. وفيما يلي قائمة بأمثلة على أشكال إساءة المعاملة التي تعرض لها محامون لسجناء سياسيين:

إساءة معاملة محامين على أيدي موظفي إنفاذ القانون:

  • في 13 سبتمبر ظهرت مزاعم بتعرض المحاميينِ ياسمين حسام وزميل لها للاعتداء بأيدي أفراد الشرطة على بوابات معهد أمناء الشرطة بمجمع سجون طرة. وكان المحاميان يحاولان دخول قاعة محكمة مؤقتة داخل الأكاديمية لحضور جلسة المرافعات الأولى في محاكمة الزميلة يارا سلام ـ مسؤولة العدالة الانتقالية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية ـ ومعها 23 آخرون بتهمة المشاركة في مظاهرة بدون تصريح.

وبحسب أقوال ياسمين، قام أفراد القوة الأمنية على البوابة، وبينهم ضابط شرطة، وفرد أدنى رتبةً، بالاعتداء عليها وعلى زميلها بدنيًّا ولفظيًّا. قالت ياسمين للمبادرة إنها تعرضت للكمات وللجر من شعرها وذراعها، وإن الضابط الموجود بمسرح الواقعة أساء إليها قام بلمسها على نحو غير لائق رغم صياحها فيه بأن يرفع يديه عنها. وأدت الجلبة في النهاية إلى تدخل المزيد من الضباط، وفي أعقاب هذا حاول مسؤولون بمجمع سجون طرة وغيرهم من العاملين بوزارة الداخلية إقناع الجاني بالاعتذار، لكنهم رفضوا بشكل قاطع تحرير محضر بالواقعة. تقدمت ياسمين حسام بشكوى للنيابة العامة في 14 سبتمبر.

  • في 2 يوليو 2014، تعرض المحامي محمد عبد الباسط للضرب على يد ضابط شرطة والاحتجاز لمدة قصيرة في قسم شرطة المنتزه ثانٍ بالإسكندرية، وكان قد ذهب إلى القسم لطلب الاطلاع على أوراق تتعلق باللاجئين السوريين المحتجزين هناك. بعد الاعتداء، رفض ضباط القسم السماح لمحمد عبد الباسط بتحرير محضر بالواقعة.
  • في 30 يونيو 2014، تم حرمان المحامية رضوى عبد القوي من الحق في تحرير محضر لموكلها بقسم شرطة المنتزه ثانٍ بالإسكندرية. وعندما أصرت على المحضر تعرضت للإساءة اللفظية وإخراجها هي وزملائها من المكان بالقوة، تحت وابل من التهديدات والإهانات.
  • في 25 يناير 2014 تم في البداية منع المحامية رضوى عبد القوي من دخول قسم الرمل أول بالإسكندرية، حيث كانت قد ذهبت لحضور الاستجواب مع عدة محتجزين تم اعتقالهم من محيط مظاهرات. وفي القسم قام رجل بثياب مدنية، اعتقدت رضوى أنه فرد شرطة صغير الرتبة أو مرشد، بإهانتها بصوت عال أمام ضباط شرطة آخرين، وهددها بتحرير محضر ضدها إذا اشتكت من الإساءة.
  • في 25 يناير 2014، تعرض المحامي عمرو إمام للتهديد بالسلاح من جانب ضابط شرطة في قسم شرطة المعادي، لاستعلامه عن محتجزين تم اعتقالهم في سياق مظاهرات الاحتفال بذكرى انتفاضة 25 يناير. أصيب عمرو إمام في صدره بكعب بندقية، وقيل له أن يغادر القسم وإلا أطلق عليه الرصاص.

انتهاكات أو إخفاق في التحرك من جانب أفراد هيئات قضائية:

  • في 3 من سبتمبر 2014، تمت إحالة المحامين بسمة زهران ومحمود بلال وأسامة المهدي إلى النيابة العامة للتحقيق الجنائي من جانب القاضي محمد ناجي شحاتة، الذي يترأس هيئة المحكمة في قضية المتظاهرين الـ269 المتهمين بالعنف في أحداث مجلس الوزراء في ديسمبر 2011. وكان المحامون الثلاثة، في جلسة، عقدت بمعهد أمناء الشرطة قد أصروا على سماع موكلهم، الناشط السياسي أحمد دومة، من القفص الزجاجي الكاتم للصوت الذي وضع المتهمون فيه في أثناء الجلسة، وأثاروا بواعث قلق من مدى عدالة الإجراءات. وعقب هذا تم اتهام المحامين بالإخلال بإجراءات الجلسة وإثارة الشغب في المحكمة.
  • في يونيو 2014 شهد المحامي محمد هشام الاعتداء بالضرب على محامٍ آخر بأيدي أربعة موظفين يعملون بنيابة حي المناخ والزهور في بورسعيد. وتقول تقارير، إن الواقعة تمت في حضور ثلاثة من أفراد النيابة العامة الذين لم يتدخلوا.
  • في 19 نوفمبر 2013، تعرضت المحامية ليلى نجيب للاعتداء اللفظي من فرد شرطة بمكتب نيابة قصر النيل، حين أصرت على وضع حد لإساءة معاملة المحتجزين. ورغم الضغوط التي مارسها ضباط ومسؤولو الشرطة بمكتب النيابة "للتصالح"، إلا أنها قامت بتحرير شكوى رسمية في اليوم التالي. وقالت إنه لم يتم اتخاذ أي إجراء بدعوى أن المحضر الذي حررته قد "فقد".
  • كما دأب القاضي "محمد ناجي شحاتة" على إحالة المحامين الحقوقيين إلى النيابة، ففي 5 نوفمبر، في أثناء إحدى جلسات القضية المعروفة بقضية: "غرفة عمليات رابعة"، قام القاضي بإحالة المحامية "راجية عمران" ـ عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان ـ إلى النيابة بعد أن غادرت القاعة للرد على مكالمة هاتفية. وفي 8 نوفمبر مَثَلَت الأستاذة راجية عمران، أمام نيابة المعادي للرد على أسئلة تتعلق بتهمة إهانة القضاء، وتم إخلاء سبيلها، إلا أن التهمة لم تسقط ولا تزال التحقيقات جارية.
  • وفي 12 نوفمبر قام القاضي محمد ناجي شحاتة، بإحالة المحامي "خالد علي" إلى النيابة، في أعقاب مشادة كلامية بينهما في أثناء إحدى جلسات قضية "أحمد دومة"، وما يزيد على 200 من المتظاهرين المتهمين بالتخريب وغيره من أشكال العنف في احتجاجات مجلس الوزراء في ديسمبر 2011. ورفعت الجلسة عندما أصر خالد علي، على تدوين أقوال القاضي المنحازة إلى قوات الأمن ـ وهي: "إنت عاوز الجيش والشرطة ياخدوا على قفاهم ويسكتوا؟" ـ في محضر الجلسة لإثبات افتقار المحكمة إلى الحياد. وبدلًا من الاستجابة إلى هذا الطلب المشروع، قام القاضي برفع الجلسة فجأة واندفع خارجًا من قاعة المحكمة، بينما كان خالد علي يكمل مرافعته. ولم يتم استدعاء خالد علي للاستجواب رسميًّا حتى الآن.

 

 قيود أخرى تفرض على المحامين لعرقلة قدرتهم على أداء عملهم:

تصاعد في العام الماضي نمط من قيام منسوبي الدولة بالتدخل في أعمال المحامين المترافعين عن سجناء سياسيين، أو تصعيب تلك الأعمال أو عرقلتها، مما ينتقص إلى حد بعيد من الحق في سلامة الإجراءات. وكثيرًا ما يشكو محامو السجناء السياسيين من عجزهم عن حضور جلسات استجواب موكليهم في أقسام الشرطة ومكاتب النيابة العامة، كما يواجهون صعوبات في حضور الجلسات القضائية مع التجديد الروتيني لحبس موكليهم الاحتياطي، إذ تخفق السلطات في إخطار المحامين بالجلسات، أو تعقدها في مواقع نائية داخل مرافق الاحتجاز، مثل معسكرات الأمن المركزي أو السجون. وتوضع عقبات أخرى أمام محامي السجناء السياسيين، حيث يضطرون للتجول بين أقسام الشرطة والسجون ومكاتب النيابة لإتمام مهام بسيطة، بما فيها طلب الطعن على مشروعية الحبس الاحتياطي لأحد الموكلين.

ومن الشكاوى الأخرى الشائعة بين محامي السجناء السياسيين، الصعوبة الشديدة التي يواجهونها في الحصول على الوثائق والمعلومات المتعلقة بقضايا موكليهم قبل بدء المحاكمات. ومن شأن هذا أن يعوق قدرتهم على امتلاك الوقت والتسهيلات الكافية لإعداد دفاعهم ودراسة القضايا. كما أن مبالغ غير معقولة تطلب كـ "رسوم" للحصول على تلك الوثائق والمعلومات، وخاصة قبل بدء المحاكمات. وفي أحدى الوقائع، في المحاكمة ذائعة الصيت لصحفيي الجزيرة، طالبت النيابةُ الدفاعَ بتسديد 1,200,000 جنيه مصري (ما يقرب من 168 ألف دولار أمريكي) للحصول على نسخ من 5 أسطوانات مدمجة تم تقديمها كأدلة ضد المتهمين بحسب تقارير إخبارية وصحفيين كانوا متواجدين في مقر المحاكمة. وحين طلب خالد أبو بكر محامي الدفاع من رئيس المحكمة حل المسألة، انحاز القاضي إلى النيابة وطلب من أبو بكر تسديد المبلغ إذا كان يريد الحصول على النسخ. في النهاية حصل الصحفيون الثلاثة على أحكام بالسجن تتراوح بين 7 و10 أعوام.

وقد وثقت المبادرة رفض إدارات السجون في بعض الأحيان أن تسمح للمحامين بمقابلة موكليهم على انفراد داخل السجون، مما يقوض الحق في الدفاع الكافي. وعلى سبيل المثال، رفض حراس سجن العقرب مشدد الحراسة، السماح للمحامي محمد خضر بزيارة أحد موكليه يوم 14 من يونيو، رغم إبرازه للتصريح اللازم من نيابة أمن الدولة.