البيئة وقانونها وتلوثها وأمراضها

طارق عبد العال

طرقنا كل الأبواب وخاطبنا كل المسئولين والجهات المعنية ونواب البرلمان، ولكن لا جدوى لحل المشكلة التى يعانى منها 60 ألفا ينتشر بين غالبيتهم العظمى أمراض الصدر، والسرطان طال عددا مهولا منهم، مضيفا: أكثر من لجنة تشكلت وكأنها لجان لتعطيل المشكلة وليس للحل. هكذا قال أحد سكان وادى القمر تعبيرا عن مشكلة المنطقة بأكملها مع تلوث البيئة الناتج عن مصانع الأسمنت، والتى عادت لاستخدام الفحم كوقود للمصنع بالمخالفة الصريحة لقانون البيئة، ولكل الاتفاقيات الدولية المنظمة للحفاظ على البيئة العامة للمواطنين.

***
وليست مشكلة منطقة وادى القمر بغرب الإسكندرية هى المشكلة البيئية الوحيدة فى مصر، فهناك فى كل رقعة جغرافية كوارث بيئية محققة، ففى دمياط مخالفات المصانع تصب فى البحر، إضافة للتلوث الهوائى، وهو الأمر ذاته فى بورسعيد، وفى قلب القاهرة الكبرى، وبالتحديد فى شمال الجيزة وتحت سمع وبصر كل الجهات المسئولة تٌصب مخلفات الصرف الصحى فى نهر النيل من مصرف المنصورية القادم من الهرم جامعا جميع مخالفات الصرف بالمحافظة لتصب فى نهر النيل، وتحديدا عند قرية الرهاوى بمركز منشأة القناطر. وجميعنا يعلم جيدا ما تعانيه الدولة من مشكلات إثر سد النهضة الأثيوبى، والذى أثر سلبا على حصة مصر من المياه، ومع ذلك ما زال التلوث قائما ومستمرا، وكأن الأمر لا يعنى أحد.
ولا يقف الموضوع عند ذلك الحد فقط، فهناك مشكلتنا السنوية فى التلوث الهوائى مع موسم حريق قش الأرز، والتى تزيد المحيط الجوى تلويثا بالإضافة إلى ما يعانيه من تلويث عوادم السيارات. كل هذا بخلاف المعايشة اليومية لمخلفات البيوت والشوارع، وكلنا يعلم حجم هذه المشكلة، وكما هو معروف يتحمل المصريون تكلفة نقلها على فواتير الكهرباء، والتى لا تتطلب من الحكومة سوى القدرة على إعادة تدوير هذه المخلفات والاستفادة منها اقتصاديا فى وقت يحتاج فيه الاقتصاد المصرى لأى معاونة، وأمامها فى المفهوم الاقتصادى ما يمثل مصدرا للدخل، لا تتكلف فيه الدولة شىء.
فهل تدرك السلطات النتائج المترتبة على كم هذا التلوث البيئى، وبشكل خاص على صحة المواطنين، وهل موازنة الدولة ذات مقدرة لتحمل تكلفة علاج الأمراض الناجمة عن هذه المخلفات البيئية، فى وقت تشتكى فيه الدولة من تراكم الديون، وتطالب المواطنين بالتقشف لعبور الأزمة الاقتصادية، وهى بسلطاتها تدعم الأزمة البيئية وما يترتب عليها من مشكلات فى قطاعات جغرافية تنال عموم البلاد، ويترتب عليها تحمل الخزانة العامة لمبالغ إضافية للمساعدة فى علاج أمراض التلوث البيئى، هذا بالإضافة إلى ما يسببه التلوث من آثار على الأراضى الزراعية، بحسبه أحد أسباب تصحرها، هذا بخلاف المشكلة التقليدية للمخلفات اليومية «القمامة» والتى صارت من أهم معالم المدن الكبرى فى مصر، على الرغم من سهولة حلها والسيطرة عليها، بل واعتبارها من مصادر الدخل وذلك بإعادة تدوير هذه المخلفات.

***
كل هذه المشكلات أو الظواهر البيئية متواجدة بالحياة المصرية منذ سنوات طويلة، ولكنها لم تجد من يأخذ طريقا للحل أو السعى للتقليل منها، فى نفس الوقت الذى تنعى فيه مصر اقتصادها لا تسعى لحل مشكلة ذات أثر فاعل على المستوى الاقتصادى بشكل عام، وبرغم وجود ما يسمى بقانون البيئة إلا أنه لا أثر له فى الحياة البيئية إلا ما تحرره شرطة المرور من بعض المخالفات للسيارات تحت هذا المسمى، ولكن فى باقى القطاعات، وخصوصا القطاعات الصناعية لكونها هى القطاع ذا الأثر البالغ الخطورة من حيث ما تسببه المصانع من تلوث، دون ضابط.
فإلى أى مدى ستترك الدولة بمؤسساتها ملوثى البيئة دونما اقتراب، ودونما تحميلهم المسئولية الكاملة عن أفعالهم سواء من الناحية الجنائية أو على الأقل الناحية التعويضية لمن تصيبهم الأضرار البالغة وخصوصا فى صحتهم نتيجة للأفعال الملوثة للبيئة، وأهم مثال لذلك هو ما أصاب معظم سكان منطقة وادى القمر بأمراض مستعصية نتيجة تراكم أدخنة مصانع الأسمنت.
ومن الناحية التقليدية لابد أن نذكر أن هناك قانونا يسمى بـ«قانون البيئة» وهو ما يحمل رقم 4 لسنة 1994 بإصدار قانون فى شأن البيئة والمعدل بالقانون رقم 9 لسنة 2009، والذى قد وردت به العديد من العقوبات المتراوحة ما بين الغرامة والحبس كنتيجة للأفعال الملوثة للبيئة، والتى من الواجب أن يقوم جهاز شئون البيئة بمراقبة المحاضر لقياس كم الانبعاثات ومدى توافقها واختلافها مع قانون البيئة ولائحته التنفيذية، ولكن لا توجد أدنى شفافية فى نشر تقارير هذا الجهاز على الرغم من أهميتها، وفى غالب الأحيان لا تتم مراقبته إلا بناء على تحركات من أهالى أى منطقة منكوبة.
كل هذا بخلاف ما تضمنه الدستور المصرى الأخير من حرص نظرى على البيئة النظيفة فى العديد من المواد، هذا بخلاف ما انضمت إليه مصر من اتفاقيات دولية وإقليمية فى هذا الشأن، وأيضا ما ورد فى قوانين أخرى معنية بذات الأمر مثل قانون حماية نهر النيل، وقانون المحليات، وقانون النظافة العامة.
ولكن وللعجب تشعر وكأن كم هذه النصوص مجرد نصوص للعزف خارج الإطار الواقعى، بغض الطرف عما قامت به اللائحة التنفيذية الأخيرة لقانون البيئة الصادرة بموجب قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 964 لسنة 2015، والتى زادت الأمر سوءا بفتحها الباب على مصراعيه فى يد السلطة التنفيذية متمثلة فى جهاز شئون البيئة لمنح المصانع رخصة استخدام الفحم كوقود.

***
وأرى أن الأمر ليس بحاجة سوى لسياسات فاعلة وتصرفات حكومية تقوم بتفعيل نصوص القانون على نحو يحمى حقوق المواطنين المتضررين فى بيئة نظيفة، وعدم إثقال موازنة الصحة بهذه الأمراض وحماية الرقعة الزراعية من التصحر، وإلغاء قرار رئيس مجلس الوزراء بتعديل اللائحة التنفيذية لكون استخدام الفحم كوقود، وإن كان يعود على أصحاب المصانع بالفوائد المادية، فإنه يرجع على الدولة بالخسائر المتعددة.

تم نشر هذا المقال عبر موقع الشروق الإلكتروني بتاريخ 18 نوفمبر 2016